الأبنية الحديثة نعمة أم نقمة؟

قبل بضع سنواتِ من الآن عندما بدأت الحركة العمرانية في روج آفا تزدهر تفاءلنا بالخير، ودخل السرور والأمل إلى قلوبنا وقلنا لا بد أن المهاجرين يرسلون أموالهم لشراء البيوت للعودة إلى الوطن من جهة، ومن جهةٍ أخرى ستعطي الأبنية الحديثة والتي من المفروض أن تكون مصممة بشكل حديث وحضاري الجمال والبهاء لمدننا وشوارعنا، ولكن ما حدث كان العكس تماماً وسرعان ما انطفأت شعلة الفرح وغاب شعاعُ الأمل.
فلا المهاجرون عادوا ولا الأبنية الحديثة أعطت الجمال والرونق لمدننا، بل خنقت الأحياء والشوارع، لأننا شعوب الشرق الأوسط نأخذ من كل جديد السيئ منه ونترك المفيد، فالأبنية راحت تعلو بسرعة كبيرة واحدة تلو الأخرى، وبجانب بعضها البعض، فلم يتركوا أرضاً ولا بيتاً قديماً إلا وحولوه إلى بناء إسمنتي عالٍ يفتقد إلى الكثير من شروط البناء، من حيث المساحة المسموح لها بالبناء، ومراعاة شروط البناء السليم، فالمهم هو الربح السريع والكبير، بما أن الفرصة سانحة ولا أحد يدقق أو يحاسب المخالف، وبدأ الناس بتسليم بيوتهم وأراضيهم للمتعهدين، الذين يهدمونها ويعمرون بناء ضخماً بلمح البصر، وكأنهم يريدون أن تسجل أسماؤهم في كتاب غينيس للأرقام القياسية.. والأبنية لا تقل عن خمسة طوابق في مناطقنا ذات البنية الزراعية!
وأثناء عملية البناء هناك قصة أخرى، بل مأساة يعاني منها أهالي الحي، ويبني المتعهد بيتاً لحارس البناء في أي مكان يشاء من الشارع، ويضع أكوام الرمل والحصى والمواد الأخرى وسط الشارع وأمام منازل الجيران، فيقطع الطريق أمام المارة والسيارات، ويفترش بها الشارع لتتناثر في كل مكان، ويختفي ما كان تبقى من آثار الرصيف والإسفلت في الشارع، ويملأ المكان بالغبار حتى تكاد تختنق كلما مرت سيارة في الحي أو هبت نسمةٌ من الهواء، ولا يكلف الحارس نفسه بتنظيف الشارع من الرمال والحصى والإسمنت بعد انتهاء العمل، فيتركون كل شيء في الشارع ويرحلون وليذهب الحي وسكانه إلى الجحيم، وليس هذا وحسب، بل يبنون وبمخالفات كبيرة وغير مقبولة كلياً، فالأرض التي سيبنون عليها لا تروي ظمأ طمعهم بل يتجاوزن بها فيقضمون متراً أو أكثر من الرصيف أو الزقاق مهما كان ضيقاً، ويمدون الشرفات حتى نهاية الرصيف أحياناً، لتصل إلى أعمدة الكهرباء، ولا يتنازل عن فكرته في رفع البناء إلى خمسة طوابق ومعهم الملحق، وكأن الخمسة طوابق أصبحت كلاماً منزلاً من السماء، وأنا متأكدة أنه لو كان قانوناً لما نُفذ وتقيد به كما يحدث الآن، وكأنه يريد منافسة المهندسين الذين بنوا برج خليفة في الإمارات، ومن المعلوم أنه في الأزقة لا يسمح سوى ببناء طابقين، وبالرغم من الشكاوى التي يتقدم بها الجيران بسبب علو البناء وتجاوز الحد المسموح لهم إلا أنه ليس من مجيب، لأن المتعهد يدفع ما عليه من المخالفة وتُحل المشكلة، ولكن هذا يولد سخطاً وكرهاً شديدين لدى الأهالي تجاه المتعهدين والبلدية، وعلى هذا الحال سيكون بإمكان كل شخص ارتكاب المخالفات ومن ثم دفع ثمنها، ومن الممكن أن يأتي يوم يقوم فيه بعض الأشخاص ببناء بيوتٍ أو دكاكين وسط الشارع أو في حديقة عامة، وسيدفعون المخالفة وينتهي الأمر!!
إذن لا بد من وضع حدٍ أو قانون تنظيم عمليات البناء، ومعاقبة المخالف عقاباً شديداً كيلا تتكرر هذه المخالفات، نحن الآن نبني مدننا من جديد، ونتمنى أن تكون بجمال ونظافة المدن الأوروبية التي ننبهر بها، وبإمكاننا أن نجعل مدننا بهذا الجمال إذا حرص كل واحدٍ منا من جهته على جمالها ونظافتها وبنائها، ونتمنى ونرجو من البلديات أن يخطط المهندسون المختصون الشوارع والحدائق والساحات والبيوت في كل مدننا لأنهم يعلمون جيداً كيف تُخطط المدن، نتمنى ونحلم أن نرى مدناً جميلة وشوارع نظيفة وحدائق خضراء، وبيوتاً منظمة ومنسقة، أظن أننا نستحق هذا ونتمنى أن يتحقق هذا الحلم قريباً بفضل تعاوننا.

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: