صدى الواقع السوري

تاريخ دولة من الحضارة الكردية مملكة (آيلام- عيلام )

    تاريخ دولة من الحضارة الكردية     مملكة (آيلام- عيلام   ÊLEM)       

                                                               4000 –  750  ق م  

بقلم : برادوست ميتاني 

هذه المدينة التي أصبحت فيما بعد عاصمة للدولة العيلامية القديمة – يعد موقع سوسا أو سوز منبعا للتاريخ خلال العصورا SOZA  الحجرية الثلاث : القديمة , الوسطى و الحديثة التي سبقت تكون العرق الآري, تبلورت فيها الحضارة التي تفاعلت مع حضارة منطقة موزوبوتاميا و حولها .حيث يدل الموقع على الاستقرار البشري الآري وما قبله, بعد أن سكن الإنسان في بيوت بسيطة البنيان, وقام بصناعة أدواته الحجرية ومن ثم المعدنية وتربية الحيوان بعد تدجينه لها كالغنم و الماعز و الأبقار و الكلاب و غيرها . ومارس بشكل رئيسي الزراعة التي كانت في مجتمع تقوده المرأة , لما كان لها دور في القيام بالزراعة وانجاحها في الريادة .كما أن موقع مدينة سوسا يتميزآثارياً من غيره بأنه تم اكتشاف نصوص مكتوبة بالأحرف العيلامية الصورية ,(من الجدير ذكره ان نقش بهيستونBêstûn(1)الذي الذي سجل عليه الملك الاخميني دارا الاول انتصاراته قد تضمن الكتابة العيلامية إلى جانب اللغات الأيرانية القديمة و البابلية وهو الأن في سفوح جبال زغروس بإرتفاع 20 م ,,مقابل مدينة كرمنشاه على بعد 60 كم تقريباً)والكتابة العيلامية القديمة الصورية تعود الى نهاية الألف الرابع(2) قبل الميلاد ومنها انطلقت الحضارة الحديثة بمبادئ الكتابة الى جانب العمليات الحسابية في جمع الأعداد , ثم قامت فيها أكبر التجمعات العمرانية تركزت فيها الحياة المدنية منذ الالف الثالث ق.م ,عندما تأسس فيها أقدم نظام سياسي(3) مدني بقيام مملكة عيلام عاصمتها مدينة سوسا الواقعة في الجهة الجنوبية من شرقي كردستان, أي جنوبي غربي ايران .وتعد سوسا (شوشا حالياً)مركز(4) تداخل حضاري بين بلاد الرافدين و ايران الجنوبية بكل حضاراتها و ثقافاتها القديمة, والعيلاميون من الشعوب الجبلية على امتداد سفوح جبال زغروس من الشمال الى الجنوب و الشرق, و ينحدرون من اصل مشترك(5)(و لهجات متقاربة مع الكوتيين و اللولبيين والكاشيين الكرد, ومن منظومة شعوب زاغروس بمن فيهم سوبار وهور, وكثيرا ما تعاونوا معاً في وجه الأخطار المحدقة بهم, وأحيانا أخرى دخلوا في حروب فيما بينهم, مثلما حدث مع الكوتيين (الجوديين) ,عندما حارب ملكهم إننا توم الآيلاميين في القرن الحادي والثلاثين ق.م.

امتد نفوذ العيلاميين من سهل سوسا الى منطقة الخليج فاصطدموا في ذلك مع الاكاديين, بعد أن اسسوا أول أسرة حاكمة في الربع الأول من الألف الثالث ق.م ,وكانت نتيجة الصدام  لصالح شاروكين الأكادي الذي نجح في دخول سوسا وضمها الى مملكته ,كذلك في عهد خلفه مانيش توسو الذي تحكم  بالمنطقة و ممراتها التجارية, مستورداً المعادن و النحاس و الأخشاب و غيرها .أما في عهد نارام سين الأكادي فقد قامت ثورة عارمة بدايتها من عيلام و نهايتها عند نهر الزاب, تمكن نارام سين من قمعها ,وعين حاكم اكادي في سوسا ,وبدأت بذلك حرب ثقافية على العيلاميين ,إذ تم فرض اللغة الاكادية محل اللغة العيلامية كذلك بالنسبة للأسماء و غيرها .

عندما عين نارام سين حاكماً محلياً و هو أن شوشيناك, انتقلت السلطة في عيلام بالتدريج الى اهلها ,و بدأت علامات الانفراج في الحالة الثقافية حيث تظهر النصوص العيلامية الى جانب النصوص الاكادية ,كما ان الحاكم العيلامي ان شوشيناك عمل على ترسيخ سياسة رصينة في البلاد ,وقيادة حملات نحو الشمال, ألتقى خلالها ببني جلدته الجوديين و عقد صلات مباشرة معهم

عاشت عيلام  عهداً جديداً خلال حكم بوزور أن شوشيناك في 2670 ق م  ,الذي نفذ أعمالا عمرانية ضخمة أدت سياسته الى توافد ممثلي القبائل والممالك الصغيرة إليه لتقديم الولاء له , ساعدت هذه السياسة على استعادة عيلام قوتها و أمجادها ,وخاصة بعد موت نارام سين وولادة شعور لدى هذا الملك (بوزور)بضرورة التخلص من التبعية للاكاديين ,والاستقلال عنهم, لذا هاجم الاكاديين ,وتمكن من نزع استقلال دولته عن الحكم الاكادي ,وكان ذلك بادرة لتحركات القبائل الكردية الأخرى ايضا كاللوللوبيين (6) و الجوديين نحو سهول رافدين للتخلص من سطوة الاكاديين ,وهذا ما ادى الى تراجع دورالأكاديين شيئا فشيئا ,ليظهر دور ذلك الشعب الزغروسي الأصيل في موزوبوتاميا العليا من جديد

نجح الكوتيون في القضاء على الاكاديين قرابة 2150ق.م ,ثم  توجهوا نحو بلاد سوسا حيث العيلاميين, ونتيجة الصراع كانت سيطرة الجوديين على بلاد عيلام, ولكن السلطة الحاكمة في اور بإسم الأسرة الثالثة البابلية تمكنت من تحقيق النصر على الجوديين ,وابعادهم عن سومر و عيلام التي سيطروا عليها قرابة مئة عام. أما العيلاميون فقد نهضوا من كبوتهم ,وقاموا بالتحرر من البابليين ,وطردوهم ,ومن ثم ملاحقتهم حتى أور, التي سيطروا عليها وقضوا على حكمها و جلبوا ملكها إيبي سين اسيراً الى سوسا العاصمة .هذا ما يتضمنه نقش سومري عثر عليه في مدينة اور, وهو يسرد أحزان وهموم السومريين إزاء تلك الكارثة التي يسمونها لعنة آكاد.

نهضت قوة ايرانية جديدة باسم شيماس, التي سيطرت على عيلام في أواخر الالف الثالث ق.م من منطقة أصفهان, وكذلك ظهرت قوة جديدة في سومر بعد سقوط اور الثالثة وهي ايسن السومرية ,التي نجحت في حروبها مع مملكة شيماس(7) بطردها و احتلال سوسا عاصمة العيلاميين

لم يستسلم العيلاميون للمحتلين, حيث نجحت اسرة عيلامية تحمل اسم سوغل ماه Sogulmahفي الالف الثاني ق.م  بطرد ايسن من البلاد , عندما كان يحمل ملكها لقب ساعي الإله الأب ملك أنزان و سوسا ,لتدخل بعد ذلك عيلام من جديد أوجها الاستقراري و التوسعي ,حيث نرى الاهتمام بالدواوين و المعاملات التجارية وبالثقافة الدينية ,عندما ازدهرت عندهم ميثولوجيا الالهة الانثى للربة شالاşala وقرينها الذكر أن شوشيناك. كما إن آيلام اصبحت المركز الاول في عصر البرونز من حيث التقدم المادي والاقتصادي في الهضبة الايرانية ,اذا ما تم مقارنتها بالتطورات التي ظهرت في موزوبوتاميا حينذاك

أما من حيث التوسع , فان أحد الغزاة العيلاميين نجح في السيطرة على لارسا , وتأسيس اسرة حاكمة فيها ,ثم التوجه نحو موزوبوتاميا السفلى, والسيطرة على ايسن و اوروك و بابل لأكثر من قرنين ونصف من 2025 حتى 1763ق م ,عندما تأسست الأسرة البابلية الاولى و خاصة عند

 ظهور حمورابي الذي نجح في تقليص الدور العيلامي , بعد ذلك واجهت عيلام ظهور قوتين وتحركهما ألا وهما التحرك البابلي الآموري الذي صمدت عيلام في وجهه ,و التحرك الثاني هو الآري من قبل قبائل كاشية في زكروس و كرمنشان الذي لم تصمد امامه عيلام حيث رضخت له  عام 1570ق .م ردحاً من  الزمن ,لتعود بعد ذلك الى مسرح السياسة في عهد الملك العيلامي ذو الاسم الهوري خورباتيلا ,ثم التصدي لهجوم الملك الكاشي البابلي كوري جالزو الثاني عند دور شولجي على الطرف الاخر من بلاد البحر, ولكنه هزم وأنسحب الى عيلام ,فلاحقه كوري جالزو 1345 ق.م 1324ق.م حتى العاصمه سوزا (سوسا),ولكن الاحتلال البابلي الكاشي لم يستمر ,لأن عيلام عادت من جديد الى استقلالها ووحدتها على يد ملكها أكي خالكي

ازداد ضعف بابل في عهد ملكها الكاشي كاش تيليتاش الرابع 1242- 1235 ق.م ,فتعرضت لهجمات جيرانها الاقوياء عيلام في عهد ملكها أونتاش جال(هوبان) ,الذي اشتهر بالعمران فبنى مدينة أونتاش وأسس زقورة جوغازبيبل على بعد 42كم جنوبي شرقي العاصمة سوزا.(أن لفظ زقورة هو عربي ولا جذر له ,وفي اللاتينية زغورت وفي الكردية  Zegurt, لذا يمكن إعادتها إلى الكردية القديمة  مثل لفظ كوي رتي كما فعله الباحثون مع أصل لفظ كورد , بهذا نستطيع القول  أن اللفظين  زغورت وكورد معناهما الأعالي أي الجبال وهما إشارة في الأصل إلى علو الشمس خور Xur, خاصة أن الزقورة هي بناء عال جدا)

دخلت عيلام في الخلاف على الحدود مع الكاشيين, فقد استغله الاشوريون بقيادة كوكولتي نينورتا الاول, فهاجموا بابل واحتلوها وقضو على الحكم الكاشي, ولكن العيلاميون لم يتوانوا عن الاستفادة من ذلك, وبعد انتظار طويل لتلك الاوضاع في بابل, لكي يستعدو للهجوم على الاشوريين بقيادة ملكهم كيتن خوتران, الذي عبر نهر دجلة وأخضع مدينة ايسن ونيبور في وسط البلاد, ثم تمكنوا في الهجوم الثاني من تدمير مدينة الدير, وعندما قام كبار بلاد بابل بالثورة على السلطة الاشورية, أستغله العيلاميون وهاجموا للمرة الثالثة عبر نهر دجلة ونجحوا في الوصول بعد مدينة ايسن الى منطقة موراد هذه المرة ,وبالرغم من تحقيق النصر على البابليين أقفلوا راجعين الى سوسا .

هاجم العيلاميون بابل عام1160ق.م بقيادة ملكهم شوتروك ناخونتي, عبر نهر أولاي(كارون) ,واسقطوا مدن آشنونا ودور كوري جالزو وسيبا واوبيس ,اذ تكشف الحفريات الاثرية الحديثة مدى استفادة العيلامين من التحف الفنية الكاشية التي أخذوها من بابل.

بلغت عيلام اوج قوتها في عهد ملكها شوتروك ناخونتي ,الذي شن حروباً على خلفاء حمورابي واحتل بابل ونقل تمثال شريعة حمورابي وكتيبة نارام سين وكانت عيلام أول دولة كبرى فرض نظام في تاريخ ايران (8).إذ يعتبر من ذلك التاريخ إن كل شواهد عظمة بابل موجودة في سوسا, منها تمثال الملك الاكادي مانيشتوسو, ومسلة النسر للملك الاكادي نارام سين التي تخلد انتصاره على قبائل لوللوبو الكردية, وكذلك نصب مدون عليه قوانين حمورابي, كما تذكر حولية بإن الملك العيلامي شوتروك ناخونتي قد طرد زبابا شوما آدينا الكاشي 1160ق.م واطاح بحكومته ووضع ابنه الاكبر كوردور(كوتير)ناخونتي بدلا عنه ,الذي يعود اليه الفضل إليه في فرض النظام والاستقرار في البلاد

عمل قائد كاشي إسمه انليل نادين اخي 1159-1157ق.م على جمع الشعب في بابل ضدالعيلاميين فأعتبركوردورناخونتي ذلك عملاعدائياً ضدالعيلاميين

الامر الذي اغضبه فخرب البلاد وأقتاد انليل نادين اخي إلى عيلام منهياً بذلك الحكم الكاشي عن بابل

عاد الصراع من جديد على بابل بين الاكاديين الذين حاولوا دائما احتلالها وبين العيلاميين حكامها الذين عليهم الدفاع عنها ,عندما هاجم نبوخذ نسر1124-1103 ق.م (هذا ليس نبوخذ نسر الكلداني) من مدينة ايسن, مستغلاً ضعفها في ظل ملكها العيلامي الجديد خوتيلو كوش(شولهاك) ,ولكنه أضطر للانسحاب بسبب مرضه ,ليعود بعد ذلك مستكملاً هجومه على عيلام حيث وقعت معركة بينهما على نهر كارون كان النصر فيها للاكادي الذي دخل  العاصمة سوزا ,ثم نهب ثرواتها وجلب معه تمثال الإله مردوخ

 ليسجل بعد ذلك هذا الانتصار في نقش على حجر حدود (كوردور) ,نتج عن ذلك اخفاء عيلام لمدة ثلاثه قرون(9) متواصله من الكتابات الرافدية  ليعود ذكرها في الوثائق الرافدية 821 ق.م كحلفاء للاراميين ضربوا من قبل الاشوريين .                                          وفي 750 ق م اتحد الإيلاميون مع بابل ضد الآشوريين ,ولكن آشور بانيبال انتصر عليهم ,واحتل سوزا العاصمة ,وانهى الحكم الإيلامي فيها , ولكنهم ظلوا متمسكين ببلادهم دون التخلي عنها , حتى تحريرها من قبل الميديين ,وما إسم مدينة آيلام  الحالية إلا دليل على عراقتها الأصلية

من الجدير بالذكر إن العيلاميين كانوا يكتبون بلغتهم وعلامات مسمارية(10),وإن لغة لوللو تعد منتمياً اليها(11), كذلك بالنسبة الى كرديتهم التي لا يخامرها أي شك, فإن أبناء جلدتنا الفيليين واللوريين ينتمون إليهم, وهذا ما أكدته العديد من وسائلنا الاعلامية ,وكذلك احتفاظ جبل صغير بإسم ايلام حتى الآن ألا وهو كري ايلم(Girêêlm )الواقع بين شمال وغرب كردستان, كما إننا في قسمنا كثيرا ما نحلف بإيلم

*المراجع :

1 – مدخل الى تاريخ فارس وحضاراتها القديمة – محمد حرب فرزات ص 16 .

2- المصدر السابق ص 33 .

3- المصدر السابق ص 34 +37  .

4- المصدر السابق ص 36.

5- المصدر السابق ص 39 .

6- المصدر السابق ص 41 .

7- المصدرالسابق ص 42 .

8- المصدر السابق ص 49 .

9- المصدر السابق ص 50 .

10-المصدر السابق ص 50 .

11-كرد وكردستان – محمدأمين ذكي ص76.

12-  الموقع اللإلكتروني لقبيلة بني عقيل

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: