العائلة الأسدية ضد العوائل السوريّة

#صدى_سوريا:

بحر

[highlight] العائلة الأسدية ضد العوائل السوريّة [/highlight]

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة “Vedeng”

صالح الحاج صالح

لم يكن أحد يصدق أن يأتي يوم تشتري العائلة السورية فيه جثة ابنها الذي «استشهد دفاعاً عن الوطن على أيدي العملاء والخونة»، حسب منطوق النظام، رغم مقولة حافظ الأسد «الشهداء أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر» التي لا تزال تحتل الزاوية اليسارية العليا لصحف النظام الثلاث منذ عقود، متناوبةَ مع مقولات عن الرياضة والمعلمين والجيل واليد العليا. ولا تزال أيضاَ تستخدم بكثافة كرنة موبايل لأغلب المنتمين لحزب البعث وأفراد القوات المسلحة والأمن وعموم الموالين، وليس مستغرباً أن تسمعها على موبايل من سقط صريعاً واحتجزت جثته في براد مستشفى حتى يُدفع ثمنها من قبل أسرته.  ويمكن رصدها أيضاَ على جدران الملاعب والمدارس والدوائر الحكومية، والمشافي التي تحتجز جثة من تتغنى به، وكلما مُحّت يتم تجديدها بمناسبةِ ما.

لم تكن هذه الحالة استثناءً في تعامل نظام آل الأسد مع العائلة السورية؛ فطيلة عهد الأب كان معول النظام يعمل على تحطيم الأسرة السورية. الأب يؤخذ رهينة عن الابن، والأخ يُعتقل بدلاً عن أخٍ استطاع النجاة، والزوجة تُبتز لزيارة زوج معتقل، والابن يرث حرماناً من الوظيفة العامة والتعليم العالي عن أب حرم من الحياة في معتقل، والأبناء يفقدون الجزء الأكبر من ميراثهم أو ينتظرون تسوية تمتد لعشرات السنين في حال فقد الأب – يُقدر عدد المفقودين من ثمانينيات القرن الماضي 15 ألف مفقود، وبهذا الخصوص لا تزال آلاف العوائل الحموية تنتظر تسوية ميراثها من 36 عاماً -.

توّج بشار الأسد هذا الاستهداف الواعي من قبل النظام وأجهزته الأمنية للعائلة السورية بوضوحٍ أشد من أبيه؛ ففي لقائه مع رجال الدين بتاريخ 24 نيسان 2014 خاطبهم بقوله «فعندما نتحدث عن عشرات آلاف الإرهابيين فهذا يعني أنه خلف هؤلاء حاضنة اجتماعية. هناك عائلة هناك قريب وجار وصديق وأشخاص آخرون. يعني نحن نتحدث عن مئات الآلاف وربما الملايين من السوريين» .. هؤلاء الملايين مستهدفون من النظام لا لذنب ارتكبوه، بل لأنهم أب وأم وأخ وزوجة وجار وصديق، ولأنهم الحائط الوحيد المتبقي للسوري بعد أن تم الاستيلاء على النقابات والجمعيات وحتى الأحزاب المرخصة، أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وهي أحزاب مملوكة لصاحبها حزب البعث، كما رصدت ذلك طرفة انتشرت في فترة الثمانينيات من القرن الماضي.

معرفة مصير المعتقل أو المفقود استنزفت العائلة السورية مالياً من أجل الحصول على مجرد معلومة إن كان فقيدها حياً أو ميتاً، وأين هو؟ ومقابل ذلك تراكمت ملايين الليرات السورية في جيوب المتنفذين ورجال الأمن لقاء تسريب معلومة عن مصير مفقود، أو تأمين زيارة لمعتقل لمدة خمس دقائق، وغالباً ما تكون المعلومة مبتورة، لا تقطع بوجوده أو عدمه.

الأسرة السورية وحدها من حافظت على سوية معقولة لتعليم أبنائها وإيصالهم للجامعات عبر الدروس الخصوصية في ظل انهيار منظومة التعليم الحكومي وفسادها. أما الوجه الآخر لتخريب التعليم فتم من خلال تحويل المعلمين لجيش مرتزقة يطوفون على المنازل حتى أثناء الدوام الرسمي. إفساد المعلمين بشكل غير مباشر، أتاح للنظام إخراج ثاني كتلة بعد مؤسسة الجيش من حيث العدد ليكونوا شركاء له في حربه الخفية ضد المجتمع والأسرة السورية، من خلال إمكانية توفير ثراء محدود لهم، ودخل إضافي متنامي يجدونه في جيوب الناس وبرضاهم الكامل، وإشراكهم مع المؤسسات الأمنية والدوائر الحكومية في نهب الناس بشكل علني.

وهي، الأسرة السورية، التي استطاعت أن تحافظ على حد معقول من الاستقلالية الاقتصادية في عهدي الأب والابن ولم ترتهن بشكل كامل لرغيف الخبز المغمس بالذل والولاء المطلق للنظام، واستطاعت التحايل على مقولة النظام المضمرة «جوّع كلبك يلحقك» من خلال اختراع مواسم المؤن لمواجهة غلاء الأسعار والفقد المتكرر للسلع في الأسواق واحتكارها من قبل مافيات مرتبطة بالنظام مع فتح الأبواب الخلفية للإثراء السريع لعائلات مضمونة الولاء.

وبالإضافة للتكاليف الأمنية والاقتصادية التي تكبدتها العائلة السورية، تكبدت أسر المعتقلين والمفقودين خلال فترة حكم الأب تكاليف نفسية واجتماعية عبر الزيارات الأمنية المتكررة لضبط صلاحها المشكوك به للوطن، وانداحت آلية التشكيك هذه إلى عزلة مجتمعية من قبل أفراد المجتمع المنضبط، أي جماعة «الله يطفيها بنوره» حالياً، مشيّعةً حول تلك الأسر مناخاً من الخوف منها، وتخوينها، وعدم صلاحية أفرادها لشغل الوظائف الحكومية أو الحصول على جواز سفر.

بعد خروجه من معتقلات الأسد الأب، لم يتلقَ المعتقل (أعدادهم بعشرات الألوف) أي عون من جمعية أو منظمة، ولا حتى من الحزب الذي اعتقل على اسمه، وتعاملت السلطة مع المعتقل، بريئاً كان أم مذنباً، بمزاجية؛ فمن حاز على تعويضات أو إعادة للوظيفة فهو استثناء من القوانين الاستثنائية، التي بدورها استثنت آخر له نفس الوضع. ومن منع عن نيل حق مدني فلا اختلاف في وضعه من حيث التهمة والانتماء أو الفترة التي قضاها بالسجن عمن نالها بشكل آلي بمجرد تقديمه طلب لتصحيح وضعه. غاية كل ذلك نهج فرضته السلطة الأمنية بعدم خلق قاعدة وسلوك يمكن توقعه من قبل محكوميها.

اليوم، في انفلات إجرام النظام من عقاله وفي حربه المشهودة على كل السوريين، تفوق الابن على الأب في تحطيم المجتمع السوري ومكونه الصغير –الأسرة–. نصف السكان هائمون على وجوههم في أربع جهات الأرض، وغالبية الأسر السورية مشتتة، حتى تلك القاطنة في كنف سيطرة النظام. بالكاد من يستطيع التواصل واللقاء مع أفراد أسرته كلما أراد. فلا أب يتاح له أن ينجد ابناً معتقلاً بزيارةِ، أو يفتديه من اختطاف، ولا ابن حامل للسلاح استطاع العودة إلى منزل الأهل منذ خمس سنوات، حتى مَنْ كان في جيش النظام، إلا فيما ندر.

موارد الأسر تبخرت بشكل كامل عبر التدمير الممنهج للممتلكات من قبل طيران النظام وصواريخه، و«تعفيشها» على يد عناصر جيش النظام، ومصادرة الأملاك من خلال تقليد النهج الإسرائيلي في إدارة أملاك الغائبين من قبل مليشيا pyd، أو بيعها بثمن بخس تحت ضغط الحاجة، ويضاف إلى ذلك الغلاء واللعب بأسعار الصرف والاحتكار، مما دفع آلاف السوريين ليكونوا ضحية مافيات الاتجار بالبشر.

هناك اليوم مليوني ونصف سوري في سن التعليم خارج مقاعد الدراسة، حسب تقارير دولية، في ظل شلل كامل من أفراد الأسرة مهما ابتدعت من حلول في تأمين تعليم لفرد واحد من أبنائها، ومن الاستحالة أن يتم مستقبلاً تعويض من فاتته سنين الدراسة. لم يمنع هذا الوضع الكارثي أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، من التباهي أمام نفر قليل من أبناء الذوات، أحدهم نجلها، احتفاءً بفوزهم بأولمبياد العلوم، بقولها «وين كنا، ووين صرنا..» جملة صغيرة لا تكشف كذب الأسرة الحاكمة مقارنة بالأرقام الدولية فحسب، بل تبين بوضوح عدم الاحساس بالمسؤولية؛ فمادام ابنها وصحبه يتلقون تعليماً مناسباً فلا مشكلة، وهي غير معنية بأبناء الأسر السورية إن تعلموا أو دفنوا أحياء تحت قصف البراميل المتفجرة.

بعد انشقاقه، اعترف عبد الحليم خدام أن آلاف الأسر السورية تؤمن جزءاً من مواردها بالتنقيب في الزبالة، هذا الاعتراف، سواء كان صحوة ضمير أو كيداً لنظام زَبَلَه بعد سنوات من الشراكة والتفاني في خدمته، يعرفه كل السوريين، بما فيهم أصحاب مقولة «كنا عايشين». هذا المورد وغيره أصبح بعيد المنال، والمورد الوحيد المتاح بشيء من الكرامة يقدمه ابن أو أخ مغترب منذ سنوات لأسرته، موفراً حداً أدنى من البقاء على الحياة، وهو تضامن يقي وجود الأسرة السورية، المستهدفة من قبل النظام عبر سياسة «الجوع أو الركوع».

أخيراً، العائلة الأسدية كعائلة محتكرة للسلطة والمال والعلم، وضعت نفسها مع عوائل منتقاة، بمواجه الأسر والعوائل السورية وتحطيمها. واستمرار العائلة الأسدية يمر عبر تماسكها ودفاعها عن أفرادها. لا أدل على ذلك أفضل من دفاع بشار الأسد عن ابن خالته عاطف نجيب «لا أحب ان تزعل مني خالتي»، ورسالة رامي مخلوف لإسرائيل في بداية الثورة «أمن إسرائيل من أمن سوريا – سوريا الأسد -»، وقول أسماء الأخرس «وين كنا، وين صرنا» ليبقى للسوريين كافةً وعوائلهم وأسرهم الموت بالبراميل المتفجرة والكيماوي والجوع والتشرد وخراب البيوت.

المصدر: الجمهورية

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: