صدى الواقع السوري

فسحة أمل

فسحة أمل

بقلم  : علي جل آغا
الأفكار الثابتة كما عضلة القدم المتشنجة وخير علاج لها هو أن تدوسها .
قالها من قبل الفيلسوف /كيرك جور/ ، فلا ضير أن يعرف الإنسان نفسه ويتسامى عليها باحثاً عن
المعرفة خارجها، فمواجهة الذات والتمرد على الواقع والغور في المعالم كلها وسائل جادة وحاسمة في معرفة دوافع الإنسان وتوجيه سلوكه والأخذ بعين الاعتبار عدم الإطالة في المقدمة والتي إن طالت أو قصرت لن تسعف شرح مفردات الكائن البشري وتطلعاته نحو السمو والرفاه . نحن بصدد سرد قصة حقيقية جرت وتجري الآلاف من مثيلاتها في مجتمعاتنا .
همرين طفلة كوردية سورية من قرية تسمى بورين وهي تابعة لبلدة جل اغا ( الجوادية ) وتبعد عنها حوالي 10 كم، حيث تخلو القرية من معظم المرافق العامة الا ما ندر , تبلغ همرين من العمر 16 سنة، تعيش في كنف عائلة فقيرة مثلها مثل معظم أسر القرية والتي يعاني معظمها من حالة التردي في أوضاعها الاقتصادية ويبلغ عدد أفراد أسرتها 6 حيث أم مربية وربة منزل لم تحز على التعليم أي انها لا تعرف القراءة والكتابة وذلك لظروفها السابقة الذكر وأب كما الأم بفارق بسيط وهو قدرته البسيطة على القراءة والكتابة , أربعة أولاد، صبيان وبنتان مع همرين التي تشغل الترتيب الثالث بين أخوتها وكي لا ننسى الأب فهو يعمل كسائق سيارة أجرة خاصة لا يملكها . شاءت الأقدار أن ولدت همرين صماء بكماء أي أنها معاقة سمعيا ونطقيا وما ليس للقدر شأن فيه هو الإهمال الذي لعب دورا حاسما وهاما في تفاقم حالتها وذلك لعدم متابعة وضعها الصحي من قبل أهلها , لا شك أن ذلك يرجع إلى قلة الوعي والإدراك عند الوالدين لعدم عرضهما لابنتهما على طبيب أخصائي كي يتسنى إخضاعها لفحوصات وعمليات طبية بغية المعالجة . بقيت الطفلة هكذا فاقدة السمع والنطق لسنوات طوال وعانت ما عانت من الحرمان من النعيم الذي يتمتع به غيرها من البشر وعلاوة على ذلك فقد حرمت بسبب حالتها من أبسط حقوقها المنصوص عليها في الاتفاقيات الخاصة بحقوق الطفل ومنظمات حقوق الانسان ومنها حقها في التعليم كما هو منصوص في منظمة إنقاذ الطفل العالمية فكان لمنظمات المجتمع المدني دورا لا بأس به في إيقاظ شعور والديها والتنبه لما قد يحدث للطفلة إن كبرت أكثر وما لذلك من آثار سلبية على شخصيتها ونفسيتها، فسارعت الأم متأخرة إلى الإبلاغ عن حالتها مصطحبة معها ابنتها ذات ال16سنةإلى مكتب حالة الطفل الكائن في مركز جل اغا ( الجوادية ) لمنظمة انقاذ الطفل بتاريخ 9-11-2006 فقام مسؤول حالة الطفل بتدوين حالتها ومن ثم إحالتها إلى طبيب أخصائي لمعرفة وضع الإعاقة ودرجتها بتاريخ 13-11-2016 وقد تم فحصها وعلى ضوئه أجريت لها عملية تخطيط سمعي وتأمين سماعات للطفلة بتاريخ 1-1-2017 وبعد وضع السماعات قُدمت إرشادات وتوجيهات لأهلها حول كيفية الاهتمام بالطفلة من قبل مكتب حالة الطفل وضرورة انضمامها للمركز المهني لتلقي تعلم مهنة مناسبة، لها فوقع الاختيار عليها من قبل لجنة مشكلة من مسؤول حالة الطفل وقسم التدريب المهني متمثلا بمدرب مهنة الغسالات والبرادات وذلك بهدف التعلم والاندماج في المجتمع والأنشطة الحياتية، بالإضافة الى إمكانية تكوين صداقات وعلاقات جديدة تختلف عما كانت عليها من قبل في قرية مقطوعة الأوصال و بعيدة عن الخدمات، فتمت إحالتها إلى المركز المهني بتاريخ 1-3-2017 .
تمنعت الطفلة في البداية قليلا ولكن استطاع المدرب بأسلوبه المرن وما له من قدرة وملكة وحنكة في مهارات التواصل و بالتعاون مع مكتب الحالة من استدراجها وجعلها تنخرط رويدا رويدا في عملية التدرب .
لا شك أن الأمر كان صعباً عليها في البدء فهي كانت تحمل بعضاً من تكوينها النفسي والخلقي وأن محطتها القديمة ذات اللون الأسود كانت قد تركت في مخيلتها الفتية آثاراً عميقة ونمنمات كثيرة، ويوماً بعد يوم استطاعت الطفلة ان تتغلب على كمراتها الداكنة شيئاً فشيئاً حتى باتت إرادتها أقوى من جمالها الخلاب بأنفها الشامخ ووجهها الصباحي البهي وعينيها الحوراويتين , تحولت إلى شخصية متميزة ذات أنفة تملك نفسها حتى صارت أكثر رشاقة وتفاعلا ودأباً من رفيقاتها ورفاقها الثمان في شعبة صيانة واصلاح الغسالات الآلية والبرادات، فباتت تصول وتجول في المركز مودعة كل ما كانت تحمله من سواد ماضيها القريب، حتى وصلت بها الحال إلى إصرارها على فك وتركيب قطع الغسالة والبراد بمفردها ودون استعانة من رفيقاتها ورفاقها , فقط بإشراف مدربها الذي أحبها كابنته وأولاها اهتماماً لم يسبق له مثيل إن أولاها لغيرها وذلك لحداثة التجربة فهي كانت الأولى وكانت تكيل له بالمثل أدباً و احتراماً شديدين .
تحولت همرين الفتاة الهادئة إلى شرارة متوهجة مثل وردة تفتحت في أرض صلبة مليئة بجذور الخرنوب، وبنظراتها الشفافة البريئة اخترقت قلوب رفيقاتها ورفاقها فنالت اعجابهم بكل صدق حتى عمت صداقاتها كل المركز وجموع المتدربين من مختلف المهن : كهرباء , موبايل , زراعة , ميكانيك وحتى المدربين وكأنها تسجل ملامح شخصيتها الجديدة على دفتر جيب صغير آسرة عن القرية وبيتها الطيني ذو الغرف الثلاث , غدت كنسمة هواء نقي تسربت من نوافذ مشرعة إلى الشمس الساطعة نحو الحرية والأمل النابض بالحياة،إلى أن جاء وفد رفيع المستوى من مقر المنظمة برفقة مسؤول اجنبي يكنى ب جون، كانت السماحة تتقطر من جبينه وما دل على ذلك إشارات يديه مع تقلب ملامح وجهه حسب الموقف // دهشة , إعجاب , رضى ، ذلك ما لوحظ من خلال تزاوج تلك العلامات مع ترجمة جمله من قبل المترجم جوان , لم نلمس منه علامات الامتعاض أو الرفض فكان ذلك مبشراً , رسم القناعة والرضى على وجوه الوفد والمدربين سواء , وخلال جولته على أقسام المهن كان نصيب مهنة الغسالات والبرادات الأحسن لوجود الطفلة همرين في تلك المهنة سُرّ المسؤول الأجنبي كثيراً واندهش من إمكانية المدرب على إكساب الطفلة المتدربة همرين كل هذه المهارات عندما سمع بها وطلب من المدرب ان يكلفها بأداء مهارتين واحدة نظرية والأخرى عملية، فما إن فهمها المدرب بالإشارات حتى سارعت همرين إلى الشرح والتطبيق بحضور عامل الحالة والمدرب والوفد الزائر، فأبدى الأجنبي إعجابه الشديد بما قامت به وأثنى على جهود فريق العمل كله وأخص بالذكر المدرب الذي بذل الكثير من الجهد لتعليمها بعد أن صور العملية بالكامل .
هذه هي همرين , الطفلة البريئة الغضة الصامتة وقبل أقل من شهرين كانت أسيرة البيت القروي الطيني والتي لم تكن تستطيع الخروج عن المألوف و المتعارف عليه كفاقدة للسمع والنطق , فكانت تستنشق القهر وتكبت زفيرها ألماً حاداً أما الآن فقد احتد الجدال وسقط المحال على يد الرغبة والإرادة فأضحت همرين قوية بمهاراتها وخبراتها , مزهوة بصداقاتها , جريئة بالرد على واقعها الأليم جراء الحرب الطاحنة والتي تدور رحاها في بلدها سوريا المنكوبة عامة والمناطق الكردية خاصة وذلك من تعلمها واكتسابها مهارات الحياة ومهنة تعتز وتفتخر بها كما الشهادة التي حصلت عليها والتي ستكون سبيلا لعيشها وأسرتها وستصقل شخصيتها وتحسن أداءها في بناء مجتمعها الذي يعاني صرير الازمات والخراب .
فمرحى لمن يستطيع أن يجتاز الأيام الصعبة المتأرجحة، دون تقهقر ومرحى لمن يستطيع أن يترك بصمة إيجابية على جدار الحياة .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: