صدى الواقع السوري

الغروب المبكر

 

الغروب المبكر

   بقلم : علي جل أغا
لم تكن تمطر يومها عندما أقلعت بها العربة الخشبية ذات الأربعة دواليب صباحا والتي يجرها بغلان أهلكهما تعب رحلة سابقة , ربما كانت أطول من المقبلة / بدت الجزيرة بعيدة جدا من خلال رؤية مرتفعاتها التي تناطح السحاب وعلى قارعتي الطريق أناس يسيرون إلى أعمالهم اليومية وإلى القرى المجاورة ,ينتعلون أحذية طويلة الساق لتقيهم الوحول المتشكلة وجداول المياه الضحلة في طريق ذهابهم وإيابهم , كانت العربة تتأرجح بركابها كما هي حالهم من جراء الطريق المتعرجة طلوعا ونزولا كما كانت دواليب العربة ترش ماءا موحلا على كل من يصدف لحظة ارتطامها بتجمعات المياه التي كانت تعترض طريق العربة وكأنها لفتة ومزحة مقصودتين من البغلين الأسودين اللذان يجران العربة .
كانت شيلان بنت السادسة عشرة ربيعا تشعر بألم يشبه أو يفوق رغبتها في الحياة , كانت تحاول جاهدة نسيان ما مضى وعما كانت عليه حياتها / طفولتها اليائسة / الفقر / التلاسن عليها من أهل القرية حتى بلغ وطال شرفها ولم تنس موت والدها المريض الذي مات وحيدا ودفن وحيدا إضافة إلى الفقر الرهيب الذي ذاقته في تلك الغرفة الحجرية الوحيدة والمكسوة بالطين على القش والقصب .
نعم ستنسى كل شيء , أي شيء حتى ميران ( كانوا يسمونه ميرو تصغيرا ) الذي كان يتقرب منها دون أن تعره أي اهتمام يلحظ , فقد كانت تطلب منه خدمات فيلبيها على الفور وعلى الدوام دون تردد وكان مستعدا أن يعارك القرية كلها من أجلها ودون سبب إن هي أرادت / كان ميرو شابا يافعا مفعما بالنشاط والقوة إلى جانب الحب الأكبر , ذو بشرة شقراء تميل إلى السمرة أكثر منها إلى البياض وتبدو عليه علامات الرجولة توا، على وجهه من شعر ذقنه وشاربه بالإضافة إلى صوته المتحول إلى الأجهش تقريبا , كان شديد الحرس عليها وكثير الاهتمام بها حتى بات مراقبا عليها , فكم مرة لاحظته وهو يراقبها عندما كانت تستحم مع رفيقتها زوزان في النهر من بين الصخور والاعشاب المتعالية مع النعنع والقصب .
وهي تحاول أن تنسى وكلما اهتزت العربة الخشبية غرقت في مستنقع كبير وواسع من الذكريات المريرة أكثر الأحيان والمفتوحة على فضاء بلا حدود كما لو كانت أمام شاشة عرض كبيرة مفتوحة على اللانهاية , بدأ سمعها مزيجا معقدا لا يميز أصوات الضحكات من أصوات نقيق الضفادع ولاصوت خرير المياه من صوت شخير الخالة ( كني ) الذي يكاد الواحد يعلو على الآخر أحيانا كما صوت طرقات العم حمو على محراثه القديم قبيلة الشروق والذي يجرس القرية الوادعة كانتشار الشائعات التافهة التي يشتهر ويمتاز بها أهل القرية .
باتت ترتعش من كروم العنب وحقول السمسم والينابيع وحتى من حفيف أوراق شجرة التين المشهورة بها القرية , مضت ساعات واجتازت العربة الخشبية المسافات دون أن تشعر شيلان بها حتى أيقظتها إحدى النسوة الراكبات من حلمها اليقظ والذي لم تغمض له شيلان جفن , نهضت فجأة ورمشت بعينيها لتغسلهما من دموع تأبى حتى النزول على صوت صاحب العربة ………… هوووش وزيقزيق صوت الدولاب على المحاور الناشفة والتي يتوجب على صاحبها تشحيمها بين مسافة وأخرى ومن حين لحين وقبل أن تهم بالنزول , قال لها صاحب العربة : لا تنزلي شيلاني سأسلمك لأبنة عمتك .
لم تكن شيلان قد رأتها من قبل ولا تعرفها البتة سوى أن أحد القرويين كان قد زارها مع أبيها قبل سنوات وكان يعرف بها لذا أوصى صاحب العربة بتوصيلها وتسليمها لها متحججا بوعكة صحية قد أصابته وأنه ليس لديه القدرة على الوقوف وهكذا يكون قد أرضى ضميرا غائبا أصلا .
أصابت شيلان الدهشة والذهول عندما شاهدت الجزيرة بساحاتها الواسعة والنظيفة , بأبنيتها الشاهقة , وشوارعها المنظمة , وازدحام أحيائها بالناس واسواقها المكتظة بالبضائع المتنوعة والمحلات الجميلة ولباس أهلها المختلف كليا !!
هل هي فاتحة خير ؟ هل سأسكن هنا ؟/ همهمت بصوت كاد يسمع /
أكملت العربة طريق سيرها ولكن هذه المرة مختلفا عما قبل أن تصل الجزيرة لأن كل شيء بدأ يشد ويلفت انتباه وأنظار الزائرة الجديدة ( شيلان ) , كانت تنظر يمنة ويسرة وتحدق مليا في الاشياء وقزحية عينيها الزرقاوين تشف عن اهتمام بالغ , كانت الأبنية ذات الأسقف القرميدية الحمراء تشبه حقول الرمان في قريتها التي لم تنصفها يوما .
لم تكن تعرف شيئا عن الجزيرة ولا عن سكانها , الناس لا يعيرون الاهتمام والنظر , سائرون إلى قضاء حاجاتهم يختلفون عن سكان القرية الذين يعرفون بعضهم إما بصلات رحم أو ينتمون إلى عشيرة واحدة سوى عدد صغير من الأغراب الذين سكنوا القرية لأسباب استثنائية قاهرة وخير مثال كان ( عائلتها ) . بعد برهة وقبل أن تشبع شيلان من النظر والتساؤل والمقاربة بين القرية والمدينة توقفت العربة …. هووووش لفظها صاحب العربة عند باب منزل أنيق وجميل لم تتخيله حتى في أحلامها , نزل صاحب العربة وأخرج كيسين فيهما التبن وقليل من الشعير وعلقهما برقبة البغلين وما إن علقهما حتى بادر البغلان بالتهام ما داخل الكيسين، من الجوع والتعب .
دق العجوز الباب / هنيهة وفتح الباب الحديدي الكبير المطرز / شاب رشيق في مقتبل العمر , فسأله العجوز : أليس هذا منزل صورو … ؟ رد الشاب الجميل / بعد أن وقع نظره على شيلان الحلوة ذات الجمال الباهر / بلى بلى يا عم أنا أبو صورو , عفوا أنا ابن صورو , هل من خدمة أستطيع تقديمها لكم ؟ لم يبعد ولم يبطل التحديق في عيني شيلان وقدها الممشوق مثل شتلة ريحانة الربيع في بدايته وهي تتمنع وتغض الطرف وتحمر وتصفر خجلا – يا بني هذه شيلان ابنة خالك , أين أمك قال العجوز ؟
حالا حالا يا عم سأناديها— قال الشاب , انبهرت أمه عندما جاءت ورأت شيلان ، طبعا بعد أن تحدث العجوز معها على انفراد … بالنسبة لي فقد انتهت مهمتي يا ابنتي هذه قريبتك — قالها العجوز .
تقدمت المرأة إلى شيلان وحضنتها بحرارة وشوق ولم تكن قد رأتها الا مرة واحدة برفقة أبيها وأمها وحينها كانت صغيرة ترضع , عندما جاؤوا إلى الجزيرة . أنا عمتك زينب يا حبيبة قلبي وعمري لا تخافي تعالي تعالي , أغلق شنكو- ابن زينب- الباب خلفهم بعد أن ودعهم العجوز صاحب العربة وسار بعربته / حاااااا / .
طقطقات حوافر البغلين المنعلة على الشارع المعبد دقت مسامع شيلان وكأنها مدافع الوداع الأخير. كذلك صرير دواليب العربة كان يشبه صوت نسوة تنحن على فقدهن لغالي , فشعرت باستحالة العودة بعد انخفاض الأصوات وتلاشيها شيئا فشيئا .
رحبت بها عمتها زينب كثيرا وحضنتها أكثر والدموع تنهال من عيونهما فأكسبها ذلك الطمأنينة والراحة النفسية وأدخل الى قلبها فسحة أمل رحبة شدت من أزرها وعزمها في حياة أفضل تليق بجمالها وروحها الطيبة .
تعودت شيلان حياة المدينة وألفتها بمنزل عمتها رويدا رويدا وتعرفت أكثر الى أولادها شنكو ,أخو جنكو وأختهما سيري , كانت شيلان بعمر شنكو وتكبر سيري بسنتين لكن شنكو يكبرها بسنة أو سنتين , أقل أو أكثر .
قتل زوج زينب منذ سنتين إثر تبادل اطلاق نار بين المهربين في سوق المدينة أثناء عودته بسيارته من متاجره . وقع حمل العائلة ومسؤولياتها على عاتق ابنه البكر ( شنكو ) فاضطر مجبرا إلى ترك مقاعد الدراسة ليتولى تجارة أبيه .
انبهر شنكو بشيلان انبهارا شديدا فعشقها منذ اللحظة الأولى التي قدمت فيها إليهم وهي كذلك , فأصبحا عاشقين هائمين كأنهما سحرا ببعضهما، ولما لا ؟ فالحب معجزة الحياة .
كان شنكو يأخذها مع أخوته إلى النزهات والرحلات للاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع وأحيانا يخرجان لوحدهما فيفصح لها ما يحس ويشعر به نحوها أما هي , فلا ترد الا بالتأوه والحسرة متملكة الغبطة والعشق فقد ولدت من جديد وتبدلت حياتها رأسا على عقب , من المؤكد نحو الأفضل والأحسن فشيلان كانت آية في الجمال من صنع خالق أعظم مملوءة بالفتنة , تتأوه للرغبة وحياتها الجديدة وتتحسر على أيام وسنوات ضاعت من عمرها في تلك القرية النائية والبعيدة- ودون أن يدرك شنكو- فقد أنساها كل ما عانته شيلان من فقر وحرمان .
كان يأخذها خارج البلدة الى الغابات المجاورة , يمشيان بين أشجار البلوط والسنديان ويتدرجان على الطرق المؤدية الى حقول السمسم .
كانت شيلان مثل اللؤلؤة التي تعلو الشجر والجبل , مندفعة نحو تحقيق أمل صبت إليه منذ طفولتها الأولى ,وإن كان حلما مراودا يستحيل تحقيقه حينها , لكنها تحس بتحقيقه الآن، فرحة بكل شيء : بالهواء الذي يلعب بشعرها الأسود الداكن والذي تعلوه ثلاث خصلات من زهر النرجس , فرحة بأصوات نقيق ضفادع البحيرة ورائحة زهور سينم المترامية على جانبي النهر الكبير , بالبرد القادم من ثلوج الجبال المجاورة في الليالي المقمرة .
تركض عبر أراض براح وتصرخ : شنكو ووووو أحبك أحبك أحبك حتى الموت وترتمي على جسده فتضاء أعينهما وكأنها تعكس وهج قبلاتهما وشعرها الأسود يشكل خيمة شديدة السواد يغطي رأس شنكو كله فيموجان في بحر لا متناه من الحب الدافئ على موسيقى الصفير الناجم عن ارتطام الهواء بفجوات الصخور محدثا فحيحا سلسا , عيناها بلون مياه البحيرة , شعرها يفوق سواد ليلة غائمة من ليالي كانون، أما جسمها! فأبيض كلون ثلوج آرارات وجودي ويعلو صدرها نهدين يانعين وضعت فيهما رغبات آلهة العشق كلها مطرزين بحلمتين كأنهما متألقتين بنور القمر عند الاكتمال والحبيب هائم ولِه يطوف دون الاكتراث لحدود أو دليل وهما يسحبان بعضهما البعض إلى داخلهما فالأعماق , متناسيين ترديد الكلمات وما تبقى من حولهما , ينضمان , يندمجان يمتزجان يتوحدان حتى كأنه الأبد .
تزوجا بعد فترة وجيزة وأقيمت لهما حفلة زفاف سيذكرها التاريخ فيما بعد , أنجبت شيلان بعدها بسنة طفلا جميلا يشبه الحبيبين فسادت الطمأنينة والسعادة العائلة أكثر فأكثر , لم يكن الطفل يطئ الأرض يظل محمولا من عمه وعمته من أبيه وجدته إلا ما ندر فتحمله شيلان لتعتني به وتنومه , أسموه صورو والذي كان يشبه اسمه كثيرا لأنه كان وليد نفَسٍ عذب من محبًين جميلين .
عائلة هادئة راقية ميسورة الحال لا سيّء يسلبها حظها المبتسم، وحده الحب يحكمها والتفاهم يسير أمرها , اعتادت العائلة العيش بتوازن ووئام هانئة بما قسم لها بائعة البلاء بأبخس الأثمان ولكن يبدو أن الحظ السيء لم ينته بعد من تصفية حساباته مع شيلان الوادعة فأمطرها بسواد وكأنه ينزل عليها من كل منفذ ليغزو سعادتها وهناءتها من جديد عندما تفاجأت بنبأ اختفاء ابنها صورو بعد رجوعها من من مشوار كانت فيه برفقة زوجها شنكو فعقدت جلسات النوح والنحيب كما عمتها وأولادها الذين أمنتهم على ابنها , ناحت كثيرا وتألمت أكثر وهي تندب حظها العثر الملعون وتتمنى لو كان الحظ رجلا لقتلته على الفور دون تردد .
دب الحزن عائلتها كلها وغدا الآخ والأوف خيمة ظللت حياة شيلان ,فكانت تقول باكية : أعرف حظي والله أعرفه بالله أعرفه تالله أعرفه منذ صغري بأنني لن أهنأ يوما وإن كان فلن يدوم – أمام الجيران الذين يأتون كل يوم للاطمئنان عليها لعل من خبرا مفرح عن ظهور ابنها أو أي نبأ عمن خطفه , لم يدخر زوجها جهدا في البحث والتقصي عن ابنه صورو وذلك عن طريق معارفه وأصحابه وحتى من كانوا يعملون لديه , جعل من المدينة خلية بحث لا تهدأ !
ليل نهار كل ساعة وكل دقيقة ولكن دون نتيجة تذكر مرت ساعات وأيام على غياب صورو عن حضن أمه .
يئست الأم وانغمت غما شديدا وبدأت صحتها تتدهور يوما بعد يوم فانكفأت نفسيتها إلى الوراء حتى عجز الأطباء عن مداواتها ولم تعد تأكل أو تشرب واستمرت الحال أياما وأيام لدرجة لم تعد تقوى على النهوض والسير على قدميها .
مصيبة حلت بهم وكأنها هبطت من سابع سماء نحل عودها وصارت هزيلة خائرة القوى والهمة , لم تعد كما كانت منذ يومين وكأنها تنحدر وبشدة من قمة عالية فيصيبها التشتت والهذيان , أما شنكو الحائر فلم يكن يقوى سوى على البكاء عليها أكثر من التفكير بفقد ابنه فكان يواسيها بمقلتين تفيضان بدموع تحرق مجاريها حتى باتت آثارها معلمة على وجهه، فتنزل دموعه على وجنتيها سالكة أقرب درب , وهي شاخصة النظر إلى أعماق عينيه دون أن تغير مسار التحديق ودون أن ترمش لتبتل جفناها وكأن الدموع قد نفذت منها وجفت المقل كأن تركب عربة كالتي أتت بها من القرية منذ زمن وهي تسير على منزلق حاد ثم إلى هاوية مجهولة الجهة والمصير، والشيء الوحيد الذي تشبثت به هو لفحة زرقاء كانت قد اشترته لابنها قبيل فترة قصيرة من اختفائه لتقيه برد شتاء الجزيرة القارس .
همّ شنكو بالنهوض ليجلسها ولو قليلا أمام نافذة غرفة نومها المزركشة بألوان ربيع الجزيرة بمساعدة اخته وأمه وإذا بأصوات صادحة تعلو وتقترب رويدا رويدا , فأسند شنكو شيلان لأمه وقال لها : على مهلك أمي عليها سأتفقد الأصوات والزمجرة – لا تخف أخي أنا سأساعد أمي قالت أخته .
ما إن فتح شنكو باب المدخل فاذا بأناس يقتربون من الباب وبينهم من يحمل طفلا , أدرك شنكو حينها أنه ابنه صورو الذي لطالما انتظر وتأمل ظهوره والحسرة تقتل وتعصر روحه اليائسة منذ أن اختفى الصغير مثل الحلم كما بارقة رعد عابرة هزت كيان عائلة كان أفرادها كعبق نسمات عطرة , وكالريح العاصفة أخذ شنكو ابنه وضمه بحرارة حب لا توصف وعشق حطمه الشوق والحنين , دخل به إلى غرفة شيلان الزوجية فحضنته أمه وأخته،و أخوه الذي عبر حشد الناس آتيا من عمله .
بكاء , أنين ونحيب طغى على حشود الآخرين حتى ما كاد بيت خلا إلا وحضر منه شخص على الأقل من حيهم المزدحم أصلا وذلك لأن عائلة شنكو كانت عائلة هادئة , عطوفة ومحترمة لم تكن ترد أحدا خائبا إن احتاج مساعدة أو خدمة أبدا، حيث كان شنكو يمتاز بخصال حميدة ونادرة قل من يملكها كما أهله، كان كلهم كالبلسم على جراح أهل حيهم .تقدم شنكو بالطفل لأمه التي لا تقوى عل الحراك فمدده إلى جانبها الأيسر على الفراش حيث يتجه نظرها وهو منهك من التعب والارهاق والاعياء ومما تعرض له وعانى ما عانى بسبب عمل طائش أقدم عليه شخص معاق تبين لاحقا بأنه كان يعاني من مشاكل نفسية تعرض لها بعد مغادرة شيلان القرية وأنه كان قد أُغرم بها وتسبب بمشاكل كثيرة بعدها وعلى إثرها وُضِع في مشفى المجانين وعند انتهاز أول فرصة هرب ويبدو أنه عرف محل سكنها من خلال مراقبته لها وسؤاله عنها فكان خطفه للولد يعد انتقاما له منها لتركها له بمغادرة القرية بعد موت أبيها وذلك بتقمصه شخصية أبو الطفل , نعم إنه ميرو ( ميران ) نفسه من كان يرافقها في القرية فقد كان يحبها دون الافصاح عن حبه فكبر حبه لها وحوله إلى عاشق مجنون أكمل بقية حياته في مشفى للمجانين مقيدا بزرد أحمق خط في جسده علامات وخرائط كانت ثمنا باهظا لما اقترفته يداه ولن يمحوها الزمن طالما أحيا .
دون تكلف منها وقع نظرها على وجه صورو الأملس ذو الخدين البارزين وشعره الأصفر الفاتح على شكل أطياف هالة الشمس , أحست بزمن ضائع مثل بحر هائج تكسرت على أمواجه الآمال وتحطمت العهود والمواثيق .
استعادت ذاكرة من الماضي السحيق حملت أحلاما ذات ضحكات وثرثرات على شاكلة رحيل بطيء داخل تابوت خشبي ناصع البياض , كان الأمر كعاصفة حادة المزاج وعنيفة أحاطت بمركب صغير لا حول له ولا قوة أمام هول فاجعة , عاصفة مرعبة أرهبت السهول والجبال من القرية الصغيرة النائية حتى تخوم الجزيرة التي بكت حتى أغرقت شتلات الريحان وبتلات شبنم الغضة وهزت عروش حقول النرجس .
هزيم رعد ولد حمما في صدر شنكو البائس الذي أدرك أن الأوان قد فات فانفجر باكيا وكانت الدموع مدرارة تشبه الهطول على أقنية المياه في أواخر ربيع الجزيرة . فارقت الحياة بهدوء وصمت دون حراك ملفت سوى ابتسامة ظلت عالقة على شفتيها كوديعة أمان لفلذة كبدها الذي لم تهنأ به كثيرا فرقدت أخيرا الى جانبه جثة هامدة فربما سيحلم بها يوما أو لن يفهم ذلك قط

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: