صدى الواقع السوري

نوّاف حسن : أنت المسؤول

نواف حسنجميلة هي الحياة، وأجمل ما فيها ذلك المخلوق الذي أدرك حجم مسؤولياته الجسام إزاء مجتمعه، والتزم بها قانوناً فطريّاً بعيداً عن لغة عقوبات مادّيّة أثبتت التجارب أنّها غير مجدية ولا يمكن أن تكون حلّاً لما آلت إليه الأوضاع في مجتمعنا الذي يرزح تحت وطأة الجهل، هذا الداء العضال الذي تفشّى في بنيته، ونخر في كلّ ما يدبّ فيه من حياة، فهو الجهل الذي يقف حجر عثرة أمام نهوض الإنسان تاركاً خلفه بيئة موبوءة تحيط به إحاطة السوار بالمعصم.

إنّ ما يؤرّق كلّ ذي بالٍ تلك الظاهرةُ التي تتفاقم باستمرار نتيجة تطفّل الإنسان على بيئته، واعتدائه السافر عليها، حتى باتت من القضايا الملحّة التي تتطلب إيجاد حلولٍ جذريّةٍ لها.

إنّ العالم المتمدّن يشهد قفزاتٍ نوعيّةً في هذا الاتّجاه، وقد وضع في سُلّم أولويّاته قضايا البيئة وحمايتها من مخاطر التلوّث حفاظاً على مقوّمات الحياة ومصادرها.

إنّها قضيّة إساءة كلّ واحد منّا- ولا أستثني أحداً- إلى محيطه المكانيّ، إنّها الغلبة للأنانيّة الطافحة المفرطة، إنّها الأنا المتورّمة التي استبدت وتمادت في غيّها حتى جنت على نفسها قبل غيرها.

إنّه السؤال المُحيَّر: مَنِ المسؤول؟؟؟ ومن السهولة بمكان أن نجيب عنه كما يجيب الطالب عن إماطة الأذى بعبارات تحمل في طيّاتها حسَّ المسؤولية والشعور بالانتماء إلى المكان في رغبة جامحة للحصول على ثمن الإجابة عن السؤال دون سواه، ثمّ يخرج متباهياً، مزهوّاً بنفسه يعبّر عن فرحته بتفتيت ورقة الإجابة ورميها على قارعة الطريق.

إنّها قضيّة أخلاقٍ لم تستطع إلى الآنَ أن تجد لها مساحة أوسع من مساحة المناهج الدراسيّة، وهذه مسألة أخرى شائكة تفتح علينا أبواباً لا يمكن إغلاقها إذا ما أردنا الخوض فيها.

إنّها النفايات التي تأبى إلّا أن تغمرني برائحتها التي تجتاح المكان قبل المغادرة إلى أيّ مكان، إنّه السؤال الذي لا يجد له منتهاه، فيظلّ متسكّعاً، مهرولاً باحثاً عمّن يحمل الجواب، فيعود حاملاً معه كلاماً معسولاً لا يغني ولا يُسمن.

وأمّا أنا فأقول ملء فمي: إنّ قضيّة العبث بالمكان جنحةٌ لا تُغتفر، وإساءةٌ وتشويهٌ لجمال الحياة، ومؤشّرٌ حقيقيّ على مستوى الفرد الأخلاقيّ والتعليميّ والسلوكيّ، وهنا يأتي دور التعليم في مدارسنا والإعلام الحرّ القادر على نشر ثقافة (نحن)، وزرع القيم في المجتمع وبناء شخصيّة الإنسان الواعي، وهاتان المؤسستان (التعليم والإعلام) لهما دور بارز في دفع عجلة التغيير والنهوض بالمجتمع إلى واقعٍ أرحب وأفضل.

إنّ واقع الحال في (كركي لكي) ينذر بنتائجَ وخيمةٍ على الفرد والمجتمع برمّته، ولا يمكن التصدّي لظاهرة النفايات المتفشية المخالفة للذوق العامّ والمنافية لقواعد الصّحّة العامّة إلّا من خلال بلورة الوعي البيئيّ لدى كافّة شرائح المجتمع المحلي ولا يمكن الوصول إلى ما نصبو إليه إلّا من خلال:

1- تنظيمِ برامجَ توعيةٍ بين مختلف قطّاعات المجتمع تُشرف عليها بلديّة (كركي لكي) التي تتحمّل الوزر الأكبر في تفاقم هذه الظاهرة السلبيّة الخطيرة.

2- سنّ قوانين وتشريعات تمنع الرمي العشوائيّ للنفايات.

3- وضع لوحات إرشاديّة لتوعية المواطنين.

4- تعزيز العمل التطوعي للتخلّص من المُخلّفات والممارسات الخاطئة.

وقبل هذا وذاك يجب على مَنْ ألقى الحمل على كاهله أن يستوفي حقوق الآخرين وأن يحصّن نفسه بثقافةٍ بيئيّةٍ يكون مثلاً يُحتذى به وأنّ يخطو خطواتٍ عمليّةً في هذا الاتّجاه عبر سلسلةٍ من الإجراءات التي من شأنها الحدُّ من هذه الظاهرة المستشرية التي تنخر جسد المجتمع وإليك عزيزي المسؤول جملة من الأسباب التي تؤدي إلى انتشار النفايات التي من شأنها أن تكون سبباً في تفشي الأمراض؛ لتجد من خلالها الحلول الناجعة فور التصدي لها:

1- اعتماد طرق غير سليمة في التخلّص من النفايات كـ (الحرق) على سبيل المثال لا الحصر.

2- عدم وجود تحرّك فعّال للحدّ من هذه المشكلة.

3- عدم وجود ما يلزم من الحاويات الكافية التي تغطي جغرافية المكان.

4- البطء في التخلّص من النفايات.

5- عدم إمكانيّة استيعاب الكمّ الهائل من النفايات في مَكَبٍّ واحد.

6- إهمال المواطنين وعدم إدراكهم حجم المشكلة البيئيّة الخطيرة الناجمة عن النفايات.

7- تكليف الأهل الأطفال بمهمّة إلقاء القمامة التي لا قِبَل لهم بها، فيكون بذلك الطفل عرضة لأخطار كثيرة تتربّص به أثناء رحلته الشاقّة التي تكلّفه نصف ما يحمله أو يزيد قبل الوصول إلى الهدف المنشود.                                  8- افتقار عامل النظافة إلى ثقافة هذه المهنة الإنسانيّة النبيلة، فضلاً عن قلّة عدد العاملين مقارنة مع هذا الازدحام السكانيّ الكبير.

9- عدم تزويد المواطنين بأكياس خاصّة لرمي القمامة.

10- عدم إيجاد حلٍّ للحيوانات الشاردة التي تكون سبباً في أحايين كثيرة عن المظهر الحضاري الذي يحيط بمساحة المكان المخصّص للحاويات.

11- عدم وجود آلية لتدوير النفايات والاستفادة منها دعماً لميزانيّة البلديّة.

هذه جملة من التحديات التي تنتظر المواطن والجهات المسؤولة، ولا يمكن التصدي لها إلّا بتضافر جهود أبناء المجتمع، وبناء علاقة جيدة مع البيئة حتى تحافظ علينا مجتمعاً سليماً معافى من كلّ ما يؤرّق أنس المكان.

                                                                                                                            بقلم :  نوّاف خلف

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: