بيار روباري: هل تجد أمريكا في الكرد أبعد من العضلات؟

#صدى_أقلام_المثقفين:

%d8%b1%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a-1rcuwddjel0vfvb3oey0vj0jospuuhnktlapk7old0xg

[highlight] هل تجد أمريكا في الكرد أبعد من العضلات؟ [/highlight]

بقلم :بيار روباري

هذا السؤال يطرحه معظم الكرد في غرب كردستان، وخاصة بعد سماح الأمريكان للأتراك بإحتلال مدينة جرابلس وما حولها، بالتعاون مع مجموعات متطرفة، وتنسيق مسبق وكامل مع تنظيم داعش الإرهابي، الذي لم يطلق رصاصة واحدة ضد القوات التركية. هذا إضافة إلى إيقاف العمليات العسكرية ضد هذا التنظيم منذ تحرير منبج، وعدم السماح لقوات سوريا الديمقراطية، بالتوجه غربآ بإتجاه عفرين، وتحرير المناطق الواقعة بين منبج وتل رفعت، وربط المنطقتين ببعضهما البعض، وقطع الطريق على تركيا، وحصرها مع عملائها في جرابلس.

والأمر الأكثر إثارة في الموقف الأمريكي في علاقتهم مع الكرد، هو إمتناع أمريكا التعامل سياسيآ حتى الأن، مع قيادة إقليم غرب كردستان. وهذا يدعوا للشك والريبة في نيات الأمريكان، ويدفع الكرد إلى الإعتقاد، بأن أمريكا لا تجد في الكرد سوى عضلات، لمقاتلة تنظيم داعش، ومجابته على الأرض في إقليم غرب كردستان. وهذا الإنطابع موجود عند غالبية الكرد، لأن أمريكا حصرت علاقتها معهم، فقط في قوات الحماية الشعبية، وهذا أمر غير طبيعي، وغير مقبول في عالم السياسة.

لكن رغم هذا الغموض في الموقف الأمريكي، حول حقيقية موقفها من الكرد وقضيتهم، في غرب كردستان، إلا أنني أرى أن الموقف الأمريكي، تطور كثيرآ عن موقفها في بدايات الثورة السورية. وهذا التطور في الموقف الأمريكي، والإنفتاح على الكرد، لم يأتي من الفراغ، بل له أسبابه وأهدافه المحددة.

ولفهم سر الإنفتاح الأمريكي المتأخر على الكرد، لا بد من إلقاء نظرة فاحصة على الخارطة السياسية السورية، فسنجد ثلاثة أطراف رئيسية تتقاسم هذه الساحة. الطرف الأول، هو الطائفة العلوية الحاكمة في سوريا منذ خمسين عامآ، والتي تربطها بروسيا علاقات وثيقة جدآ جدآ. ولقد إستثمر الروس في هذه الطائفة، على مدى أربعين عامآ الكثير من الأموال والسلاح والجهد. ولهذ فهم يرفضون تسلم السنة الحكم في سوريا، لأسبابهم الخاصة. ومن هذه الأسباب خوفهم من وصول سنة متشددين للحكم، ويقومون بإنها التواجد العسكري والسياسي الروسي الضخم في سوريا. وثانيآ، روسيا تتخوف من قيام سلطة من هذا النوع في دمشق، بدعم المتمردين الإسلاميين في جمهوريات القوقاز الإسلامية.

والطرف الثاني في المعادلة السورية هم العرب السنة، ويشكلون حوالي نصف سكان سوريا. وفي معظهم متشددون ومعادين للغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ومعادتهم للغرب، نابعة من فكرهم القومي المتعصب، والسبب الثاني، هو موقف أمريكا من قضية فلسطين، ودعمها المطلق لإسرائيل. وثالثآ، موقف أمريكا السلبي من الثورة السورية، واللامبالاة الأمريكية تجاه جرائم النظام العلوي بحق السنة على وجه التحديد.

وقد جربتهم أمريكا المعارضة السنية السياسية والعسكرية، على مدى عدة سنوات من عمر الأزمة السورية، ولم تسطتيع خلق كيان معارض مقبولة منهم. وكل الذين دربتهم أمريكا وقدمت لهم السلاح، هربوا مع سلاحهم وإنضموا إلى جبهة النصرة وغيرها من المجموعات الإرهابية. ولهذا نفضت أمريكا يدها من تلك المعارضة البائسة والفاسدة.

والطرف الثالث والأخير، هو الشعب الكردي، الذي لا يربطه بالطرفيين الأوليين، أية روابط عرقية ولغوية أو ثقافية. فالكرد كما هو معروف، ينتمون إلى العرق الأري. ومطالبهم وأهدافهم تختلف كليآ عن الطرفيين الأول والثاني. فهؤلاء يتنازعون على السلطة والمال والنفوذ، أما الكرد يبحثون عن حريتهم وحقوقهم القومية المسلوبة، منذ سنيين طويلة. والكرد «السوريين»، في معظهم متنوري الفكر وعلمانيين، وبعيدين كل البعد عن التطرف الديني. والمرأة في المجتمع الكردي تلعب دورآ مهمآ في مجتمعها، ولها مكانة مرموقة، بخلاف المجتمع السني والعلوي.

والكرد مجتمع منظم وله قيادة واحدة، وأهدافهم واضحة للعيان وشرعية، وتتلخص في الفدرالية للكرد، والديمقراطية لسوريا بأسرها، وبالتالي يتطلب ذلك إنهاء حكم الفرد والعائلة الواحدة، والطائفة الواحدة، والحزب الواحد، والقومية الواحدة، واللغة والثقافة الواحدة. وهذا ما يرفضه كل من النظام والمعارضة السورية على حدٍ سواء. وبفضل خبرة الكرد السياسية والتنظيمية والقتالية الطويلة، إستطاعوا تنظيم أنفسهم، ورفع السلاح وحمايتهم أنفسهم من بطش التنظيمات الإرهابية، وتحرير مناطقهم من هؤلاء الأشرار، وحوش العصر.

ففي الأخير، لم تجد أمريكا أمامها أفضل من الجانب الكردي للتعامل معه، لمحاربة الإرهاب والإرهابيين. وبالتجربة تأكدت أمريكا بنفسها بأن الكرد عامل إستقرار، وجزء من الحل في سوريا. ومع الوقت تبددت مخاوفها من الجانب الكردي، وما زرعته تركيا في أذهانها. ووصل الأمر بالأمريكان بأن أقامت قواعد عسكرية في منطقة الجزيرة وكوباني. وبقناعتي إن نظرة امريكا من كرد < سوريا>، تغيرت وباتت تجد فيهم أكثر من مجرد عضلات، ولكن علاقتها بهم، لم ترتقي بعد الى المستوى المطلوب الى الأن.

ومازال أمام الكرد وأمريكا الكثير من العمل المشترك، يجب إنجازه. وعلى الطرف الكردي أن يدرك، أن أمريكا دولة عظمة، ولها مصالحها، وهذه المصالح قد تتقاطع أحيانآ مع مصالحنا، وفي أحيان إخرى قد لا تتقاطع. ولهذا علينا أن نحسن التعامل مع هذه الدولة الكبرى، والإستفادة من قوتها ونفوذها قدر المستطاع. وهناك أمر أخر، يجب الإنتباه إليه، هو أن أمريكا ليست جمعية خيرية، وهي تبحث مصالحها كأي طرف أخر، وتتعامل مع القوي، والوقائع على الأرض بكل براغماتية.

04 – 10 – 2016

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: