صدى الواقع السوري

“الهجرة العكسية” سوريّون في أوروبّا ” ردّني إلى بلادي ولو تهريباً “

أدت الحرب التي شنت على سورية إلى هجرة أموال السوريين، وبعد ثماني سنوات من حرب وبدء عودة الأمن تدريجياً إلى سورية. آن الأوان لعودة الباحث باستمرار عن الاستقرار.

ويواجه المهاجرون السوريون الجدد في دول أوروبا تغيرات جذرية في نمط حياتهم، تبدأ باللغة الجديدة وأسلوب التواصل مع الآخر، ولا تنتهي بأزمة الاندماج كعنوان كبير يواجه مستقبل اللاجئين القريب والبعيد.

تختلف نظم دول اللجوء الأوربي، بالضرورة، عن النظم التي قدم منها اللاجئين السوريين، سواء على مستوى النظم السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية وبالطبع الدينية.

يواجه السوري اليوم مجتمعا مفتوحا تحكمه قوانين صارمة لم يعتدها في بلاده، وهي رغم إيجابيتها تتطلب منه استيعابها وتمثّلها وبالتالي تصبح جزءا رئيسيا من ثقافته.

يلتزم اللاجئ بدروس اللغة وبرامج خصصت لبدء إدماجه في المجتمع الجديد، وتدور عجلة الحياة بناء على هذا الأساس.

هنا في هذه النقطة بالذات تبدأ مشاعر الغربة تنتاب الكثير من اللاجئين السوريين. ربما يعاني الكبار الراشدين من نمطية الحياة هنا، وتظهر فجأة دموع الحنين.

السيدة “أم حسن شقير” 55 عاما، تعاني من حالات اكتئاب عارضة، يفسرها أولادها بفقدان الهوية الاجتماعية التي كانت تستمدها من علاقات الجيرة في حي صلاح الدين في مدينة حلب.

لكن يبدو أن مشكلة اللغة هي التي تخلق غياب التفاعل والتواصل، ناهيك عن اختلاف تلك الأساليب من التواصل عنها في سورية، ذات الثقافة الاجتماعية المعتمدة على التكافل والمودة وغياب الخصوصية لاسيما في علاقات الجيران بشكل خاص.

“أشعر بالغربة والحنين إلى سورية، أقول أحيانا ماذا أفعل هنا؟ وهل سأعرف نفسي بأنني ألمانية؟.

ففي ظل العيش في بيئة خالية من الشبكات الاجتماعية التي اعتاد عليها، يجد السوري نفسه يوميا وهو يصطدم بمواقف وأحداث تزيده إرباكا، وتجعل من كل حدث أو سوء تفاهم أو تشوش في بعض التصرفات، معاناة تتطور لتشكل ضغط نفسي جديد.

لم يكن كثير من السوريين الذين رموا بأنفسهم في «رحلات المخاطر» بغية الوصول إلى «نعيم اللجوء» في أوروبا ليتخيلوا أنّهم سيخاطرون مجدّداً، لكن في الاتجاه المعاكس. في العام الأخير نشطت خطوط التهريب لتعيد هؤلاء من أوروبا نحو تركيا حيث يمكث بعضهم، ويحاول بعضهم العودة (تهريباً) إلى سوريا. وما زالت قوانين اللجوء في أوروبا تحظر على طالبيه زيارة بلدهم، برغم تأكيدات «المفوضيّة» للدور الإيجابي الذي يمكن زياراتٍ مماثلة أن تلعبه.
قبل شهرين وصل أيهم (اسم مستعار) إلى مدينته حلب بعد رحلة طويلة ومحفوفةٍ بالمخاطر، قطع في خلالها حدوداً دوليّة بواسطة طرق التهريب كي يصل من أوروبا إلى تركيا، قبل أن ينتحل شخصيّة أحد أقاربه كي يعبر الحدود من تركيا نحو سوريا عبر معبر «باب الهوى»، ولينطلق أخيراً نحو حلب. وفي عام 2014 انضمّ الرجل الأربعيني إلى قوائم اللاجئين السوريين في إحدى الدول الأوروبيّة، بعد أن وصلها بواسطة التهريب من دون أن يخطر في باله أنّه سيسلك يوماً الطريق نفسه، لكن في الاتجاه المعاكس. تختلف الأسباب التي دفعت أيهم إلى تكرار المغامرة الخطرة، لكنّه في المرّتين «لم يكن يمتلك حلولاً أخرى» ، لا تختلف الأسباب التي دفعته إلى خوض مغامرته الأولى عن ملايين السوريين: ظروف الحرب، وخراب البيت، أمّا دوافع المغامرة الثانيّة فيمكن إيجازها في جملة واحدة تشكّل بيت القصيد «جيت أشوف أبوي قبل ما يموت».

في شهر آب من عام 2017 أكّد الناطق الرسمي باسم «مفوضيّة اللاجئين» سكوت كريغ أنّ «تجارب المفوضيّة في سياقات أخرى (غير سوريا) لعودة اللاجئين أثبتت أنّ السماح للاجئ بزيارة بلده مؤقّتاً (الذهاب للتفقّد) هو أداة مهمة تسمح للاجئين باتخاذ قرارات مستنيرة بشأن العودة (النهائيّة)». وأكّد تقرير لـ«المفوضيّة» حينها «وجوب سماح بلدان اللجوء بالزيارات المؤقتة لسوريا، مع السماح بعودة اللاجئ إلى بلد لجوئه». مرّ عام على تلك التصريحات، لكنّ شيئاً لم يتغيّر لجهة «السماحيّة» المنشودة.
مكاتب «المفوضيّة» في لبنان. ورغم أنّه كان خارج نطاقها الجغرافي، فقد أبدت تعاوناً جيّداً، ونقلت السؤال إلى المكتب الإقليمي في عمّان، قبل أن يحطّ في مكاتب «المفوضيّة» في تركيّا، ثمّ في أوروبّا، من دون أن نحصل على إجابات حتى الآن.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: