يحيى أبو زكريا:أمريكا و مبدأ القوة

#صدى_أقلام_المثقفين:

578cbed1c0b5c

[highlight] أمريكا و مبدأ القوة [/highlight]

يحيى أبو زكريا

يعيش العالم الإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله , وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم الإسلامي في معظم القارات عرضة للاحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا و اقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا , وقد كان الاعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الاستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها على عالمنا الإسلامي في القرن الماضي , والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي الإسلامي , كما كانت السبب في إنتاج نخب علمانية أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة اسما وشكلا . ومما لا شكّ فيه فإنّ العالم الإسلامي قد تأثرّ إلى أبعد الحدود بالحركات الاستعمارية والاحتلالية التي جاءت من الغرب بحجّة نشر الحضارة والمدنية في واقع كله تخلّف حسب ادعاءات منظريّ الاستعمار الذين كانوا ملحقين بوزارات الخارجية في العواصم الغربيّة .

 ولم يغادر المحتلون عالمنا الإسلامي إلاّ بعد أن أطمأنوا أنّهم وضعوا دساتير هي من روح دساتيرهم وعينوا تكنوقراط وسياسيين في دوائر القرار في هذه الدولة وتلك وكلهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الغربية الكولونياليّة , وقد أكملت هذه النخب مسيرة الحركة الاستعمارية فحاصرت الإسلام في عقر داره وعملت على تجفيف منابعه و ملاحقة الدعاة إلى ثقافته , ولم تكن هذه السيئة الوحيدة للحركات الاستعمارية بل هناك مجموعة سيئات سياسية وافتصادية وثقافية وجيوسياسيّة , فعلى الصعيد السياسي لعب الاستعمار الغربي دورا كبيرا في صياغة الدساتير التي أصبحت مرجعا أساسا للدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي , بل أنّ بعض الدساتير كانت نسخة طبق الأصل من الدساتير الغربية ,
 وبطبيعة الحال أوكلت مهمة شرح هذه الدساتير وتنفيذها لشخصيات إسلامية اسما وغربية قلبا ومضمونا درست في المعاهد الغربية واستوعبت روح الحضارة الغربية , وهي الفئة التي عناها الفيلسوف الوجودي الفرنسي بقوله , كانت الدول الغربية الاستعمارية فيما مضى تبعث دباباتها إلى الدول الثالثيّة لنشر فكرها بالقوّة ثمّ تداركت الموقف وباتت تستورد أذكياء من تلك البلاد وتدرسّهم في جامعاتها ومعاهدها ثمّ توفدهم كحكّام لدول العالم الثالث وبهذا الشكل يتحققّ الغرض الاستعماري بدون دبابّة !

وعلى الصعيد الاقتصادي فقد أفرغت الحركات الاستعمارية خزائن البنوك من محتوياتها وخلفوا وراءهم دولا بلا موارد أو مقدرات , بل قاموا في بعض البلاد كدول المغرب العربي بتحطيم كافة الجرارات الزراعية لعدم استخدامها في الاستصلاح الزراعي , وأملوا على كل دولة أن تنتج منتوجا واحدا أو إثنين ممّا يحتاج له المستعمر , فالجزائر على سبيل المثال وعندما كانت ترزح تحت الاستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح إلى كل الدول الأوربية وبنسبة ثمانين بالمائة , وبعد أن استقلّت الجزائر باتت تستورد القمح بنسبة مائة بالمائة وأصبحت في المقابل تزرع العنب وتنتج الخمور التي مازالت فرنسا الدولة المستعمرة سابقا المشتري الأول لها .
 كما أنّ الدول الاستعماريّة ظلّت تحتفظ لنفسها بخرائط دقيقة عن مكان وجود الموارد الأوليّة من نفط وذهب وغاز ويورانيوم وحديد ومياه جوفيّة وغير ذلك من الأمور .

وعلى الصعيد الثقافي فإنّ معظم الدول التي كانت مستعمرة – بفتح الراء – تعاني اليوم من أزمة هويّة قلّ نظيرها أفضت إلى إنتاج حروب أهليّة بالجملة في أكثر من دولة إسلاميّة , كما أعادت الحركات الاستعمارية إحياء الإثنيات التي انصهرت في بوتقة الإسلام على مدى أربع عشر قرنا , و استغلّت التناقضات الداخليّة وتحولّت الأقليّات إلى إطارات سياسيّة وإيديولوجيّة أفادت الحركات الاستعمارية في وقت لاحق عندما دبّ الحنين في هذه الحركات بمعاودة الكرّة التي كانت قبل أزيد من قرن .
 وتمكنت الحركات الاستعماريّة من غرس بذور ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين تماما كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديغول وهو يغادر الجزائر سنة 1962 تحت ضغط الثورة الجزائريّة : لقد تركت في الجزائر بذورا ستينع بعد حين .

وكانت هذه البذور هي التي شككّت لاحقا في هويّة الشعب الجزائري ذات البعدين العربي والإسلامي .
وعلى الصعيد الجيوسياسي ترك الاستعمار أزمة الحدود ملتهبة بين كل الدول الإسلاميّة تقريبا وهي التي سمّاها رئيس الديبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بعوامل التوتّر التي تفيد الإدارة الأمريكية عند الحاجة والضرورة . ومازالت أزمة الحدود بين الدول الإسلامية قائمة مهدّت لنشوء صراعات متفاقمة بل مازالت تهددّ باندلاع صراعات حادة على المدى المتوسّط .
وإذا كانت هذه صورة موجزة ومختزلة عن العالم الإسلامي بالأمس فإنّه اليوم ومع بداية الألفية الثالثة لا يختلف كثيرا عن صورته في الماضي فالدول الإسلامية مازالت عرضة للاحتلال المباشر وما زال القسم الأكبر من العالم الإسلامي عرضة للغزو الاقتصادي والثقافي .
 
فعلى صعيد الاحتلال العسكري فإنّ هناك ثلاث دول إسلامية محتلة احتلالا مباشرا من قبل الدولة العبريّة و الولايات المتحدة  الأمريكية الوريث الشرعي للامبراطورية البريطانية كما قال هنري كيسنجر في مقالة له عن النظام العالمي الجديد وهذه الدول هي فلسطين وأفغانستان والعراق , وهناك دول إسلامية تفتّت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية ومساعيها وهي إندونيسيا والتي استقلّت عنها تيمور الشرقيّة و الصومال , كما أنّ هناك جمهوريات إسلامية تقبع تحت الاحتلال الروسي كالشيشان والتي لم تأخذ حظها من الاستقلال , على الرغم من أنّ الجمهوريات الكاثوليكية في الاتحاد السوفياتي السابق نالت استقلالها بدعم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .
وعلى الصعيد الاقتصادي فما زالت الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية في مجملها وصندوق النقد الدولي يتحكّم في اقتصاديات العالم الإسلامي وقد أصبحت المساعدة الاقتصادية للعالم الإسلامي مقرونة بالرضوخ السياسي والاستجابة الكاملة لقرارات ومخططّات الإرادات الدوليّة , والأكثر من ذلك فإنّ البنوك الدولية ذات التمويل الأمريكي هي التي باتت تخطط المنهج الاقتصادي لهذه الدولة الإسلامية وتلك .
وثقافيّا فإنّ الإدارة الأمريكة وضعت مخططّا كاملا وإستراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة تأهيل العالم الإسلامي ثقافيا وتربويّا وعلميّا , وكل دولة إسلامية تحاول الانطلاق من مقوماتها الذاتية وتعمل على استكشاف أسرارها التقنية وتحديدا تكنولوجيا السلاح فإنّها تدرج في خانة الدول المتمردّة وبالتالي هناك كمّ هائل من القوانين لمعاقبتها .

وبعد الحادي عشر من أيلول – سبتمبر خرجت أمريكا من دائرة الرغبة في بسط الاحتلال السياسي والاقتصادي والثقافي إلى الاحتلال العسكري , ومثلما كان العالم الإسلامي في بداية القرن الماضي عرضة للاستعمار والاحتلال فإنّه دشنّ بداية قرنه الحالي باحتلال أمريكا لدول مفصلية إستراتيجيا وجيوسياسيّا في الجغرافيا الإسلامية وما زالت شهيتها مفتوحة إلى درجة أنّها أعادت عسكرييها المتقاعدين إلى الخدمة وفي العالم الإسلامي !
 

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: