شهقات العيد

شهقات العيد

بقلم : همرين مصطفى

بدأ الناس بتحضير أنفسهم لأستقبال يومٍ ينتظرونهُ منذ مدة وعندما تذهب إلى الأسواق تجدها مزدحمةً بشدة فمنهم من يشتري ثياباً جديدة لأطفاله لتزيد من فرحتهم وبهجتهم ومنهم من يتجه نحو محلات بيع السكاكر وأنواع من الشوكولاتة وغيرها من النكهات التي تطيب الفم وتكُسبها مذاقاً جميلاً
والبعض يشتري زينة راقية يزخرف بها جدران بيته وأشجار حديقته ليظهر منزله بأبهى حلة وكأنها عروسة فاتنة تستعد ليوم زفافها.
يظهر الحماس على وجوه الصغار وهم يقومون باقتناء ما يعجبهم من السوق ليتباهوا بها أمام أصدقائهم باليوم الموعود.
أما بالنسبة للفتيات والأمهات فما عليهم سوى إعداد البسكويت بمختلف النكهات وكعك العيد، منها من يُمزج معها التمر لتظهر بمذاق مختلف.
ويعزلون الغرف والمنافع لتظهر بمظهر وكأنه بني من جديد وتكسو سطوح المنازل بسجادات تتداخل فيها الألوان لتشكل لوحة نادرة تترك بصمة رائعة على أرضية الغرف وعندما يتبخر الماء الذي غمس به جسده يعودون به ليفرشونه على الأرضية وينشرون عليها عطراً ذات رائحة الجوري والياسمين
وفي ليلة اليوم الموعود يخرجون للشوارع من أجل تنظيفها من الرمال والغبار ويسقون أشجارها التي تزين حواف الشوارع وعندما ينعكس جمال القمر على الشوارع المبللة يزداد جمالها ورقتها وتظهر البسمة على شفتيها لتشاركهم الفرحة
إنه يومٌ مميز وليس كباقي الأيام لا تفارق عيون الأطفال عقارب الساعة وهي تتناقل بين الدقائق والساعات وكأنها مكلفة بمهمة شاقة ليدور بها الزمن ويعود بها إلى نفس الساعات ولكن في ظروفٍ مختلفة.
يجهزون ثيابهم الجديدة التي لم يمر عليها يومان ولم يلوثها غبار الحياة بعد ذات ألوان متناسقة ويضعونها بجانب فرشتهم إلى أن يحين موعد النهار ويسرعون للبسها
وعندما يضع الإنتظار أنامله على أوتار الزمن ينبثق النوم من بين الأجفان ويضع عليها أثقالاً لا تستطيع حملها فتتلاقى على خط الأحلام والرموش تتشابك مع بعضها مشكلةً بوابة النسيان تحمي العينين من سهام اليقظة.
وها قد حل ذلك اليوم إنه يوم العيد
وها قد بدأ العد التنازلي وتختفي معها الأحلام بهروب الليل من شروق الشمس
وتتفتح الأعين لترى الشمس تقبل جبينها وفي يدها زهرة الأقحوان التي تشبهها
وتتقدم بخطواتها نحوهم ويبدأ اليوم الموعود وهو يوم العيد.
تغطي الشمس بوشاحها وجوه الأطفال لتوقظهم من نومهم فيفتحون عينيهم وثيابهم فوق رؤسهم ليرتدوها عندما يستيقظون بعد أن مسح الماء من وجوههم بقايا الليل وهو يداعب أجفانهم وأخاديدهم.
تجهز لهم أمهاتهم أكياساً فارغة البعض مطبوع عليها أكاليل الورود والبعض أوراق الياسمين وغيرها ليجمعوا بها سكاكرهم مع أصدقائهم.
والآن تتعالى أصوات الأجراس في سماء المدينة لتبدأ رحلة ممتعة.
الأطفال يتناقلون من بيتٍ إلى بيت طالبين سكاكر العيد والبعض يزيد على السكاكر مبلغاً من المال فتنرسم البهجة على وجوههم وتتدفق السعادة من عيونهم شاكرين الأنفس التي تقدم لهم ما يطيب خاطرهم.
وبعد جولة طويلة وامتلاء أكياسهم بالسكاكر لما يكفيهم لأيام يعودون أدراجهم والتعب يرافق أجسادهم
أما بالنسبة للأهالي فيبدأ موعدهم بحلول المساء ويزورون أقاربهم وأصدقائهم ويتبادلون المحبة على منصة الحياة .
تظهر البيوت بمظهرٍ آخر على غير عادتها فالضحكات تعلو المدينة وصرخات الأطفال وهم يركضون وراء بعضهم مشكلين واحة تائهة لا تعرف طريق الوصول إليها
والسماء تتمايل للمغيب مع شمسها لينهي يومه والسعادة تغمر مدنها
ولكن أحيانا تنقلب الموازين ويتبدل الظروف رغماً عنا فتتحول ضحكات الأطفال إلى صراخ وهم يحتضرون تحت الدمار الذي خلفته الحرب
والبيوت المليئة بأصحابها وأهلها تتحول إلى غرف مهجورة لا يسكنها سوى مسن قد تقدم به العمر ولم يتبقى سوى شهقات قليلة وتنقطع أنفاسه
والأسواق بدت شبه خالية لا تجد فيها سوى أصحاب المحلات الذين أجبرهم الفقر البقاء تحت رحمة القدر يجهلون المصير الذي ينتظرهم فما باليد من حيلة
وعندما تتجول في الأحياء تجدها هادئة لا تسمع سوى تغاريد العصافير وصوت الرياح التي تضرب وجنتيك وتداعب خصال شعرك
تجد بعض الأمهات يجلسون أمام أبواب منازلهم وينتظرون قدوم الاطفال لهم لتستقبلهم بعينين تلمعان كالألماس ومحمرة كالورود لشوقها وتذكرها أولادها عندما كانوا بعمرهم وهم يتجولون بين الأحياء والآن قذفت بهم الحرب إلى أماكن بعيدة لا تعلم وجهتها لذا تهنئهم بالعيد بقلب معصور بقبضة الحنين فتعطيهم سكاكر العيد وقبلة على الوجنتين
فكم من أمً تجلس وراء هذه الأبواب تذرف الدموع لوحدها أمام مائدة تنظر إلى الغذاء وتتذكر صغارها عندما كانوا يجلسون معها ويتشاركون الوليمة وهم سعداء
وكم من عائلات تشردوا بسبب الحروب والفتن ووصل بهم المصير المبيت داخل مخيمات يدخلها المطر إن هطل وتتطاير مع الرياح إن عصفت بها بعدما كانوا يسكنون في بيوتهم مكرمين يأكلون ما يشاؤن والدفئ يكسوا أجسادهم
العيد كان يوماً مثالياً تتصافح فيها الأيادي التي لم تحتضن بعضها منذ زمن
وتتعانق الأرواح التي اتخذت من البعد مهرباً من الواجبات التي تقع على عاتقه ويخدع نفسه بالعمل المستمر والظروف الحياتية المعيقة للدرب
العيد منبعٌ للحب يروي عطش القلوب الذي أهلكه القدر بقسوته وتغيرت لونها من الشاحب المائل للسواد إلى وردي مائلٍ للون الورود
أنه يومٌ مبارك يرحم فيها الضعيف قبل القوي والصغير قبل الكبير واليتيم قبل أي كائنٍ كان.
جمال الحياة في نقاء قلوبنا وليست بالأنانية والحقد والكراهية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: