صدى الواقع السوري

الكرد و مفهوم النقد السياسي و مبدأ المحاسبة

الكرد ومفهوم النقد السياسي ومبدأ المحاسبة

 

بقلم : بيار روباري

 

بداية دعونا نمر وبشكل سريع على مفهوم النقد بشكل عام، ومن ثم على النقد السياسي على وجه الخصوص، كخلفية للموضوع الذي نحن بصدده. بالمختصر المفيد، النقد هو محاولة للتميز بين ما هو جيد وصالح، وما هو سلبي وسيئ. وللقيام بذلك يحتاج المرء قدرآ من الوعي والمعرفة بالموضوع، الذي يتم النقاش حوله، كي يكون لنقده أساسآ منطقيآ وذو فحوى.

والنقد السياسي، هو عملية تقيم لأداء مسؤول يشغل منصبآ عامآ، أو تقيم عمل حكومة أو وزارة، أو حزب أو مؤسسة بعينها كالبرلمان وغير ذلك. وثانيآ، تقيم سياسات تلك الجهات والمؤسسات.

وهناك جهات معينة تقوم بهذه المهام وتطرحها على تلك الجهات الرسمية والرأي العام، ومن تلك الجهات الصحافة الإخبارية والإستقصائية، التلفزة، الكتاب، المعاهد المختصة، وغيرها. ويمكن تقسيم النقد السياسي الى نوعين: الأول جاد ورصين، ويطرح بدائل عما هو معمول به من قبل جهة معينة. الثاني ساخر ولاذع، ومهمته لفت إنتباه المسؤولين الى قضية محددة، يعاني منها المجتمع، أو مؤسسة بعينها، وأحيانآ تتناول تقصير ما لدى جهة أو مؤسسة عامة أو خاصة. ويمارس هذا النوع من النقد جهات عدة، كالصحافة اليومية والإسبوعي، الكاريكاتيريست، وأخرين مثل أصحابي العواميد الثابتة في جريدة من الجرائد. كلا النوعين من النقد، مهمين ونحن بحاجة اليهما، ويجب أن يكونا مستقلين تمامآ عن السلطة التنفيذية، ومحميين بالدستور والقانون. وليس بالضرورة أن يكون كل التقيم سلبي، هذا غير صحيح وغير واقعي. عندها على الجهة المقيمة لعمل جهة ما، الإشادة به علنآ، وتدعوا الجهات الإخرى الإقتداء بها.

الكرد في هذا المجال متخلفون عن العالم الحر المتحضر بألاف الأميال، وممارسة النقد الأدبي والفني والسياسي في مجتمعنا، قد يؤدي بصاحبه الى التهلكة. والكرد في الحقيقة يعانون من معضلة نفسية حقيقة إسمها: تقبل النقد بأنواعه وأشكاله.

فما بالكم لو كان النقد سياسي وساخر ولاذع، ويتناول القيادات السياسية والحزبية، وما أكثرهم لدينا، والى جوارذلك رجال الدين، أو تناول مواضيع “حساسة” كالدين والجنس والذات الإلهية، والوجود، ونفض التراث القديم. هذا إضافة الى غياب تام لشيئ إسمه الرقابة والمحاسبة، ولم يدخل هذا المفهوم أساسآ القاموس السياسي الكردي بعد، وهذا يشمل كافة الإطر، الحزبية منها والحكومية والمؤسسية، والفردية.

والسبب في ذلك برأي يعود لعدة عوامل منها:

1- تخلف المجتمع الكردي عن ركب الحضارة، بسبب الإحتلال المتعدد الجنسية الطويل لكردستان، وسياسة الإفقار والتجهيل المتقصدة التي إعتمدها المستعمرين، ويتبعونها الى الأن بحق الكرد.

2- العامل الديني والإسلامي على وجه الخصوص، الذي يحد من تحرر الناس المجتمع من بعض القيم البالية، التي تحكمه الى الأن. والدور السيئ والخبيث، الذي لعبه ويلعبه رجال الدين من كل شكل وتلوين.

3- الدور السلبي الذي لعبته العشيرة، وخاصة في جنوب كردستان وشرقها.

4- بُعد الكرد عن الحياة المدنية العصرية، بسبب حصارهم من قبل الأعداء، وغياب الإنتاج الصناعي والطبقة البرجوازية، والتجارية القوية التي لها علاقات مع الخارج.

5- غياب أحزاب عصرية بكل معنى الكلمة.

فالأحزاب الكردية تنقسم الى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: عائلي وراثي، مطعم بمسحة دينية ومشيخية معينة، وخير مثال على هذا النوع من “الأحزاب” حزبي عائلة البرزاني والطالباني. وهذه التنظيمات تحكم بطريقة أبوية، والزعيم العائلى أو شيخ الطريقة، يملك سلطة مطلقة، ولا أحد له الحق أن يناقش زعيم العائلة، وشيخ الطريقة، أو ينتقص من هيبته ويقلل من قدراته الفكرية، ومواهبه الخارقة.

النوع الثاني: أحزاب شمولية على الطريقة الإستالينية وإن شئت البعثية، وعبادة القائد فيها واجب مقدس، وشرط من شروط منح العضوية للمنتصب لهكذا “حزب”. وإن تجرأت ذات يوم ما، وإنتقدت القائد قدس سره، حكمت على نفسك بعقوبة الموت بكل تأكيد. وخير مثال على هذا النموذج الحزبي، هو حزب العمال الكردستاني (ب ك ك)، الذي لم يبقى من كردستانيته سوى الإسم!!!

النوع الثالث: أحزاب شخصية، عادةً ما تكون مرتبطة بشخص معين، ومع إختفاء الشخص لسببٍ ما، يختفي الحزب معه. مثل حزب حميد درويش وصلاح بدر الدين وحزب حسني مبارك في مصر.

جميع سياسات هذه الأحزاب تتمحور حول قضية واحدة لا غير، ألا وهي تلميع صورة الزعيم الملهم، العبقري، ووضع في مرتبة الإله، أي تقديسه والمقدس ممنوع الإقتراب منه عندنا. وفي سبيل الحفاظ على الصورة الزائفة، هذا القائد الفذ والزعيم الخرافي، مستعد لأن يرتكب الفواحش بحق الشعب والوطن، من أجل ترسيخ هذه الصورة في أذهان مريده، والبقاء في كرسيه مدى الحياة، والحكم من قبره كما فعل أتاترك. ومحرم على أي واحد مناقشة الزعيم المهلم في أفكاره كأخونا زعيم كوريا الشمالية والفتك بشار الأسد.

وإلا كيف يمكن فهم، بقاء جميع مسؤولي اقليم جنوب كردستان في مناسبهم الحزبية والرسمية، رغم كل الخطايا، التي ارتكبوها بحق الشعب الكردي والإقليم؟؟ فمن سرقة المليارات من أموال الشعب، وبيع مدينة كركوك ومعها أكثر من نصف مساحة الإقليم. وفتح باب حدود اقليم جنوب كردستان أمام الجيش التركي، ليدخلها ساعة ما شاء، ويقتل من يشاء، ويلاحق من يشاء، ويقيم عشرات المعسكرات الضخمة، دون إذن من أحد، ودون حسيبٍ وأي رقيب!! أليس هذا أمرٌ عجيب، ويدعوا للتساؤل والسخرية في نفس الوقت ؟؟؟

وفي الجهة المقابلة، “العم” اوجلان فك الله أسره، كان يتهم كل كردي بالخيانة العظمى ما لم يطالب بكردستان الكبرى، واليوم يتهم كل كردي بالخيانة العظمى، ما لم يتبنى نظرية “الإمة الديمقراطية”، التي إبتدعها جنابه، فقط من أجل أن يرضى عنه أحفاد أتاتورك، ويطلقون سراحه !!!!

وبعد خسارة مقاطعة عفرين، والمأساة التي التي حلت بأهلها، هل سمعتم عن مسؤول

في حزب “ب ي د”،استقال من منصبه، وأعلن عن مسؤوليته؟ أبدآ. المسؤولين الكرد لا يخطئون، ولا يليق بمقامهم السامي، أن يقدموا إعتذارآ لشعبهم. من هو الشعب؟ أتتذكرون عندما خاطب المعتوه القذافي الليبيين قائلآ: من أنتم؟ نفس الشيئ كان يفعل صدام مع العراقيين، ويفعل بشار الأسد اليوم مع السوريين، رغم أنهما مسؤولين عن دمار بلديهن كاملين!!!!!!!

في ظل سيطرة هذه العقليات، سيبقى يعاني الشعب الكردي طويلآ، ومعه تلك الفئة النيرة التي تسعى الى فتح ثقب في هذا الجدار السميك، ومع الوقت توسيعه ليصبح طاقة، ثم هدم الجدار عن بكرة أبيه، كما فعل الألمان مع جدار برلين. وهذا اليوم ليس ببعيد حسب قناعتي. من خلال تعاملي مع أبناء شعبنا، وخاصة مع أهل جنوب وغرب كردستان، استطيع القول بأن الوضع هناك قابل للإنفجار في أي لحظة، والناس لم يعد بمقدورهم تحمل الوضع أكثر من ذلك.

يتساءل المواطنين هناك ويقولون:

ماذا حصدنا بعد كل تلك التضحيات، سوى الكبت، الحرمان، الخوف، القمع، البطالة، إنعدام الخدمات الإجتماعية، كالهرباء والماء، والطرقات، والسكن، غياب القانون، سوء الإدارة، تدني مستوى الخدمات الصحية، سوء التعليم وتسيسه، تفشي الفساد والمحسوبية في الإدارات، إستغلال النفوذ، كل ذلك بسبب تفرد جهة واحدة بالقرار السياسي والمالي والأمني والإعلامي، وغياب النقد والمراقبة والمحاسبة القانونية، وشلل الهيئات، غياب الحريات العامة، هذا إضافة للعامل الخارجي وتأثيراته المباشرة.

في الختام أيها القراء الكرام، أنا واثق سأتهم وعلى الفور بعد نشر هذه المقالة، من قبل الموالين لتلك الجهات، التي جئت على ذكرها في عرض مقالتي هذه، بالحاقد والتفريق، والعمالة للخارج، والقبض بالعملة الصعبة، الى أخره من تلك السخافات والترهات، التي سمعتها مثلها كثيرآ من قبل. وسيقول البعض كما هي عادتهم: “مَن أنتَ حتى تتحدث عن رموز الإمة وقادتها، وهل أنت أفهم من قياداتنا؟؟؟“.

أنا كاتب وأمارس النقد، ولحسن حظي عشت في ظل أنظمة دكتاتورية، وديمقراطية، ولدي رصيدآ من العلم والمعرفة، تمكنني من التميز بين الصالح والطالح، وثانيآ الذي يساعدني على قول الحقيقة صراحة ، هو عدم وجود أي مصلحة بيني وبيين أي جهة، من تلك الجهات كي أمارس التدليس، كما يفعل بعض الكتاب الكرد للأسف الشديد، ولأسباب معروفة على كل حال.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: