صدى الواقع السوري

غولاي ظاظا :حرب الرقة: حرب بين نموذجين للمرأة المقاتلة

#صدى_اقلام_المثقفين:

غولاي

بقلم: غولاي ظاظا

خلال السنوات الماضية التي رافقت الحرب في سوريا والعراق ظهر نموذجان فريدان للمرأة المقاتلة على جبهتين. الأولى المقاتلات الكرديات اللواتي أصبحن نموذجاً أدهش العالم بانخراطهن في القتال منذ بدايات الحراك العسكري الذي تشكل منه لاحقاً قوات سوريا الديمقراطية. أما النموذج الثاني فكانت النساء المقاتلات في تنظيم داعش، وأشهر التشكيلات النسائية كتيبة أطلق عليها التنظيم اسم كتيبة الخنساء. قبل أيام قامت عدة نساء في الموصل بتفجير أنفسهن بين النازحين والقوات العراقية. في واحدة من هذه العمليات رصدت كاميرا أمنية عراقية امرأة تحمل طفلاً وبيدها حقيبة. كانت هذا الحقيبة مليئة بالمتفجرات، وقتل في التفجير الانتحاري ذلك الطفل أيضاً مع عشرات القتلى والجرحى.

مع انقلاب موازين القوة لصالح قوات سوريا الديمقراطية وانحسار تنظيم داعش، يتقدم أيضاً نموذج المرأة المقاتلة وفق النمط الكردي، فيما يقترب نمط المرأة الداعشية ليصبح جزءاً من التاريخ. وقبل أيام أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن نيتها تشكيل كتيبة خاصة بالمقاتلات من المكون العربي ومهمتها الدفاع عن مختلف المناطق السورية. وقالت القيادية في قوات سورية الديمقراطية روجدا شيار، في تصريح صحفي، إنّ الهدف من تشكيل أول كتيبة للمرأة العربية ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية هو الرد على النظام العبودي والسلطوية الذكورية، من خلال دفاعها عن أرضها وكرامة شعبها والمرأة السورية. والواقع فإن انخراط المرأة العربية في التشكيلات القتالية ذات الطابع العلماني غير اعتيادي، فالنماذج التي ظهرت للنشاط النسائي بقي في إطار تسمية «الحرائر»، وهذه الكلمة لها تعبير طبقي في اللغة حيث كانت تطلق تمييزاً لها عن الجواري والسبايا، ولكن بتأسيس هذا التشكيل الجديد من النساء العربيات، لن يقتصر النمط السابق على كونه «كردياً» فقط، بل سيبدو علامة هامة على انتصار اجتماعي لقوات سوريا الديمقراطية أمام نموذج المرأة التي قدمها تنظيم داعش.

إن الهزيمة النهائية لتنظيم داعش لن تكون فقط عسكرية، فالمجتمع الذي عمل على مدار أكثر من ثلاث سنوات على بنائه، وخصوصاً المرأة، يبدأ بالانهيار ويحل محله النموذج المضاد له تماماً في القيم. وتشكيل الكتيبة العربية من النساء واحدة من علامات الانتصار في الميدان الاجتماعي.

في الوقت نفسه، وصلت مقاتلات إيزيديات من وحدات المرأة في شنكال إلى مدينة الرقة للمشاركة في محاربة داعش وتحرير النساء الإيزيديات المختطفات. وأثناء استقبال المقاتلات الإيزيديات، قالت القيادية في وحدات حماية المرأة، سما عفرين، إنه وبمشاركة المقاتلات الإيزيديات في حملة السيطرة على مدينة الرقة «سيكتمل هدف حملتنا هذه التي انطلقت منذ بدايتها للانتقام لنساء الأرض المقدسة شنكال وإيزيدخان». ولوصول هذه الكتيبة رمزية كبيرة في تحرير الأسيرات الإيزيديات على أيدي مقاتلات إيزيديات نجون من العبودية والسبي.

من بين هؤلاء المقاتلات هناك (هيزا) التي تحدثت في مقطع مصور عن سيرتها المؤلمة حين اختطفها تنظيم داعش في شنكال، وكيف قام مقاتلو التنظيم باختيار الفتيات الجميلات واتخاذهن سبايا. بعد ثلاث شهور من مكوثها في تلعفر كسبية وأسيرة تم نقل هيزا إلى الرقة مع نهاية عام 2014. خلال الشهور الأربعة الأولى تعرضت هي وعائلتها إلى تعذيب وإهانات مستمرة. وتقول هيزا، المقاتلة في وحدات حماية المرأة، إنها حاولت الانتحار مرتين بتناول كمية كبيرة من الأدوية، لكن لم تنجح المحاولتان. وخلال فترة علاجها من آثار العمليتين تعرفت إلى عائلة من أهل الرقة اعتنوا بها قبل أن يستعيدها التنظيم. قامت هيزا بمغامرة كبيرة وأقدمت على الهروب، لكنها لم تنجح في الخروج من الرقة، إلا أن القدر كان في صالحها حين سمعت في السوق رجلاً مسناً يتحدث الكردية. انتقلت إلى منزله لترتيب خروجها من الرقة، إلا أن هيزا بعد تعرفها على العائلة الكردية طلبت السماح لها بالعودة إلى الدواعش خوفاً من أن تلحق الضرر بالعائلة. وقائع بكاء متبادلة روتها المقاتلة في تلك اللحظات، إلى أن تمكنت من الوصول مع أفراد عائلة الرجل الكردي إلى منطقة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمالي الرقة.

تتموضع هيزا مع رفيقاتها على جبهات القتال الأمامية، وهي لم تأت لمجرد المشاركة في معركة عسكرية بل تصر على أن معركتها هي إلحاق الهزيمة بذهنية داعش. الكثير من المقاتلات الإيزيديات سيكن حاضرات لحظة تحرير الرقة، وقد يكون من حظهن أن يقع كبار قادة داعش في قبضتهن.

بين ذهنية كل من كتيبة الخنساء التابعة لداعش، ووحدات المرأة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تدور معركة فاصلة في الرقة بين نموذجين اجتماعيين. فبينما كانت «الحرائر» الخاسر الأكبر في ظل تنظيم داعش، تبدو المرأة الكردية والعربية وفق النموذج الجديد هي الرابح الأكبر في ظل قوات سوريا الديمقراطية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: