الوجود الكردي في ليبيا

 الوجود الكردي في ليبيا

بقلم المؤرخ : برادوست ميتاني
ليبيا كغيرها من العديد من الدول تضم بين مكوناتها المكون الكردي الذي تبعثر من وطنه كردستان إلى مختلف بلدان العالم ووصل إلى إليها الكردي لا في سبيل الارتزاق أو الغزو أو الاشتراك الطوعي في جيوش الاحتلال واراقة دماء السكان الاصليين وتدمير البلاد كما يفعله المحتلون بل كان وراء وجود الكرد في ليبيا أسباب معظمها سياسية قسرية اجبارية تهجيرية.
لقد امتدت جذور الامة الكردية في ليبيا عبر وجودهم قديماً في مصر مع حكم و جيوش الامبراطوريات الأخمينية الفارسية والاشكانية والساسانية ذات الغالبية الكردية وبصورة أكبر مع الدولتين الأيوبية والعثمانية وتم انتقال الكرد من مصر إلى ليبيا الجارة في مراحل وظروف شتى وقد أصبح الكرد بمرور الزمن جزءاً من القبائل الليبية المساهمة في بناء الدولة من مختلف النواحي وباتوا من سكانها الاصليين .
كان للوضع المعيشي السيء للكرد في ظل الانظمة المحتلة لكردستان دور آخر في الهجرة الاقتصادية للكرد من وطنهم أو من بلدان أخرى كسورية ومصر وتركيا وذلك في البحث عن العمل في ليبيا منذ قرون مضت للعمل في التجارة والنجارة وحفر الآبار وسواها
أما السبب الأهم لوجود الكرد في ليبيا هو بسبب المواقف العنصرية للدول الغاصبة لكردستان وخاصة الدولة العثمانية التي كانت تهجر الكرد من بلاهم وبأفواج وجماعات وقبائل شتى خاصة مع العشائر أو العائلات التي تناهض ظلمها واستبدادها وتتمرد على ولاتها منها ما فعلته مع عشيرة هيماوند الكردية في مناطق سليمانية بجنوب كردستان المطالبة بكيانها ووجودها على أرضها.
لطبيعة عنجهية السلطنة العثمانية في كردستان عامة و جنوب كردستان خاصة المستخدمة مع الشعب الكردي الذي كان حينها ذات طابع عشائري ,التي ومازالت تنكر للعشيرة الكردية شخصيتها القومية والاجتماعية القبلية القائمة على الشموخ والاعتزاز وعدم القبول بالتبعية لرجالها وولاتها الاقطاعيين العسكريين لذا كانت تتمرد وتثور في وجه الدولة العثمانية التي كانت دائما تلجأ إلى أساليب البطش بأشكاله المتعددة للقضاء على تلك الحركات التمردية الاستقلالية .
بعد أن يئست الدولة من ذلك القمع لجأت إلى اسلوب عدائي آخر وهو بعثرة القبائل الكردية بل حتى شرذمة القبيلة الواحدة و إفراغ مناطقها منها وذلك بتهجيرها إلى مناطق بعيدة عن موطنها الاصلي . من ضمن ما فعلته كانت مع قبائل جنوب كردستان ,فهجرت في القرن التاسع عشر الميلادي عشيرة هيماوند التي كانت تقاومها في مناطق ممتدة من كركوك حتى سليمانية إلى مناطق اناضول والبحر المتوسط في منطقة أزمير وغيرها من مناطق سوريا ولبنان .
كان حينئذ على ولاية ليبيا وال عثماني هو أحمد راسم باشا الذي اقترح خطة للعثمانيين بالتخلص من أولئك الكرد وابعادهم نهائيا من مناطقهم وقد تمكن ذلك الوالي من اقناع السلطان بذلك ألا وهي تهجيرهم إلى ليبيا عنوة
لذلك عملت الدولة إلى تهجيرهم على شكل دفعات تضم من 100 اسرة إلى 200 اسرة من كرد هيمايون وغيرهم على شكل جماعات إلى مدينة بنغازي والجبل الاخضر وطرابلس الغرب وقد حاول الوالي العثماني استخدامهم للعمل في الزراعة في مدينة سرت ولكن الكرد الهمايون رفضوا البقاء بإصرار و ظلوا يقاومون ذلك ويرفضون العمل في الزراعة بالرغم من أن الوالي حاول اغرائهم يمنحهم البذار والمال, إذ منح لكل فرد كردي يومياً قرشاً ونصف ساغ تركي كما ضم شبابهم إلى الإسظول و الاعمال البحرية العسكرية .
حاول الوالي تغيير خطته معه لذلك تم نقل الكثيرين منهم إلى الجبل الاخضر لاقناع الكرد بأن طبيعة الجبل تشبه طبيعة كردستان الجبلية وحاول الوالي اقناع الباب العالي بذلك بحجة أن الكرد قبليين وجبليين ولكنه لم يفلح في ذلك أيضاً لأن العديد منهم أي الكرد أبوا العيش في الغربة وفضلوا العودة إلى كردستان حيث مناطقهم في جمجمال وغيرها وقد نجت تلك القافلة من الضياع في ذلك الطريق الطويل جداً بفضل أحد افرادها وهو العالم بالنجوم وحركتها السيد حمة علي غلام وذلك عام 1863م . كما أن قافلة أخرى بزعامة حسن بك تضم زعماء هماوند محمد آغابي سليمان ,ورشيد بن فتاح وعبد القادر بن حسين بك وحسين بن علي ومصطفى بن كامل وكريم بن فتاح عادت وفي سبيل ذلك قاتلت جنود الوالي ,خلال الاشتباك استشهد منهم حسين بك وذلك عام 1891م ,تمكنت من العودة وقد جاؤوا مشيا على الاقدام مستغرقين في الطريق مدة ستة اشهر.
أضطر الوالي العثماني عام 1893م إلى الرضوخ لإصرار أولئك الكرد المتشبثين بالعودة بالطلب من السلطان بالسماح لعودتهم وتوطينهم في مناطق ازمير والتي كان فيها مرض الكوليرا منتشراً..
ولكن ظل قسم كبير من الكرد في ليبيا حتى يومنا هذا وازداد عددهم بازدياد عدد سكان البلاد وتوجد منهم عوائل بارزة منها الاورفلي وعائلة الكردي حيث منها الفنان سمير الكردي وكذلك يوجد حي في الضواحي الشرقية من بنغازي يحمل اسم الحي الكردية يضم عشرات بل المئات من الاسر الكردية عددها 237 اسرة وتفرع منها في منطقة مليطانية 126 اسرة (أي ملتية وذلك في اللغة الكردية أي الامة) .
معظم العوائل الكردية في ليبيا يحملون اسم الكردي مثل حسين آغا الكردي وسليمان آغا الكردي ويقيمون في مدن منها مصراتة وسيرت وبنغازي والعاصمة طرابلس الغرب وأكثرهم يعرفون بقبيلة الاكراد ويعتزون بكرديتهم لدرجة أن أحدهم يرد على الأخرين عند الاعتزاز بالمروءة والشهامة : إذا لا تعرفني فأنا كردي .
الكثير منهم منخرطين في مختلف الاعمال وخاصة التجارة ومشهورون بالمعاملة الحسنة وقد شاركوا وعاصروا ثورات ليبيا كثورة المجاهد عمر المختار وثورة المرحوم معمر قذافي ,هذا الأخير الذي لسلوك الكرد الحسن في بلاده أعجب بهم وأختار منهم بعضاً من مرافقيه وحراسه الشخصيين ولمتابعته لأخبار عدالة قضيتهم في كردستان تعاطف معها وطالب لهم باستقلال وطنهم كردستان كما أنه سمح بدراسة التاريخ الكردي في جامعات البلاد بالإضافة إلى أنه سمح للكرد بمزاولة نشاطهم السياسي والثقافي في ليبيا .
بالختام لابد أن نذكر شيئاً مهماً في هذا المجال :
قال الرئيس التركي في الآونة الأخيرة أن مليون تركي يعيش في ليبيا – بغض النظر عن صحة هذا الرقم المسيس- نقول أنه في كلمته ينكر على الكرد أصلهم فهو يشملهم كأتراك في ليبيا متماشياً في سياسته التي سعى هو ومن قبله من حكام الترك والعثمانيين على تتريك الكرد وتهجيرهم والتي من نتائجها المدمرة باتت اسماء العديد من العائلات الكردية تركية أو تنسب إلى المدن التركية أو إلى الفرق العسكرية العثمانية لدرجة أن الحابل أختلط بالنابل مع الكتاب والمؤرخين والباحثين الاجتماعيين حول أصلهم الاثني ,كما يفعلونه مع العديد من هذه العوائل في ليبيا منها :
عائلة بورو نسبة إلى البوري أي الانبوب وعائلة كوسا المنتشرة الآن في مناطق عديدة وعائلة الآغا نسبة إلى الاسم الكردي آجا الذي يعود بجذوره إلى الدولة الجودية الكردية وعائلة كاشك التي تحمل معنى الملعقة وقبيلة كوروغلي أي ابن العبد وتعود بجذورها إلى الفرقة الانكشارية العثمانية التي كانت تضم الترك والكرد واليونانيين والعرب وسواهم وعائلة كيخيا التي يحمل اسمها هذا معنى كردي من أيام الكرد الميديين وهو أي الزعيم أو القائد وعائلة بني حميد التي تقول المصادر أنها جاءت من تركيا دون أدراكهم بأن شمال كردستان محتل من قبل تركيا وربما أن هذه العائلة جاءت من شمال كردستان وخاصة كانت تعمل في قصر الملك فاروق الكردي في حكم مصر وكذلك بالنسبة لعائلة الطوبجية التي كانت مثلها مهنة عسكرية طوبجية في مصر زمن محمد علي باشا الكردي الاصل ووثمة عوائل أخرى في هذا السياق منها : سقزلي ,باكير ,بيزان, ترخان, خوجة ,الجزيري والقرمانلي يظن البعض ببساطة أنهم أتراك لمجرد اصلهم من تركيا علما أن دلالاتهم كردية.
المصادر :
د.حامد محمود عيسى في كتابه المشكلة الكردية في الشرق الاوسط.
أ.محمود شعبان بحثه بعنوان الاكراد في ليبيا . موقع منبر ليبيا .
أ.مصطفى عبداللع بعيو في كتابه المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا .
أ. حسين أحمد سليم بحثه بعنوان أصول وجذور قبيلة هماوند . موقع كلكامش.
أ.هنريكو دي اغسطين في كتابه سكان ليبيا.

برادوست ميتاني19-5-2020م. 30-2-2632 كردي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: