هام : ماذا طلب أردوغان من الرئيس مسعود البارزاني؟

#صدى الكُرد:

[highlight] ماذا طلب أردوغان من الرئيس مسعود البارزاني؟ [/highlight]

آزاد أحمد علي

بقلم :آزاد أحمد علي

أخيراً ظهرت حقيقة “الخط الأحمر”، نعم تبين أخيراً مسار الخط الأحمر الذي كان أردوغان يصرخ طوال السنوات الخمس الماضية بأنه لن يسمح لنظام دمشق تجاوزه! فقد لمح إليها عشوائياً في بعض المدن والمناطق السورية مثل (حمص، تل كلخ، حماه، حلب..).

لكن اتضح أخيرا أن الخط الأحمر لم يكن يوماً محدداً بسقف الدم السوري المهدور، الذي ساهم أردوغان في إرقاته، ولا بحجم الدمار الذي لحق بالمدن السورية، ولا المعامل التي سلبت، وإنما كان ومازال هو نهر الفرات ذاته، والجهة التي لايجوز تجاوزها، هي قوات الحماية الكوردية، وليس أي قوات أخرى.

الحقيقة أن هذا الخط ليس جديداً، فهو خط عمره أكثر من ثمانين عام، وهو ليس اختراع أردوغاني، بل خط استشراقي كولونيالي، تم رسمه من قبل بعض الرحالة والضباط البريطانيين والفرنسيين إبان الحرب العالمية الأولى، وصدقها الأتراك قبل غيرهم. فعندما تم ترسيم الخارطة السياسية الحالية للشرق الأدنى، كان الحد الغربي للدولة الكوردية المزمع قيامها بموجب البنود (62 و63) من معاهدة سيفر عام 1920، هو نهر الفرات، فالبنود ذات العلاقة كانت تنص على أن دولة كوردستان ستعلن في المناطق (العثمانية) شرق نهر الفرات، بعد إجراء الاستفتاء.

لاحقاً وفي نفس السياق تم ضم لواء الاسكندرون لتركيا عام 1937 لمنع قيام دولة كوردية – مسيحية شمال سورية بمباركة فرنسية عاصمتها على الأرجح انطاكيا، هذه المدينة الدالة على أصالة شرق المتوسط المركبة، المدينة التي شيدها الاسكندر المقدوني نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، فوطن فيها الكورد قبل الإغريق، الكورد الذين استقدمهم من الريف القريب، بحسب كل المصادر اليويانية، بتأكيد وتوثيق من المؤرخ السوري فيليب حتي، حتى باتت انطاكيا مقرا للكنيسة المسيحية الشرقية لاحقا

لكن مشروع الفدرالية الكوردية المسيحية – البدوية العربية  ذات الطابع الجغرافي الحضاري نسف بدءا بسلب اللواء، وانتهى تماما عام 1946 بضم الجزيرة السورية الى سورية المستقلة، وألغيت حينها كل امتيازات الادارة الذاتية في اقليم الجزيرة السورية

ومنذ ذلك الحين تركيا لم تبتعد عن التدخل في الشأن السوري يوما واحدا، وهدفها الرئيس أن لا يتحقق أي تحالف سياسي كوردي مع المكونات الأخرى خاصة في جوارهم العربي، وأن لايشكلوا مجتمعا سياسيا منظما غرب نهر الفرات. هذه الحقيقة تترجم لأول مرة بتدخل عسكري سافر، فقد جند أردوغان أنصاره المستقدمين من كل أصقاع العالم التركي،  حيث دخلوا امس مدينة جرابلس دون مقاومة، حاملين الرايات التركستانية الزرق، مهللين الله أكبر كغطاء مكرر لغزوة تركية جديدة  تهدف إلى فتح عوالم الكفر السياسي وبناء شمال قبرص تركية جديدة بين جرابلس وإعزاز

أخيراً تركيا تدخلت بعلانية، بدباتها وجنودها وفرق الكوماندس الخاصة! لقد مهد أردوغان لغزوته بضوء أخضر خجول من ايران وروسيا ونظام دمشق، كما تزامن الغزو التركي مع حركة دبلوماسية ثنائية ذات صلة وثيقة بالغزو التركي، الأول هي زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن والثاني زيارة رئيس اقليم كوردستان العراق مسعود البارزاني. فإذا كان من الواضح ما سيطلبه أردوغان من حليفه الأطلسي بايدن بخصوص مسألة تسليم الداعية كولن،  والتي لن تحقق كما تبين من المؤتمر الصحفي، لقاء ثمن تمثل في غض النظر عن تدخله العسكري في سورية عبر بوابة جرابلس

لكن ماذا طلب أردوغان من البارزاني؟ هل ثمة مطالب جديدة!؟ لقد تم حقا مناقشة جملة من الملفات الساخنة مع الرئيس التركي أردوغان. لكن طبيعة الزيارة شبه المفاجئة بينت أن لها علاقة وثيقة مع توجهات تركيا السياسية والاستراتيجية الجديدة، فتركيا تمر بظرف عصيب، من الناحيتين السياسية والأمنية، بل أنها تمر بأزمة لم تصادفها منذ عشرات السنين، إذ تتخبط تركيا كالطير الجريح، وهي تأكل المزيد من أبناء مؤسساتها، والمجتمع التركي يتجه بخطوات سريعة نحو الانقسام، فلم يسبق لها في تاريخها المعاصر أن سجنت هذا الكم الهائل من القيادات العسكرية والمدنية، وبطشت السلطة التركية بالأتراك أنفسهم

في هذا السياق طلب أردوغان على الأرجح أن يصطف اقليم كوردستان العراق عموما والحزب الديمقراطي الكوردستاني خصوصا إلى جانب سياساته الجديدة، سواء الخارجية منها أو الداخلية، كإغلاق المدارس التابعة لمنظمة خزمت العائدة لفتح الله كولن في كوردستان وعدم السماح لنشاط أنصاره الدعوي والخدمي.

كما طلب أردوغان أن تخوض قوات البشمركة معركة الموصل بناء على توجهات تركيا وحسب رؤيتها ومصالحها، وهذا على الأرجح وراء وجود كل من سليم الجبوري وأثيل النجيفي في تركيا بنفس الوقت. ومنع الحشد الشعبي من المشاركة بفعالية، فضلا عن الحماية والتنسيق مع القوات التركية شمال الموصل

في المحصلة من المنطقي أن يكون قد طلب أردوغان بناء على غروره أن تصمت كوردستان أو تساهم في حربها التي بدأت أمس بشكل مباشر على قوات سورية الديمقراطية في جرابلس وريف شمال منبج، وأن تبارك التدخل التركي العميق في سورية، وأن تتفهم إعادة خلطها للأوراق وترتيبها من جديد لصالح تركمانها المستقدمين من عموم آسيا الوسطى، حيث جندت المخابرات التركية المئات من التركمان العاطلين عن العمل المقيمين في تركيا، لكي يدخلوا جرابلس وعلى أكتافهم الشارات الزرق كرمز واستمرارية للغزو الطوراني للمشرق منذ أكثر من ألف سنة. في المحصلة يريد أردوغان من البارزاني أن يكون شاهدا حياديا على مؤامرة – مجزرة سياسية جديدة بحق الكورد، عبر نسف أي وجود كوردي سياسي أو عسكري غرب نهر الفرات، وصولا إلى ما هو أسوأ  يتلخص في مباركة  حربه لاحقا على تجربة الإدارة الذاتية في غربي كوردستان

على الرغم من كل مثالبها، لكن من الصعب أن يغض البارزاني الطرف عن التضحيات الكوردية وأن يوافق على اي حرب ضد القوى الكوردستانية. في المحصلة كان توقيت الزيارة مريبا ومخادعا، لدرجة حاول الاعلام التركي الرسمي في سوية اهتمامه وخطابه الداخلي، أن يظهر رئيس اقليم كوردستان حليفا وشريكا ثانويا لسياسات أردوغان، وبالتالي التمهيد له ليدفع ثمن أخطاء حكومة أردوغان – يلدرم التي ستكون الباهظة على الأغلب.

في هذا الوقت بالضبط يكتب عشرات المحللين والصحفيين العرب (السنة والإخوان منهم على وجه الخصوص) على ضرورة انخراط الكورد في مشروع حلفهم مع تركيا واعلان القطيعة مع ايران والحرب على نظام الأسد وشيعة العراق، والتنظير المذهبي لذلك، وهذا ما لا نتوقعه للقادة الكورد أن يتأثروا به

أخير تدخلت تركيا وتورطت! فقد تكون قد ساومت على حلب مقابل جرابلس – منبج والباب، ولكن يبدو أن أردوغان الجريح والمضطرب سياسيا ليس وحده من يمارس المناورة السياسية، فالطرف المواجه ليس من الغباء، حيث تم جر تركيا لمحاربة داعش فعليا وليس نظريا، وعلى الرغم من الترتيبات الاستخبارية التركية لجعل الحرب محدودة كما تبينت من معركة جرابلس، لكنها ستتعمق. فتركيا آخر دولة في المنطقة والحلف الأطلسي تشن الحرب فعليا على داعش بتدخلها الأخير، وهو مكسب اقليمي ودولي في المعركة الميدانية ضد الارهاب، لكنه ليس بالضرورة نقلة نوعية لصالح تركيا الغارقة في مستنقع الصراعات الداخلية، فكيف لها وهي تركض نحو سراب النفوذ المستقبلي داخل سورية والعالم العربي

مجمل تحركات تركيا وإنقلابها على المحيط والمناخ السياسي السائد هو الذي يوهم المراقب  في إحتمال تشكل تحالفات جديدة، وإن حدثت فستكون مؤقته، فليس ثمة من دولة غيرت سياساتها في المنطقة سوى تركيا الجريحة، وليس بالضرورة أن يكون لزاما على اقليم كوردستان العراق أن يغير سياساته انسجاما مع إضطراب سياسات أردوغان وتوجهاته الجديدة المتلخصة والمعلنة في معاداة الكورد وكوردستان، بل من المتوقع أن تبدي قيادات كوردستان العراق عن مزيد من الإستقلالية في خطها السياسي المتوازن أصلا، وستعمق خطها السياسي والاستراتيجي الخاص، فليس من الحكمة تعيير ساعة كوردستان بحسب توقيت أنقره، هذه العاصمة التي تبدو أكثر إضطرابا وتخبطا من غيرها، فأردوغان يصر على أن يبدو أكثر من أي وقت مضى كمغامر سياسي وليس كرئيس دولة، يتزامن مغامرته السياسية مع مرحلة عدم استقرار إقليمي ودولي ذات صلة

إن ثوابت القيادات الكوردستانية ستترسخ أكثر في مواجهة هذا الاضطراب الإقليمي والدولي،  تلك الثوابت المتمثلة في تطوير العلاقة مع الجيران العرب بالتوازي مع الحفاظ على ثابت العلاقات الأورو – أطلسية

يستخلص القارئ لمضمون وشكل المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس البارزاني في أنقرة يوم الأربعاء (24 آب) الجاري، أن رئاسة اقليم كوردستان العراق بصدد ترسيخ سياستها الكوردستانية المستقلة تماما عن تركيا وغيرها من الدول، وهي سياسة اعتمدت الاعتدال والحكمة أساسا لها، مع المحافظة على مسافة واضحة بين الخطين المتناحرين على مستقبل سورية، فشعب كوردستان لم ولن يكون جنودا ولا فراسانا تحت الطلب، وباتت قياداته تقرأ المشهد بعين جديدة.

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: