شجرة الحياة

بقلم : همرين مصطفى

في كل خطوة من حياتنا نتفقد وجودها (الأم)..

عندما يولد الطفل ويخرج للحياة بصرخات مؤلمة، لا يهدئ إلا بعد أن يسمع نبضات قلب أمه ويستنشق عبق عطرها

وعندما يكبر رويداً رويداً لا تفارق عيناه عيني أمه فلكل نظرة معنىً خاص ورسالة مميزة إنها لغة لا فهمها سوى الأم والمولود

وعندما يخطو خطواته الأولى في مسيرة حياته يتقدم بضع خطوات ثم يسقط مناجياً أمه لترفعه من جديد ولتعقم جروحه الناتجة عن السقوط

وعندما يمرض في أوقات عصيبة لا يجلس بجواره سوى أمه والدعاء يرافقها في محنتها وتلك اللمسة الساحرة التي إن احتضنت الجسد أصبح على ما يرام ويزول الألم بلحظة واحدة

تبقى مستيقظة تصاحب البدر بأمسيته وتنسج للنجوم بريقاً من عينيها وتروي ظمأ السماء بدموعها ولا تفارق صغيرها إلى أن تطمئن عليه ويستقر وضعه

وعندما يكمل السادسة من عمره ويحين موعد الذهاب إلى المدرسة يقيده الخوف في تلك اللحظة وكأنه سيخوض معركة كبيرة إما أن يخرج قاتلاً لأعدائه أو مقتولاً تحت يدهم وينظر إلى أمه بعينين مرتجفتين يطلبان البقاء في المنزل رغم صمتهما إلا أن الضعف الذي يكمن فيهما يشرح كل شي ولكن أمه لا تتركه بل تذهب معه إلى دوامه وترافقه طيلة الزمن إلى أن يتعود ويصبح حاكم المكان والزمان

إن جاء بعلامات عالية تغمره الفرحة ويسرع راكضاً نحوها ليفوز بعناقها ودفئ صدرها وقبلة هادئة تلامس الجبين ولكن إن كان عكس ذلك يعود واليأس يخيم على رأسه وكأنها غيمة عاتمة مليئة بالمطر وستفرغ ما بداخلها بأية لحظة وكذلك عيناه مليئتان بالدموع وستنهمران في لحظة مفاجئة ولكنه عندما يخبرها تحتضنه لتخبره أن الفشل بداية النجاح

وأن الإنكسار يعلمك معنى الصمود والكفاح

فلكل شي في الحياة مغزاه رغم مرارته

فيعود ولكن بنشاط أكبر وطموح أعلى

وهناك المزيد الذي ترغب بالتحدث عنه وكل نجاح أو فشل تجد أمك في بادئة الأمر وكأنها تعلم ما تنسجه لي الحياة  لألبسه من غير اعتراض

أما الأب فهو سند البيت الذي مهما عصفت به رماح الحياة ومهما إزداد الثقل على كاهله لن ينكسر

الأب الذي وهب حياته من أجل صغاره فيخرج من عرينه عند بزوغ الفجر بحثاً عن عملٍ يحصد به لقمة يأكلونها

وهو الذي كلما ضعف يختبئ في زاوية لا يراه فيه أحد ويفرغ ما اختزن في عينيه من دموع لم يستطع الإفصاح عنها لكي لا يُحزن أسرته

الأب الذي يكتفي بالنظر إلى صغاره وهم يأكلون طعامهم فلا يشاركهم الوليمة لقلته وأنما يشبع عندما يشبع صغاره

وهناك الكثير من الأمور يمكنني التطرق إليها لأبين مدى أهمية وجود الوالدين في حياتنا فماذا سيحصل لو فقدناهم سنصبح يتامى

تلك الروح المنبوذة بين المجتمع والأمة والأصدقاء

تلك الروح التي يعتبرونها ناقصة وذو جناحٍ مكسور لا تستطيع التحليق بعيداً عندما يوجهون له كلمات حادة كحدة السيف وهو يُغرز في الكيان

كلنا نعلم جرح جسدٍ يرى ويمكننا معالجته ومع الأيام تشفى على الرغم من بقاء آثاره إلا أنك لا تشتكي من الألم

أما جرحُ القلب فليس له دواء ولا يرى كلما تشعر به هو حرقة من الجوف رغم الإبتسامة المزينة للشفتين من أجل أن لا تكسب شفقة من أحد

ماذا يفعل هذا اليتيم وهو فاقد لأبيه وأمه في ظل هذه الظروف والحروب التي أصبحت مصدر شتات العائلات

والهجرة التي تبتلع النفوس من غير أن ترف لها جفن

ماذا يفعل عندما يحل عليه ظلام الليل وهو ملقيٌ على فراشه يتأمل باب غرفته لعل أحداً يفتح هذا الباب ويتفقده إن كان الوشاح يكسو كل فؤاده أم أنه مرتاح ولا يشتكي من شيء كما كانت تفعل أمه في كل ليلة ولكن يأثره النوم من غير أن يتحقق رغبته هذا إن كان له بيتٌ يأويه ولا يتجول في الشوارع ويترجى جميع المارة بفتات خبزاً ينقذه من الموت ويسد جوعه

ماذا يفعل إن لم يكن هناك من يهتم به ويصرف عليه وهو ملزم على العمل وهو في السادسة من عمره يستيقظ باكراً من أجل الذهاب إلى العمل بدلاً من الذهاب إلى المدرسة ليبني مستقبله

يعمل تحت أيادٍ لا ترحم ولا تشفع وكل خطىءٍ يدفع ثمنه والثمن هو طرده من العمل ولكنه لا يفكر ما الذي سيحل به وكيف سيدبر أمره

ذلك اليتيم المحروم من السعادة الروحية والهناء الجسدي الذي طالما سيظل وحيداً إلا أن يرحمه القدر ويبعث له من يعوض ذلك النقص إلا أن النقص لا يعوض ولكنه يخف

ماذا يفعل إن جرح إصبعه والدم يلوح بيديه ويلون كفيه ويبكي عاجزاً عن فعل أي شيء وهو ينظر إلى يده ويتذكر أمه التي كانت تضمد له جراحه وتمسح له دموعه بكلتا يديها براحة ولطف فتزداد حدة آلامه ويسقط على قدميه وكأنه يسقط من الهاوية

إنه الصراع بحد ذاته

صراعٌ مع النفس لتبقى شامخاً لا يكسرك القدر

صراعٌ مع الحياة لتبقى حياً لا يلامسك تراب الأرض، صراعٌ مع الظروف لتبقى كما أنت.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: