عصام عيسى :التعايش السلمي ليس مستحيلاً

#صدى_أقلام_المثقفين:

عصام عيسى

التعايش السلمي ليس مستحيلاً

بقلم : عصام عيسى
في خضم التهام الحروب والصراعات التي لا تكاد تنتهي عموم بلدان العالم وظرف إقليمي وعالمي مخصوص و موسوم باشتداد التوتر في ما يتعلق بعلاقة الأديان والمذاهب
تبقى قشة النجاة الأخيرة والأهم في مسألة الحضارة اليوم هو الحوار بين الأديان
إذ انه وفي العقود الأخيرة لا يحتاج المتتبع للشؤون الفكرية والثقافية بذل الكثير لاكتشاف التغيرات العميقة الجذرية المتسارعة التي حدثت في الأفكار في شتى الحقول والمجالات، بفعل ظهور اتجاهات عديدة تسعى إلى تحقيق التقارب والتفاهم والاحترام المتبادل، وصدور الكثير من العهود والمواثيق والإعلانات الدولية التي تعلي من شأن حقوق الإنسان وتجرم الحروب والعنف ونعرات الاستعلاء والعنصرية، مما ساهم في تعزيز نزعة السلام والتعاون والحوار وخلق أمل في مستقبل تلوح فيه تباشير أفول نظريات الاستبداد وانحسار أنماط الهيمنة وتزايد الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والحضارية
في هذا النفق المظلم و حقبة من انقطاع التواصل يتكشف النور على حوار الأديان كمصطلح يشير إلى التفاعل، والبناء والإيجابي بين الناس من تقاليد دينية مختلفة، ومعتقدات روحية، وإنسانية سواء كان ذلك على مستوى الفردية، والمؤسسيّة، حيث يتم في هذا الحوار تعزيز التفاهم بين الأديان أو المعتقدات المختلفة لزيادة قبول الآخر، بدلاً من تجميع معتقدات جديدة

إذا ما جئنا وبحث في مضمون الإسلام بخصوص حوار الأديان ورغم أن هناك أحاديث وآيات كثيرة إلا إننا لا نجد أكثر من هذه الآية وضوحا والداعية أهالي الديانات الأخرى وخاصّةً أهل الكتاب في قوله تعالى “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ “إضافة إلى الآية القرآنية “لكم دينكم ولي دين”، أما في ما يخص الجانب المسيحي فيمكن اعتماد نتائج المجمع الفاتيكاني الثاني للاعتراف بالإسلام دينا مستقلا جديرا بالحوار وقرارات مؤتمر كولورادو
كما أن هناك شروط عديدة للحوار بين أصحاب الديانات المختلفة؛ كالدعوة إلى رب السماوات والأرض بالحكمة، والموعظة الحسنة، والابتعاد عن العنف وكل ما يؤدّي له، والتعصب لفريق معيّن على حساب فريق آخر، واستخدام العقل وجوهره في جميع الأمور، واعتماد أساليب البرهان الذي يحق الحق، ويزهق الباطل، والإقناع أيضاً والتوسع باستخدام العلم في أمور الحياة الدنيويّة والدينيّة، والحث على الاستقلالية في التفكير
فلماذا تأخر الحوار الحقيقي بين الأديان ؟ حقا، نجد ضروبا من الحوار في كتب الجدل الديني القديمة، لكن هدفها لم يكن الفهم المتبادل أو التقارب أو التعايش، بل كان هدفها الدعوة والإعذار والإنذار قبل إعلان الحرب
من هنا، حيث مزوبوتاميا أرض الرسل، والأنبياء ،والديانات ،وطرق الحكمة بكل شعوبها العريقة ولغاتها وثقافاتها التي ولولا أصالتها وأيمانها بالعيش المشترك من خلال أكثر من تجربة تاريخية لاندثرت عن بكرة أبيها باستثناء من ركب الدين، واستخدمه ستارا لتمرير سياسيات احتلالية استبدادية شردت الشعوب ،ودمرت المدن وسبت النساء وحرفت التاريخ في اكثر من مرحلة مرت  جحافل عرباتها ،وخيولها على هذه البقعة التي ارتوت بنهري دجلة ،والفرات المقدسين في الكتب السماوية .
وأن ما مرت به سوريا وتمر به المنطقة من صراعات ككل، كان للدوافع الدينية ،وشعاراتها الأثر البليغ في زيادة النزيف الإنساني على حد سواء، وبدل من إحداث تغيير يهدف إلى إحقاق الحقوق وصون كرامة الإنسان زادت في الانقسامات ،وفي هوة الشقاق بينها.
إلا إن الشعوب اليقظة، والمؤمنة بتاريخها، وعيشها المشترك مع بقية الشعوب الأخرى جدفت بقاربها نحو بر الأمان في منطقة تمتد بين نهري الفرات، ودجلة حيث الشمال السوري فمنذ بداية الحراك في سوريا تكاتفت الشعوب،والطوائف يد بيد من كرد ، وعرب ، وسريان ،وأرمن  وأشور وايزيد ، وتركمان مستندة على ما ذكرناه من تاريخ مليء بالقواسم المشتركة، وما هو إلا جوهر الحوار الذي تنادي به دول العالم، حيث أصبح حقيقة، وواقع وقف ويقف في وجه التنظيمات الإرهابية بمختلف تشكيلاتها التي تسترت بالدين مرتكبة جرائم لا إنسانية ،وقتل على الهوية كما حصل لأبناء الديانة الايزيدية , فلولا القوة التي اتخذت من اخوة الشعوب في الشمال السوري حجر أساس لها ،والتي أنقذت الشعب الايزيدي العام 2014 لما كانت اليوم مقدسات ومعابد لالش في كنف جبالها ولما رفع الصليب من جديد على كنائس بلدة تل تمر بالجزيرة السورية ولما بقيت مراقد ومزارات الإسلام شاهدة على أرضها , كما لا ننسى ما تعرض له الأقباط في مصر الذين كانوا أيضا ضحية لمن رفع راية التعصب الديني .
من هنا حري على كل مؤمن بحوار الأديان ، أن ينظر إلى هذه التجربة أي الشمال السوري بعين الاعتبار لأنها لم تأتي نتيجة دعوة ،أو حوار بل كانت في صميم طبيعة شعوبها المتعايشة على هذه الأرض رغم إن الحوار يبقى أساسا لتقارب البشرية ،ونبذ للعنف ،والعنصرية التي تقضم كل يوم آلاف الرقاب ، فمازال التعايش السلمي ليس مستحيلاً على الأرض ..!

مقالات ذات صلة

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه:


22212151