صدى الواقع السوري

روسيا والعلاج بالصدمة: محمد جهاد نيعو (سورية)

منذ أن صرّحت روسيا عن نيتها التوجه إلى سورية، والقيام بحرب من أجل حماية حكم الأسد، أحدث هذا التّوجه ضجّة إعلامية كبيرة في العالم. كان المطلوب إحداث حالة إرباك كبيرة بغرض دب الرّعب في صفوف الكتائب المعارضة السورية لتشتيتها، وتعزيز الثقة في صفوف ما بقي من ميليشيات تقاتل إلى جانب النظام، بعد تلقي الهزائم المتكررة، لإرسال رسالة واضحة لكل الدول المهتمّة بالشأن السوري، مفادها أنّها لا تزال قوة لا يستهان بها، وجاهزة لاستخدام قدراتها العسكرية في أي وقت لحماية نفوذها والحفاظ على مكانتها في الدّول التي أسّست فيها مصالح كبيرة، ومنها سورية.
في أول معركة خاضتها روسيا إلى جانب نظام الأسد، تم الهجوم على مناطق تابعة لسيطرة الجيش السوري الحر في منطقة “سهل الغاب” لاسترجاع نقاط مهمّة حرّرها “الجيش الحر”، لكن نتائج المعركة جاءت عكس المتوقع، إذ صدت كتائب الجيش الحر الهجوم، وأعطبت الكثير من دبابات النظام وآلياته الثقيلة، عدا عن الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف النظام، ما دفع القيادة الروسية للتصعيد من هجماتها الجوية الإجرامية التي طالت المدنيين للإنتقام من البيئة الحاضنة للثوار، من دون أن يثني الأمر الجيش الحر عن القتال.
كانت هذه العملية والضعف الملحوظ في قدرة ما بقي من جيش النظام على القتال سبباً في تغيير نظرة القيادة الروسية للأحداث السورية، وأجبرتها على السعي والبحث عن حل سياسي ومخرج سريع لها، بعيداً عن الدخول في حرب استنزاف بريّة طويلة الأمد مع جيش أصبحت قدرته كبيرة على صد الهجمات البرية، كالجيش الحر.
وتظهر تصريحات قيادات عسكرية روسية أن روسيا فقدت الثقة بجيش النظام الذي انهار تماماً على مدى خمسة أعوام، متحولا إلى ميليشيات غير منضبطة، كما أن تصريحات مسؤولين روس عن نية روسيا الحوار مع “الجيش السوري الحر” والاعتراف به قوة فاعلة على الأرض السورية، وأنه جزء من الحل، كان بسبب صمود الثوار على الأرض.
كثر الحديث في الأيام الماضية عن لقاءات تعقد بين مسؤولين روس رفيعي المستوى وشخصيات من المعارضة السورية السياسية والعسكرية، ما يعني أن موسكو بدأت السير على الطريق الصحيح للخروج من المستنقع، محاولةً العمل على إرضاء المعارضة وتحسين صورتها العدائية التي رسمتها لنفسها طوال سنوات الثورة.
كانت للقاء الرباعي الذي عقد في فيينا دلالات كبيرة، من حيث أنه فتح باب البحث جدياً عن حل للأزمة السورية، ما يعني أن الحل السياسي يولد من رحم التطورات السياسية والميدانية على الأرض السورية، على الرغم من عدم الاتفاق في لقاء فيينا على نقاط كثيرة وأهمها مصير الأسد.
ولكن، يبدو أيضا أن نيّة الروس إبقاء الأسد لإدارته المرحلة الإنتقالية ما هو إلا كلام فارغ لكسب أكبر قدر من التنازلات من الطرف الآخر، كما كشفت زيارة الأسد لموسكو، إذ ظهر بصورة الخادم الذي تم طلبه لتوبيخه على التقصير، وهو أمر تعمدته موسكو لتقول للعالم إن الدور الإيراني انتهى في سورية، وأصبحت متفردة بالقرار وجاهزة للمقايضة على مستقبل الأسد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: