وحدة الكرد زمن أحد أجدادهم  الميديين   وأهميتها الكبيرة .فهي لهذا اليوم أسوة حسنة

وحدة الكرد زمن أحد أجدادهم  الميديين   وأهميتها الكبيرة .فهي لهذا اليوم أسوة حسنة

بقلم المؤرخ : برادوست ميتاني

تعد الإمبراطورية الميدية الكردية (728-549ق.م ) من إحدى الإمبراطوريات العظمى في التاريخ القديم التي أقيمت على أرض كردستان الحالية والتي تحققت بفضل وحدة القوى والعشائر الكردية على يد الحكيم الشجاع دياكو,ولعبت دوراً كبيراً في نشوء الحضارة الإنسانية بصورة عامة في المنطقة التي كانت تعرف قديماً باسم موزوبوتاميا  عامة وكردستان خاصة وخارجهما.

أدرك حينها الكرد في مناطق شرقي كردستان حيث العاصمة همدان (أكباتانا) أهمية الوحدة القومية وحققتها مرتان بنتائجها الايجابية في تشكيل دولتهم وفي تشكيل قوة عسكرية ضخمة حررت البلاد وحققت النصر على الأعداء

-الوحدة التي شكلت الدولة(الكونفدرالية الميدية)

كانت قبائل الكرد  بوسيون – آريزانتو –  بارتاكتي – بوديون –  موغ –  ميتان تعيش حياة  لا دولة ولكنها مستقلة في شخصيتها الشبيهة بالإمارة ولكنها تشهد حالة الخلافات فيما بينها من جهة وتتعرض لهجمات وتبعية الغرباء وخاصة اعتداءات الأباطرة الآشوريين وغيره

اللبنة الأولى من هذه الدولة كانت على يد الرجل الواعظ والناصح ديوك(دياكو)  عندما كان مقصداً لجميع الناس من مختلف تلك  القبائل  لحل مشاكلهم  السياسية ,الاجتماعية و الاقتصادية وغيرها وقد وجدت تلك القبائل في علاقاتهم الناجحة بأهمية تشكل سياسي قومي يقويهم ويحميهم من غارات القوى المجاورة وقد أستفاد دياكو 728 – 675 ق م من ذلك في تحقيق وحدة تتحول برئاسته وحنكته إلى دولة قوية  تحمل اسم ميديا.

-الوحدة الكبيرة التي حررت المناطق المحتلة من البلاد وهزمت الأعداء شر هزيمة :

تحققت هذه الوحدة على يد الرجل السياسي العسكري الشاب الشجاع  كي أخسار633-584 ق م (كي كاوس في بعض المصادر). دخلت هذه الوحدة  التاريخ من أوسع أبوابه وسجلت أعظم انتصارات تفتقر إلى المثيل لها

وضع الملك كي أخسار جل اهتمامه ببناء المجتمع  وتحقيق وحدته الداخلية  ,إذ  أقام مجتمع منظم بفئاته العسكرية ,الاقتصادية ,السياسية وقلل من التفاوت الطبقي ,فقد نجح في برنامجه بايجاد مجتمع وحدوي وطني مخلص في الدفاع عن الامبراطورية وكذلك قبل أن يلتفت إلى تحرير المناطق المحتلة من قبل الاباطرة الآشوريين والحاق الهزائم النكراء بهم عقد اتفاقات سياسية وعلاقات طيبة مع قوى الجوار كالليدين والسيتيين والاهم مع البابليين ,ثم بدأ بحرب التحرير والنصر.

في حياة كي أخسار بعد تحرير دولته, كان الحدثان الكبيران (الحربان) : الأول حربه مع الآشوريين والنصر العظيم الذي توصل إليه عندما تحالف مع الكلدانيين البابليين ضدهم والثاني مع الليديين .

مع الامبراطورية الآشورية : فقد أعلن كي أخسار بعد تحقيق الوحدة الداخلية  التي جلبت معها تهيئة الظروف الدولية  هذه الحرب لأن الامبراطورية الآشورية كانت تحتل بعض الآراضي وكذلك لأنها قتلت والده الملك فراورتا (فرهاد) كما أنها قضت على حكم جده دياكو ونفته إلى مدينة حماة في شمال سوريا ومات هناك منفياً ,بالاضافة إلى أنها كانت تتسبب دائماً في التعرض للدولة الميدية مرتكبة الدمار والمجازر والخراب .

تهيأ كي أخسار للبدء بجولات التحرير والإنتقام فأجتاز بجيش جبال زاغروس الشاهقة وهو يحرر بقعة بقعة بعد أن ينتصرعلى الجيش الآشوري الذي كان قد زرع الرعب في نفوس الجيوش الأخرى, حتى وصل نهر ديالا .

كان على الميديين أن يهاجموا نينوى عام 615 ق م ولكن تدخل الفرعون  المصري وهجوم السيتيين المنقلبين على الميديين  من الشمال أخر سقوط العاصمة الأشورية نينوى. بالرغم من هذا نجح كي أخسار في احتلال العاصمة الآشورية القديمة أشور,فقد وصف دياكونوف ذلك قائلاً : إن الجيش الميدي قتل الرجال والمتنفذين والمستشارين للدولة الأشورية في المدينة وسلب المعابد واستولى على ثروات  طائلة التي جمعها الآشوريون طوال سنين الحروب الماضية والتي قاموا بسلبها من شعوب المنطقة .

بالرغم من التحالف بين الميديين والبابليين فقد تخلف نابوبلاصر عن الاشتراك في الحرب ,عن هذا يقول دياكونوف  : إن موقف ملك بابل نابوبلاصر الكلداني كان مريب ومتردد في هذه الحرب, إن جيشه الذي كان ينوي التوجه لمساعدة الميديين لم يلتحق بالمعركة , إن تأخيره بالكامل كان برغبته ويحتمل وجود تواطؤ كبار الرجال والكهنة الأشوريين مع بابل وهذا وارد جداً .   

بعد السيطرة على مدينة  آشور اتخذ كي أخسار من مدينة آرابخا(كرخيني)كركوك قاعدة لانطلاق أعماله الحربية ولكنه رجع لمحاربة السيتيين مؤجلاً الهجوم  على نينوى. .

في عام 612 ق م بدأت الحرب الضارية  التحريرية, بعد أن أمن كي أخسار حدوده وهيأ الأوضاع الداخلية وضمن الموقف البابلي فتحرك الميديون من الأعلى والتقدم نحو نينوى و البابليون هاجموا من الأسفل ولقد أتفق الطرفان على أن تكون الغنائم للبابليين بينما الإدارة السياسية للميديين فكان لهما ذلك بعد حرب ضروس إذ سقطت نينوى في الأول من شهر نوروز (21آذار) 612 ق . م ومنذ ذلك اليوم فالكثير من الشعوب تحتفل كعيد قومي بذلك التاريخ وخاصة الشعب الكردي.

أما الملك الأشوري سين شاريش ايكون(زهاك) ,فقد دافع بقوة عن مدينته ومملكته ولكنه بعد يقينه بالهلاك جمع أسرته في القصر الذي أشعل فيه النار ثم رمى بنفسه فيها وأحرق الجميع .

يقول هيرودوت عن انتصار الميديين: إن الميديين شقوا عصا الطاعة على الأشوريين حملوا السلاح في وجههم وقاتلوهم منتزعين عن أعناقهم نير العبودية وباتوا أحراراً ,وكانت تلك مأثرة اقتدت بالميديين فيهم أمم أخرى قيض لها أن تستعيد استقلالها ,وهكذا تفاقم أمر الثورة في البلاد فكانت نعمة للأمم في كل أرجاء تلك الأرض هي نعمة الاستقلال.

وقد سجل النبي العبراني آحوم الذي كان أسيراً حينذاك في نينوى وصف سقوط نينوى أمام الهجوم الميدي البابلي معبراً عن ارتياح الشعوب التي كانت تخضع للأشوريين

أما عن اسلوب الفاتحين في نينوى ,فإنهم لم ينتقموا من الأهالي حيث لم يلجأوا إلى البطش والتنكيل  على طريقة السلطات الأشورية السابقة ولم يقضوا على ثقافتهم ,يؤكد ذلك دياكونوف قائلاً : إن قوم أشور  لم يقضى عليهم , بل عاشوا في نينوى المدمرة والمدن المجاورة الأخرى, وظلوا يعبدون إله أشور حتى بعد سنين عديدة ,لأن هدف الميديين من الانتصار هو التحرر والتحرر فقط وهذه حقيقة واضحة , فإن القضاء على الإمبراطورية الأشورية وسقوطها تماماً أمسى عاملاً لسعادة جميع بلدان آسية الغربية ,وإن الأقوام التي كانت تعيش في أسر الأشوريين   كانت تنتظر بفارغ الصبر مجيء هذا اليوم  ,والتصرف بهذا الشكل مع الظالمين الذين كانوا يرتكبون المآسي  ويحرقون الأخضر واليابس ويشعلون النيران في القرى والقلاع وأحرقوا الأطفال الصغار وخربوا القصور والمعابد والتماثيل ورسومات الآلهة ,وكانوا يأخذون النساء أسرى (سبايا) بثياب ممزقة. مع كل هذا يظهر إن أفعال الميديين وحلفاءهم مع الأشوريين كانت أخف بكثير مما ارتكبها الأشوريون ضد الشعوب والأقوام في منطقة الشرق القريب.

أما الملك الآشوري الجديد أشور أوباليت حليف الفرعون المصري بسامتيخ فقد هرب إلى حران تحصناً بأسوارها, حيث أن آشور أوباليت كان في عهد أخيه أشور بانيبال كاهناً للإله سين الحراني  ينتظر الفرصة للعودة والانتقام ، فجمع حوله من تبقى من القادة الأشوريين والتكتلات التابعة له ,وكانت خطته  هي إطالة الحرب لأمد طويل للاحتفاظ  ببقايا المملكة الأشورية ,معتمداً على دعم الفرعون المصري ودولة أوراراتو الكالتية, ولكنه لم يفلح إذ أن الميديين و البابليين  في عام 610 هاجموا حران, فخرج أشور أوباليت ومن معه من المصريين نحو مدينة كركميش على نهر الفرات  , تبعه  الجيشان الحليفان, فاستمرت المناوشات حتى الربيع 609ق.م ,وفي حزيران وآب من نفس العام وصل جيش فرعون مصر واشترك مع القوات الأشورية, ونجحت في حصار حران الموكلة إلى القوات البابلية القليلة ,ولكن قوات جديدة بابلية من قبل نابوبلاسر فكت الحصار حيث كان أشور أوباليت حينذاك يحاول التواصل مع أورارتو  , لكن الميديين هاجموا أورارتوالكالتية  ووصلوا عاصمتها توشبا , ثم سيطروا على الدولة .أما عن القوات الأشورية و المصرية قي كركميش فقد حاصرتها قوات الحلف الميدي- البابلي وقضت عليها عام 605ق.م التي أصبحت في اتفاق الحليفين كركميش من نصيب بابل ودخلها نبوخذ نصر دون صعوبة ,وبذلك أنتهت إمبراطورية كبيرة من التاريخ القديم نهائياً, وظلت أربع إمبراطوريات في غربي آسيا هي :  ميديا,كلديا,ليديا ومصر . د.عبدالحميد زايد يقول أكبرها كانت الإمبراطورية الميدية.

أما الحدث الثاني الهام ,فكان حرب كي أخسار  مع الليديين  ,سببها هو لجوء السيتيين الفارين في حربهم التي كانت مع كي أخسار إلى ليديا وعدم تسليمهم له من قبل الملك الليدي إلياتيس , لذلك أعلن الملك الميدي الحرب ,هذه الحرب التي استمرت ستة سنوات (590  – 585 ) ق .م دون أن يحقق أي طرف النصر على الآخر ,وكان إنهاؤها بسبب كسوف الشمس التي لها مكانة مقدسة لدى الجانبين كونها رمزالإله أهور لدى الآريين وكسوفها يعني غضبها لذا أقتنع الطرفان بأنه لاحق لكليهما في إشعالها التي تكلفهم ضحايا أبرياء وأن قتالهما في وجه بعضهما باطل لذا تصالحا , ولعق كلا منهما أي كي أخسار وإلياتتس دماً من جرح صغيرأحدث في ذراع الطرف الأخر إشارة الى التآخي بينهما ,وتتويجاً لهذا الصلح تزوج أستياغ بن كي أخسار من آرينس إبنة إلياتيس الملك الليدي .

كانت الدولة  بفضل الوحدة الداخلية  قوية جداً في عهد كي أخسار إلى درجة أصبحت مرهوبة الجانب ,فساهم ذلك في نشر الأمن في منطقة ميزوبوتاميا وحولها ,وعاشت الشعوب في أمن واستقرار بعيدين عن اعتداءات الآشوريين .

يقول الباحث الروسي  دياكونوف: كان ملوك ميديا شجعاناً ذوى نفوذ وجسارة على اقتحام المصاعب حتى أن المورخ اليوناني هيرودوت تحدث عن ذلك أيضاً, ولا يوجد خلاف في هذا الأمر.

في الختام :

اخوتي وأخواتي :تلك تذكرة من تاريخنا المشرف عن حالتي الوحدة الكردية ؟ ما أحوجنا اليوم نحن الكرد إلى مثل تلك الوحدة  وتقوية الجبهة الداخلية  خاصة في روزافايي كردستان وما أحوجنا إلى شخصيات قوية أمثال دياكو وكي أخسار والحمد لله  نمتلك العديد أمثالهم منهم الجنرال مظلوم  كوباني قائد الجبهات ومهندس مبادرة وحدة الصف الكردي, مع دعواتنا له ولجميع وطنيينا والمدافعين عن حريتنا القومية بالتوفيق والنصر مع نشر السلام والوئام بين الأمم.

 

برادوست ميتاني- 18-6-2020م.29-3-2632كردي

 

المراجع :

-ترجمة أ.وهبية شوكت محمد  كتاب ميديا  للمؤرخ الروسي دياكونوف

مدخل إلى تاريخ فارس وحضاراتها القديمة قبل الإسلام للدكتور محمد حرب فرزات

تاريخ أسلاف الكرد –د.أحمد محمود خليل

آريا القديمة وكردستان الأبدية – أ.صلوات كلياموف

كتاب كورد كوردستان الجزء الثاني للعلامة محمد أمين زكي

كتابي الذي يحمل عنوان : بوابة إلى التاريخ الكردي القديم ,منذ العصور الحجرية حتى مجيء الاسلام

 

 

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: