صدى الواقع السوري

32 ألف يتيم في جمعيات بسوريا…. والتبني مرفوض شرعاً وقانوناً

تركت الحرب وراءها، عشرات الآلاف من الأطفال اليتامى، ممن تدق قلوبهم الصغيرة بأمنيةِ أن يهبهم أحد ما حضن العائلة الدافئ من جديد، في المقابل كثيرون يتمنون أن يقوموا بذلك، ليصدمهم القانون بتعليمات صارمة تحول في كثير من الأحيان دون ذلك.

«التبني» مرفوض قانوناً وشرعاً، وكفالة طفل، خارج دور الرعاية المكتظة، حكر على مجهولي النسب…

القانون العسير، والحاجة الملحة، دفعت الكثيرين إلى «التبني» في الظلام، ودفعت المشايخ إلى تبرير ذلك، لا بل وإلى المساهمة فيه أحياناً كثيرة.

لم يتردد إمام أحد الجوامع عندما دخل ليصلي فجراً، ووجد على باب الجامع طفلا في أيامه الأولى، من أن يبحث له عن عائلة ترعاه، كان هدفه الأول أن يجد مأوى آمن لذلك الطفل، فلم تعقّده القوانين أو تقف أمامه التفاصيل الصغيرة، «قيس» هو الاسم الذي حمله الصغير فيما بعد، لينتقل من البرد الذي كان يلفه تلك الليلة أمام الجامع، إلى دفء أمٍّ وأبٍ انتظرا طويلا ولم يرزقا بأولاد، إلى أن جاء «قيس» فحظي عندهم بدفء العائلة، ومنحهم طعم الحياة من جديد.

المصير الذي حظي به «قيس» لا يشبه ما يحدث في الحالات الأخرى، فحظ «قيس» الجيد حمله إلى تلك العائلة، بينما آلاف الأطفال الآخرين انتهى بهم المصير إلى دور رعاية مكتظة لا يجدون فيها من يهدهد لهم بأغنية حنونة قبل النوم.

وعن التجاوزات التي تحصل في تواسط بعض المشايخ، والسماح لبعض العائلات في تبني طفل يتم إيجاده في مكان ما خاصة أمام الجوامع، يقول د.محمود العكام مفتي حلب، إن هذا قد يحصل، خاصة إذا كانت العائلة ليس لديها أولاد، لكن هناك العديد من الأمور التي يجب مراعاتها شرعياً، كالاعتراف بأن الطفل ليس ابنهم الحقيقي.

من جهته يؤكد الأب برصوم كندو، وهو مسؤول عن فريق تطوعي عمل مع الأيتام المسيحيين والمسلمين، أن من المسموح أن نجد لطفل يتيم ليس له من يرعاه، عائلة قادرة على ذلك، ما سيسهم في نشله من الحالة الصعبة التي يعيشها في دار الرعاية، فمهما كانت الرعاية المقدمة في الدار، الطفل يحتاج إلى اهتمام مباشر ورعاية أسرية، مؤكداً أنه وقبل أن يُعطى الطفل لتلك العائلة يجب البحث جيدا للتأكد من أخلاق العائلة، ووضعها المادي وسمعتها وقدرتها على التربية، وتستطيع تلك العائلة أن تتبنى الطفل وتنسبه إليها في حال كان مجهول النسب.

فالتبني في مثل هذه الحالات مسموح دينيا وحتى قانونيا بالنسبة للمسيحيين.

مضيفاً : من خلال عملي مع الأيتام، هناك حالات لأطفال أيتام عاشوا مع عائلات أخرى قادرة على تربيتهم، كما أن هناك أطفال آباؤهم غير قادرين على إعالتهم فنُقلوا ليعيشوا مع عائلة أخرى، وهذا حدث مع طفل بعمر ثلاث سنوات حيث تبنته عائلة من أقربائه.

ويوضح برصوم، أن هناك الكثير ممن استشهدوا في هذه الحرب وتعمل الكنيسة مع عدة محامين على تأمين عائلات تتبنى أطفالهم، خاصة ممن كانوا في سن صغيرة جدا، فيجب أن نجد حلا لوضعهم، بدلا أن نتركهم يعيشون في الظلم التي تركتهم فيه الحرب إلى الأبد.

في الوقت نفسه يشير رجل الدين المسيحي إلى أنهم لا يأخذون أطفال من مراكز الإيواء العامة، إنما فقط من دور الرعاية المسيحية، وذلك للمحافظة على ديانة الطفل، والأطفال مجهولي النسب في دور الرعاية يجدون الكثير من العائلات التي ترغب في تبنيهم، خاصة عندما يكونون حديثي الولادة!، وهنا نختار لهم العائلة الأكثر قدرة على الاهتمام بهم.

لا يسمح بالتجاوزات

في الوقت نفسه تؤكد مديرة الخدمات في وزارة الشؤون الاجتماعية ميساء ميداني أن التبني مرفوض تماما بالقانون ولا يسمح بالتجاوزات، مشيرة إلى أن القانون سمح بإلحاق الطفل مجهول النسب بأسرة كفيلة بعد موافقة وزارة الشؤون، حيث أن هناك دارين تستقبلان الأطفال مجهولي النسب في سورية هما «لحن الحياة في دمشق» وجمعية «كفاله الطفولة» في حلب ويسمح لهذه الدور بإلحاق أي طفل لديها بأسرة راغبة في ذلك بشروط معينة وبموافقة الوزير شخصياً.

تسجيل الطفل.. ممكن

مفتي حلب اكتفى بالإشارة إلى أن مشروع القانون الذي طرح على مجلس الشعب مؤخراً حول فاقدي الآباء أو مجهولي النسب كان قانونا شاملا ومتكاملا، حدد كفالة هؤلاء الأطفال بشروط معينة تضمن حق هذا الطفل، لكن للعكام بعض الملاحظات على ذلك القانون، كأن يتم تسمية هؤلاء الأطفال بـ «فاقدي الأبوين» بدلا من مجهولي النسب، إضافة إلى حذف ما يشير إليه القانون من أن هذا الطفل مولود من علاقة «غير شرعية» فكيف لهم أن يعرفوا ذلك، فهناك حالات أخرى من الممكن أن تدفع بعض الأهل إلى ترك أبنائهم خاصة في الظروف التي تعيشها البلاد اليوم.

كما يشير العكام أنه ليس مع اعتبار مجهول النسب عربياً سورياً، فيكفي اعتباره سورياً.

ورفض العكام الخوض في تفاصيل توسيع دائرة الكفالة لتشمل عدد أكبر من الأطفال خاصة الأيتام، كما أنه تحفّظ عن الحديث في السماح للعائلة الكفيلة بتسجيل الطفل على اسمها، قائلا أن هذا الموضوع من الممكن أن يكون قابلا للنقاش بشروط معينة لم يفصح عنها.

الكنية بلا نسب

أما قانونياً وحسب وزارة الشؤون الاجتماعية ، يمكن للأسر أن تكفل الأطفال مجهولي النسب وتلحقهم بها، كما يجوز أن تعطيهم تلك العائلات كنيتها من دون أن تستطيع إعطاءهم نسبها، أي يبقى اسم الأب والأم افتراضيا كما منحوه إياهم في دار الرعاية، على أن يحمل الطفل كنية العائلة المستضيفة فقط، وهذا أيضا يخضع لرأي القاضي حيث يتم منح الكنية بدعوى قضائية قد يوافق عليها القاضي أولا، وكثيرا من الأحيان يرفض القاضي منح مجهول النسب كنية العائلة الكفيلة بسبب اعتراض أحد أفراد تلك العائلة.

الميراث المحظور

قانون كفالة مجهولي النسب يسمح للعائلات بالكفالة، كما يجوز لشخص عازب أن يكفل طفلا، شرط أن يكون من نفس الجنس، أي أن تكفل فتاة إذا كانت امرأة، وولداً إذا كان الكفيل رجلا.

وحتى لو استطاعت العائلة منح مجهول النسب كنيتها فهي لن تستطيع منحه ميراثها إلا بوصية وبثلث الميراث فقط.

رجال دين مسلمون رفضوا بالمطلق أن يكون موضوع تسجيل الطفل على اسم عائلة أخرى، قابلا للنقاش، من مبدأ التحريم الديني للتبني بدليل الآية القرآنية التي تقول «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ «

والآية التي تقول «وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ» و « ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ» والتي حُرم بعدها التبني، وتوقف المسلمون آنذاك عن مناداة «زيد بن حارثة»، بـ زيد بن محمد، حيث كان الرسول قد تبناه، وقال قبل ذلك: «اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه».

لا خروج من الدار للأيتام

إقامة أيتام سورية محصورة بدور الرعاية فقط، فالقانون لا يجيز لأي عائلة أن تلحق أحدهم بها عبر الكفالة، ذلك على الرغم من أن الدين لم يحرم الكفالة لا بل شجع على رعاية الأيتام بشكل كبير.

مديرة الخدمات في وزارة الشؤون الاجتماعية أكدت أن الأيتام في دور الرعاية لا يمكن إلحاقهم بأي أسرة إلا إذا كانت من ذويهم، فالطفل معروف النسب لا يوجد قانون يسمح بإلحاقه بأسرة بديلة، وهناك الكثير من الأطفال فاقدين للرعاية الأسرية، وهم من «غير المصحوبين» أي لا يوجد من يرعاهم من ذويهم، وهؤلاء لا يمكن معاملتهم معاملة مجهولي النسب، إنما يمكن كفالتهم بمبالغ ماليه وهم داخل دور الرعاية، وفي مثل هذه الحالات تقوم الوزارة بعملية تعقب أسري بحثاً عن كفيل لمثل هؤلاء الأطفال من أقربائهم حصراً، وهذا يندرج تحت مسمى «الوصاية الشرعية» وليس الكفالة.

قانون منسيّ

وتؤكد ميداني أن هناك القانون الذي تتم دراسته منذ أكثر من 10 سنوات إلا أنه لم ير النور بعد، وهو قانون «الرعاية البديلة»، ومن المفترض أن يسمح هذا القانون بإلحاق اليتيم بأسرة بديلة حتى لو كان معروف النسب.

وتأخر صدور هذا القانون أمر غير مبرر، وكان سبباً في جعل دور الأيتام تعج بالوافدين إليها، خاصة في ظل ظروف الحرب وكثرة الأيتام، ذلك على الرغم من كثرة الراغبين في الكفالة، والذين لا يجدون طفلا يكفلوه، رغم أن الأيتام يتواجدون وبعشرات الآلاف داخل دور الرعاية.

وحسب ما أكدت موظفة في دار رعاية، فإن «مجهول النسب» لا يبقى في الدار أياماً حتى يأخذه أحدهم خاصة إذا كان صغيراً، فكثير من العائلات وضعت أسماءها لدينا لتنتظر دورها في الحصول على طفل تكفله لديها، وهذا يدل أن أزمة بقاء الأيتام في دور الرعاية بهذه الأعداد الضخمة ما كانت لتكون لو سُمح بكفالتهم خارجها.

كفالة مادية

يصل عدد الأيتام الموجودين في دور الرعاية حسب ميساء ميداني إلى 32 ألف طفل يتيم في سورية، منهم 22 ألف طفل في دمشق وريفها.

وتؤكد ميداني أن كفالة الأيتام يمكن أن تكون بتخصيص مبلغ مالي يدفعه الكفيل لهم بشكل شهري سواء كان هذا اليتيم موجودا داخل دار الرعاية أو حتى عند ذويه، إلا أنه مسجل في أحد جمعيات رعاية الأيتام، وتكون كفالة اليتيم بتأمين المأكل والملبس والتعليم والصحة له، بمبلغ مالي وقدره 7000 ليرة سورية وسطياً، ومجموعة مساعدات عينية.بحسب الأيام

ظلم للطفل والكفيل

إبقاء الأيتام في دور الرعاية التي تقسو على طفولتهم خاصة مع تضخم كبير في أعدادهم نتيجة الحرب، هو ذنب يُرتكب في حقهم، وظلم يعيشونه بشكل يومي، في الوقت نفسه عائلات وأشخاص كثر، يتمنون أن يصطحبوا طفلاً ليعيش معهم، خاصة ممن لم ينجبوا، وهم كثر، ومنهم الكثير من ميسوري الحال والقادرين على ذلك، إضافة إلى وجود الكثير من السيدات اللواتي لم يتزوجن ويرغبون في أن يشاركهن طفل حياتهن، فلا يجدوه لأن القانون يمنعهن عنه، فيظلمهن ويظلم الطفل نفسه، ويحرم الجهتين من حياة أفضل.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: