صدى الواقع السوري

سوريا بلد الأرقام : 73 طبيباً لمليون مريض… الحرب الأهلية ترفع معدل الإصابة بالاضطرابات النفسية!…

#صدى_الواقع_السوري

فدنك نيوز استطلعت اﻟواﻗﻊ اﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ و أوضاع الأمراض النفسية في سوريا . إن ﺘطور اﻟﻌﻨف ﻓﻲ ﺴورﻴﺔ وﺨﺎﺼﺔ ﻓﻲ اﻵوﻨﺔ اﻷﺨﻴرة، وﺘﻔﺸﻲ اﻟﻔﻘر ﻟﺘردي اﻻوﻀﺎع اﻻﻗﺘﺼﺎدﻴﺔ. ﺠراء اﻷزﻤﺔ …. ﺒﻘﻀﺎﻴﺎ اﻻﻏﺎﺜﺔ واﻟﻟﺠوء ﻤﻨذ ﺒداﻴﺔ اﻻﺤداث ﻓﻲ ﺴورﻴﺎ

وتعتبر الضغوط والتوتر النفسي واحدة من أهم المشاكل الصحية، حيث خلصت دراسة بريطانية فنلندية مشتركة إلى أن خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية يرتفع إلى الضعف عند الأشخاص الذين يصنفون أنفسهم بأن ظروفهم تسبب لهم الضغظ والتوتر النفسي، مما يؤثر سلباً في حياتهم اليومية.

لم يكُو مستغرباً ذلك الرقم الذي أفصحت عنه وزارة الصحة السوري مؤخراً بأن عدد الذين يعانون من الاضطرابات النفسية الشديدة يقارب مليون شخص في ظل الأزمة والضغوط النفسية والمعيشية بوجود ملفات اجتماعية واقتصادية تتعلق بذوي الشهداء والمفقودين والمخطوفين والمهجرين…؟.

ولكن الموضوع الأكثر إشكالية وغرابة هو نُدرة الأطباء النفسيين الأخصائيين لعلاج هذه الأمراض النفسية المتعددة والتخفيف عن المرضى. ومع أن الاضطرابات النفسية تلقى المتابعة والاهتمام بالمرضى في دول الجوار، إلا أنه ما زالت توجد حساسية لزيارة الطبيب مع عدم استعداد الطلبة لهذا الاختصاص في هذا المجال.

ويبين رئيس الرابطة السورية للطب النفسي الدكتور مازن حيدر لأحد الصحف السورية المحلية : إن الاضطرابات النفسية تتضاعف أثناء الأزمات، في وقت لا توجد فيه إحصائيات دقيقة للمرضى النفسيين حتى الآن، وكنسب عالمية حسب منظمة الصحة العالمية فإن نسبة الاضطرابات النفسية الشديدة تكون 3 و4% فضلاً عن الاضطرابات المتوسطة.

ولم يخفِ حيدر قلة الكادر المؤهل لمعالجة هذه الاضطرابات، إذ لا يوجد سوى 73 طبيباً نفسياً فقط يغطون 10% من الاحتياج، وتكمن المشكلة في عدم الدخول في هذا الاختصاص بسبب قلة المردود والوصمة الاجتماعية وعزوف المرضى عن مراجعة الأطباء النفسيين غير المؤمّنين صحياً في ظل عدم وجود مؤسسات كافية، إضافة إلى أنماط التدريس في الجامعات التي تركز على مرض الفصام فقط.

ويبدي رئيس جامعة دمشق الدكتور محمد ماهر قباقيبي استعداد الجامعة للموافقة على اقتراح تطوير الاختصاص وتأمين الكوادر، ليبيّن عميد كلية الطب البشري في جامعة دمشق الدكتور نبوغ العوى أنه سيتم إحداث قسم خاص مستقل بالطب النفسي في الكلية، في ظل وجود الكادر التدريسي بعد الحصول على الموافقات اللازمة، علماً أن الاختصاص لم يكن مطلوباً كما يوجد خجل من مراجعة الناس للطبيب النفسي، إلا أنه مع تطور العلوم أصبح الطب النفسي أساساً في ظل الضغوط والمصاعب الحياتية التي يتعرض لها الناس.

وأشارت اختصاصية العلاج النفسي في كلية التربية بجامعة دمشق الدكتورة كارولين محسن لـ”البعث”، إلى ارتفاع نسب العنف القائم على النوع الاجتماعي على مستوى العالم ولا يوجد إحصائية في سورية، وأهم آثاره زيادة نسبة الاكتئاب للأشخاص المعنفين والإدمان على المهدئات والمخدرات والكحول وانخفاض تقدير الذات وكذلك الأعراض الجسدية، وتدني مستوى التعليم وانتشار حالات الانتحار، علماً أنه يجب تكامل جميع الجامعات للتوعية من خلال المحاضرات والمقررات وتغذية الحملات التي تقام في هذا المجال.

تضاعفت أعداد الحالات النفسية في البلاد، بسبب الحرب ومعاناتها، وسط نقص حاد في أعداد الأطباء النفسيين. عشرات الأطباء المختصين لا يستطيعون تلبية حاجات شعب غارق في الأزمات، فيما تحاول الحكومة مع منظمة الصحة العالمية «رأب الفجوة»

و مع ازدياد الحديث عن الشعارات اللازمة لضرورات المرحلة الحالية من عمر البلاد، التي يتضمن بعضها إعمار النفوس قبل الحجر، تتبدّى الفجوة الهائلة في تطبيق مواجهة حقيقية لهذا التحدي.

فملف إعادة الإعمار الذي يشغل بال رجال الأعمال والحكومة والشركات الأجنبية المستثمرة على السواء، فيما يتطلب إعمار النفوس دعماً اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً وثقافياً، وسط اعتبار عجز ميزانية الدولة السورية عذراً فعلياً للتقصير في الكثير من الواجبات، التي ليس من بينها، حتماً، الدعم النفسي غير المذكور على لائحة الضرورات أساساً. وذلك بالتوازي مع ما يمكن مواجهته من إعلانات طرقية تغرق قلب العاصمة السورية بشعارات تتحدث عن «رضا المواطن». وهُنا يظهر المسؤولون والتجار بمظهر المهتمين بالمواطن، وبمشاعره وجراحه وحالته النفسية المتعَبة.

في رحلة سير خولة، الفتاة الثلاثينية، إلى عملها يومياً تقابل اللوحات المذكورة بسخرية بالغة. عانت الفتاة اكتئاباً حاداً بعد فراقها عن حبيبها المعارض الذي سافر خارج البلاد، ما اضطرها إلى طلب المساعدة من الطب النفسي. «تطلب حجز الموعد في العيادة النفسية انتظار 3 أشهر»، تقول خولة. وتتابع الموظفة الحكومية قولها: «تساءلتُ حينها: هل كل الشعب يذهب إلى هذه العيادة؟». لا يخفى على الفتاة نقص العدد الحاد للأطباء النفسيين، مع تزايد الحاجة إلى وجودهم بفعل الحرب القاسية. وتلفت إلى تجاوبها مع العلاج بفضل الأدوية، وليس بالمتابعة الطبية اللازمة. «جلسة كل 6 أشهر، إضافة إلى الدواء اليومي، ما يجعلني أقوم بواجباتي اليومية بنحو مقبول.

كنت قبل ذلك لا أقوى على شيء. وتمنيتُ الموت مراراً»، تضيف. بنظرها: «ما عاد الحُب حُباً، ولا الوطن وطناً»، ما يعطي شعوراً بالندم على الفراق الذي عصف بحياتها، فأحالها باردة المشاعر حيال كل شيء. المشكلة ذاتها، لكن من زاوية أخرى، ترويها عفراء، إذ إنها تفاجأت بزواج زوجها من بامرأة أُخرى، ما عرّضها لانهيار عصبي، أفضى إلى صدمة متواصلة قرّبتها من الانتحار. تقول بضعف واضح: «ما عاد لدينا الكثير من الشبان. معظمهم ماتوا أو سافروا. لذلك لا بد من لجوء الباقين إلى الخيانة والتعدد، بفعل الظرف المتاح لدى نساء أخريات يعانين بدورهن من آثار الحرب وحاجتهن إلى الارتباط بأيٍّ كان». الاختصاصي النفسي ساعدها في الحصول على إجابات منطقية لأسئلتها الكثيرة، غير أن الدواء وحده لا يقدم لها الراحة. والاختصاصي ذاته يشرح صعوبات الحياة بالنسبة إليه وإلى زملائه القلائل، إذ إن المعاينة تبلغ 2500 ليرة سورية. وقد تدفع المعاينة لمرة واحدة فقط، في ظل احتمال عدم عودة المريض طوال أشهر قادمة، حيث يمكن استخدام الوصفة الطبية مرات عدة، كأمر متعارف عليه خلال مراحل العلاج النفسي، الذي يتجاوز في أخف الحالات 6 أشهر من تاريخ البدء بتناول الدواء. وقد ينصح الأطباء النفسيون بالمهدئات والمثبطات والأدوية المنومة، وهي متوافرة في الصيدليات السورية، بصناعة وطنية أو إيرانية.

يغرق بعض الناجين من مجزرة ضاحية عدرا العمالية، في ريف دمشق، قبل سنوات، في عزلتهم الإرادية. لاقى بعضهم صدمات فوق طاقة احتماله. منهم منير الذي اضطر، وفق ما يتناقله جيرانه، إلى إطلاق الرصاص على أطفاله وزوجته، بعد حصار المسلحين للمبنى الذي كانوا يعيشون فيه. خشي الرجل على عائلته ذلّ الأسر، غير أن من سخرية القدر، بالنسبة إليه، نجاته وحده من الموت، إذ فشل في قتل نفسه. يعيش منير اليوم في منزل فقير ضمن قريته البعيدة، لا يواسيه إلا شرب الكحول. محاولة أقربائه إخراجه من حالته وتشجيعه على زيارة الطبيب النفسي، جعلته يزور أحدهم، ويعود بخلاصة: «إلى من يلجأ الطبيب النفسي عند تأزم حالته النفسية؟ إنه مجنون وبحاجة إلى المساعدة أكثر منا جميعاً. بينما يظن نفسه يمتلك الحلول، ليس لديه إلا التنظير». تسوء حال منير يوماً بعد آخر، إذ لا ينتظر شيئاً من الحياة سوى موت ضلّ الطريق إليه، فيما أخذ كل أفراد عائلته. ومع رفضه العلاج النفسي، يرى المقربون منه أن تجربته في اختيار الطبيب النفسي المناسب لم تكن جيدة، ما أفقده الثقة كلياً في الأمر. ومثله كثيرون من السوريين الذين فقدوا أحباء أو تعرضوا للعنف، وسط إهمال كامل من الدولة السورية وأقاربهم للدعم النفسي. فيما تكمن الكارثة الحقيقية لدى آلاف الأطفال الذين واجهوا العنف والموت والإصابة وفقد الوالدين، وهم متروكون اليوم لمصيرهم من غير الحصول على أي رعاية نفسية، قد تمنعهم من أن يكونوا مشاريع «إرهابيين» مستقبليين.
من «يرأب الفجوة»؟

لا يبدو برنامج «رأب الفجوة» كافياً، وهو الذي أدخل منظمة الصحة العالمية على خط الدعم النفسي في البلاد بالتعاون مع الحكومة السورية، على الرغم من الاهتمام بتدريب ما يقارب 2500 طبيب من مختلف الاختصاصات، لتقديم حلول سريعة في التعامل مع 10 أنواع من المشاكل النفسية التي تواجه الشعب السوري، جراء النقص الحاد في عدد الأطباء المختصين. فإن كان من الضروري توافر طبيب مع فريق مجهز لكل 10 آلاف شخص، حسب معايير منظمة الصحة العالمية، تحتاج سوريا إلى 2000 طبيب، في حد أدنى، لتغطية احتياجات شعبها النفسية، التي تضاعفت مع الحرب. واللافت أن ما يتوافر من العدد المطلوب هو عشرات الأطباء فقط، الذين يتركز جلّهم في العاصمة السورية، ولا يغطون أكثر من 10% من حاجات المرضى. ومع لجوء الأطباء المختصين إلى الخارج، ووجود أكثر من 200 طبيب نفسي سوري في فرنسا وحدها، فإن الباقي لكل مليون مواطن سوري 3 أطباء نفسيين، ما يشرح عمق المشكلة وأخطارها على المدى البعيد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: