صدى الواقع السوري

إنسان الفرجة الرقمية

 

سامي داوود
إنسان الفرجة الرقمية

كيف أمكن للرداءة أن تستحوذ على اهتمام جُل البشرية في هيئة غبطة مزيفة. فَرطَ عقد المجتمع مع بروز الحداثة التي جلبت معها الفردانية المفككة بتعبير آلان تورين. فتداعت معها سمات أساسية في بناء مقولات تأسيسية كالفرد و المجتمع. إذ يتأسس هذان التركيبان في علاقة تضافر دائرية عبر عملية التفاعل التي تجعلنا نوجد لأجل بعضنا و ضد بعضنا. لم يعد الإكتراث ضروريا لبنى الكثير من العلاقات. توجد باستمرار نسخة بديلة عن شخص ما. و ظهر في غياب فكرة الاجتماع الإنساني، ظهر المخلوق الهمجي الحديث؛ الجماهير التي يفقد فيها الفرد فرديته و يتصرف على عكس ما يريد. قطعة عضل ِ انعكاسية الحركة في جسد القطيع الذي وجد فيه ” جورج زيمل” مقاربته الاستقرائية: “الجماهير قطيع مصاب باضطراب الأعصاب الجماعي”.

أفرز العصر الرقمي سلطة شمولية جديدة. سلطة عبر السلطة و عابرة لها. تستأثر بوسائل بث المؤثرات الشاملة من معلومات و فيديوهات و أفلام و مهرجانات و قضايا عصابية تهييج الجماهير و تُميتها في آن. سلطة تمتلك القدرة على جعل القيمة قرينة البث. مخدر ضخم من الأغاني الخلاعية تجرجر جيلا كاملا و تسحبه من بنى اجتماعية مختلفة إلى فضاء بليد متجانس. بحيث يفقد المجتمع مجمل الإحالات التي يرتبط بها في شبكة المعنى. أطفال في عمر الـ 11 عاما يدمنون الخبل الذي تبثّهُ المصادرُ الحديثة للمشاعر و الأفكار. أن تختار ما تريده، لم يعد خيارا متاحا في ظل شركات الإنتاج التي تجعل الناس على علاقة مع شيء أكبر من كونه مجرد وهم. عبارات كالاستلاب و الاغتراب و التشيؤ تبقى نافعة في هذا السياق، لكنها بحاجة إلى بعد تأطيري جديد لم يحظى باسم.

نصطدم يوميا بسلوكيات متناقضة في بيئة لا يمكن وصفها بأنها مجرد إحدى تعينات العالم كقرية صغيرة. ما الذي يخبرني أن افعل شيئا و أنهي عن شيء آخر. وفقا للإرث السوسيولوجي بمختلف مشاربه ( دوركهايم و باومان و كاستورياديس و زيمل ..إلخ) يشكل المجتمع مصنعا أخلاقيا. ينظـِّر في الحرية و الحدود التي ينضبط على هديها أيقاع السلوك. الفرد يؤسس و يتأسس في آن. و هكذا تدخل التربية في نظام تداول القيم. و تعمل الفنون و المعارف على تعضيد بنية المجتمع بتجديده دون إتلاف سيرة بناء كل مجتمع. إلا أننا اليوم نشهد على اقتحام مصادر جديدة لينمو جيل جديد على وقع اليوتوب و وسائل التواصل التي تحيل الوجه إلى قناع مبهرج. فتيات مهووسات بالظهور على شكل نجمات يستعرضن أجسادهن إلى أقصى درجات الإبتذال. فتتحول فتيات الليل إلى ملهمات. كاريزما تسندها سلطة الظهور وفقا لترتيبات سياسة الإنتاج. يجهل المتلقي السبب الذي يجعل مئات الفلاشات تلقي الضوء على المغنيات الغربيات اللواتي لا تجدن من الغناء سوى الصراخ. تنتج الشركات جمهورها قبل أن تنتج فنانينها.و الإبتهال هي الاستجابة التي تضمنها الدعاية لمنصاتها. جماهير مسحورة بمغنين و مغنيات يشكلون أنقى عينات الانحلال الأخلاقي و يفتقرون إلى الموهبة. ليس للإبتهال هنا علاقة بشكل مادته و لا بمضمونها. فغياب الشكل و غياب المضمون شرط لجعل الإستجابة موجودة قبل موضوعها.

هذه الكاريزما الفارغة تستحوذ على و تدمر ما تستحوذ عليه في آن. إذ لا يبقى الإعجاب مقترنا بالفرادة بل و إنما بخط انتاج الصورة و التي يكون فيها صاحبها محض قشرة. تعني الكاريزما حرفيا الهبة. النعمة التي تهبها الطبيعة لبعض الأشخاص الذين يصبحون قادة و يتبعهم الناس ليشقوا من خلالهم طريقهم إلى وجهتهم الدينية أو الدنيوية. هذا ما يستخلصه ماكس فيبر من فكرة الكاريزما التي اقتبسها من لاهوتي ألماني لبناء مفهوم القيادة. غير أننا هنا أمام نماذج جماهيرية تفتقر إلى الهبة و الموهبة في تقديم شيء ما. أشخاص بلا خصال هم شخصيات الحداثة التي جعلتهم الدعاية رُسل الحماقة إلى المجتمعات الاستهلاكية.

إلى جانب فكرة الكاريزما. ظهرت العبارة اللاتينية البروبوغندا/ الدعاية أيضا من صومعة دينية. و التي تعني تعميم الأيمان بشيء ما. أخذت السينما الهوليودية هذه التقنية و اعتمدتها لتعميم نمذجتها الفلمية و بالتالي مخيلتها. فهوليود ليست مكانا للعيش، بل للشهرة عبر بيانات الصورة البراقة. معظم ما تقدمه هوليود يفتقر إلى المعنى. أفلام ميزانيتها الملايين من الدولارات تصنع للترفيه المحض. لكنهم يستخدمون عبارة المتعة بدلا عن الترفيه. فالمتعة جوهر في بنية الإنسان، كونها تنفتح على المجال الذي يجعل متعتنا متفاعلة مع متعة الآخرين. غير أنه ليس بمقدور الأنماط الفلمية الهوليودية ان تؤسس لمتعة حقيقية تعمِّق وجود الإنسان في إطار المؤانسة. مع ذلك يحظى العاملون فيها بكاريزما كونية تضطر معها الأمم المتحدة إلى انتخابهم كسفراء للنوايا الحسنة.

ما الذي يصنع نجومية الشخوص في العصر الرقمي غير طقوس الشعوذة التي تجعلها شركات الإنتاج مهرجانا للقيمة.  عممت شركات الإنتاج صور الفتيات المراهقات اللواتي تمسّهن الهستيريا و الإغماء بمجرد رؤيتهم لمايكل جاكسون. فأصبح رد الفعل الـ بافلوفي لرؤية جاكسون هو إحساس بالارتعاش اللاإرادي. لكن من هو جاكسون. راقص و مغني بوب. نعم. أخذ حركة مشية القمر من جيمس براون و قدم حركة التمايل ضد الجاذبية بخدعة الحذاء المعلق بنتوء تثبيت في الأرضية. و وضع صرخات جيمس براون في أغانيه. و صممّ له وايد روبنسن أنجح رقصاته. و رفضت شركة انتاج فلم” شارلي و مصنع الشوكلاتة” مشاركته في الفلم. و كذلك رفضته ج.رولينغ مؤلفة هاري بوتر. لكنه تحول إلى إسطورة.! بناءا على ماذا.؟.أليس في ذلك استهتار بكرامة البشر حينما يلقب هكذا عينة بأنه اسطورة. وجدت الإسطورة لتحفظ المجتمعات البشرية من الضياع، عبر أيجاد معان متسامية لوجودها. فكانت الأسطرة المتعلقة بالبطولات الخارقة لتأسيس الترميز الذي به و من خلاله يتماسك المجتمع كتأسيس إنساني خالص.

التلقين امتلاك. من يملك القدرة على ضخ النسق المعلوماتي في الأفراد يمتلك استجابتهم ايضا. توجد منصات تقليدية لترييض الجماهير في المجتمعات المتطيرة. منصات تبثُّ خطب من الشعوذة المقدسة تجعل حياتها مشتغلة تحت تأثير السحر. ولا مجال لاستعادتها إلى مجال الحوار الإنساني. مجموعات مأخوذة بعبارات شيخ الجبل الجاهل. مجموعات منَّومة كليا. لها وصفتها المرضية الخاصة. وجود خارج العقلانية و ضدها.

للمنصة الرقمية تأثيرها المختلف كليا. تنتنشل الأفراد من مجتمعاتهم و تأقلمهم في فضاء الرغبات الكونية. فيديوهات لامتناهية من السماجة المفرطة. كليبات لأغانٍ غربية موجهة بصرية. أزياء تظهر الجسد كمنبه جنسي. و مهرجانات لتكريم الرداءة. تصل هذه المنصة إلى كل نقطة في الأرض. تحدث تباينات حدية في سلوك جمهور الفرجة الرقمية و بين البنى المحلية التي مازالت تعمل وفقا لتأثيرات متوارثة عبر التقليد و العرف. ينقسم السلوك إلى نقائض في المجتمع المحلي، و إلى وجوه مستنسخة عن بعضها في المجتمع المأخوذ بالمؤثرات التي تضخها الفرجة الرقمية. يفقد الفرد جزئيا علاقته بنوعه الاجتماعي. و تتدرج هذه الخسارة إلى أن يصبح الفرد عبارة عن رقاقة بشرية في كتلة الجماهير. يؤشر إليه عبر جملة المؤثرات التي تبوبه سلوكيا في شكله ـ ثياب و رموز تاتو و قلادات. و لغته المركبة ليس فقط من كلمات غير لبقة، بل و أيضا من جمل تسحب الموقف إلى قيم غير مألوفة في نظامه الأخلاقي. و لا يمكنه أن يجسدها سلوكيا إلا كمغفل أو كغافل عن نفسه. يصبح السلوك بذلك ترميزا لرقاقة بشرية أكثر من كونه ترميزا لفرد اجتماعي. منتزع من مجال تفاعله الطبيعي و مؤقلم في مجال آخر لا يساهم في إنتاجه. يدخله أجوفا و يعود منه متخما.

ثمة افترض مثالي يقدمه آيزايا برلين في ” نسيج الانسان الفاسد” يتعلق بتماثل رغبات الناس الذين يحظون بتعليم و تربية نوعية متماثلة. لكننا لن نحصل أبدا على تعين ٍ كهذا. لذلك يبقى التفاوت في الرغبات و في الفهم مسارا طبيعيا في حركة كل مجتمع. غير أن ذلك يتلاشى مع التغذية الغريزية التي توفرها الفرجة الرقمية لرقاقاتها البشرية. بشر لا يعرفون بعض و لا يفهمون لغات بعض و لا يمتثلون لنفس القيم و لا لنفس الظروف المادية و التعليم و التربية و المناخ السياسي. كلهم يشتركون في الإمتثال لرمز واحد يقدمه لهم اليوتوب في ثوب أغنية. أغنية لا كلماتها ذات معنى. و لا أداءها متقن، و لا صوت المغني مطرب. يستحوذ على هستيريا كونية من الإعجاب.

كانت الدهشة يقظة العقل في طفولة الفكر الأغريقية. لكنها اليوم محض اصطناع و مؤشر على غياب العقل.  باتت للدهشة خبراء انتاج.

تعرض متحف اللوفر لعدة مضايقات فيما يخص علاقة جمهوره بالأعمال التي يعرضها.  يمكن إجمال تلك المضايقات في السؤال التالي:هل يمكن تحرير الاستجابة من الدعاية. بحيث يدخل الناس إلى المتحف و يتلقون العمل الفني دون معرفة صاحبه. لتكون استجابتهم منزهة عن الدعاية التي تجهز استجابتهم قبل دخولهم إلى المتحف. رفضت إدارة اللوفر هذه المقترحات. إذ ستفقد بذلك أعمال كثيرة سحرها الذي يجذب إليها عبر الدعاية التريضية الجماهير التي  تقف في طوابير طويلة لإلقاء نظرة دينية على الأصنام التي تحظى بتبجيل مصطنع.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: