من الإذعان إلى العصيان… حال المرتزقة السوريين في ليبيا ,بعد كشفهم لخداع النظام التركي لهم

في الوقت الذي تواصل فيه تركيا تجنيد ونقل المرتزقة السوريين إلى الأراضي الليبية، وقد أفاد المرصد السوري أن الأعداد الحالية للمرتزقة الذين تم إرسالهم من قبل تركيا إلى ليبيا تقدر بنحو 11,200 مرتزقًا، في حين أن عدد المجندين الذي وصلوا المعسكرات التركية لتلقي التدريب بلغ نحو 2300.

وهو ما أثار استياءً إقليمياً وأوروبياً واسعاً نتيجة مُخالفة الاتفاق للقوانين الدولية التي تحكم الحقوق البحرية، وفي فبراير 2020 اعترف أردوغان للمرة الأولى بوجود مقاتلين سوريين موالين لأنقره في ليبيا إلى جانب عناصر التدريب الأتراك، فقد أرسلت القوات المسلحة التركية 50 مدرباً عسكرياً تابعين للشركة الأمنية التركية الخاصة “سادات” إلى طرابلس، من أجل تدريب الجماعات المسلحة التابعة للوفاق.

وقبل مغادرة مقاتلي المرتزقة شمال سوريا وقّع المسلحون على عقود تنص على حصولهم على رواتب شهرية تقدر بـ2000 دولارًا شهرياً، مع تعويضات تقدر بـ50 ألف دولارًا لمن يتعرضون لإصابات خطرة، وكذلك 100ألف دولارًا تدفع لأسرة من يُقتل منهم في الجبهات، علاوة على تقديم خدمات إضافية تتكفل بها الدولة المضيفة، ووعود بمنح الجنسية التركية .

حيث يتم خداع من يجند ضمن المرتزقة عن طريق إيهامهم بأنهم سيستخدمون في عمليات قتالية تنفذ ضد الجنود الروس في ليبيا انتقامًا مما مارسوه في سوريا من عمليات قتل وغيرها، وأن المرتزقة سيقاتلون بجانب الجيش التركي، لكن في الحقيقة الجيش التركي لا يشارك في المعارك، باستثناء بعض الخبراء والضباط الذين يتحصنون بغرف عمليات بعيدة عن جبهات القتال .

ويتمُّ منح المجندون في مناطق ما يسمى ” غصن الزيتون ” مبلغ مادي على سبيل ” السلفة”، ومن ثم يتم نقل “المرتزقة” من خلال الطائرات عبر الجسر الجوي التركي من داخل الأراضي التركية إلى طرابلس وكذلك السفن التركية للقتال في ليبيا إلى جانب حكومة الوفاق ضد الجيش الوطني الليبي بغرض إلحاق الخسائر به وإضعافه لصالح أنقرة وحلفائها.

وتلجأ الحكومة التركية إلى استغلال الفقر المدقع للشعب السوري المنهك – بسبب الحرب الدائرة في بلاده منذ أكثر من 9 سنوات، لاسيما مع ما صاحب ذلك من انهيار سعر الليرة السورية مقابل الارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية وتدهور الاقتصاد بشكل عام، وما تبعه من تزايد معدلات الفقر والبطالة – لإرسالهم إلى طرابلس للقتال إلى جانب حكومة الوفاق، والعمل على إغراء الفقراء بالمال مقابل تجنيدهم وإرسالهم كمرتزقة للقتال في صراع لا يعنيهم بليبيا.

ويعود أسباب لجوء تركيا لتجنيد مرتزقة سوريين :

يمكن تفسير لجوء حكومة أنقرة إلى تجنيد مرتزقة سوريين وإرسالهم إلى طرابلس، بالآتي:

⦁ -التخوف من تعرض نظام أردوغان لمزيد من الانتقادات وانخفاض شعبيته بالداخل بسبب استهلاك القوى العسكرية والمقاتلين الأتراك في عمليات خارجية لا طائل من ورائها وتكبد مزيدًا من الخسائر على غرار ما حدث إبان مقتل الجنود الأتراك في سوريا.

⦁ -عدم رغبة النظام التركي في التضحية بمزيد من الكوادر العسكرية التركية في معركة مجهولة الملامح، وغير مضمونة المكاسب نظرًا لتعقد الأوضاع في الأراضي الليبية وكثرة المتنافسين وتشابك مصالحهم وتضاربها.

⦁ -تحقيق أكبر قدر من الأهداف والمكاسب في ليبيا لاسيما من خلال دعم حكومة الوفاق في مواجهة حفتر والضغط على بعض القوى الإقليمية وتهديد أمنها وإضافة إلى تأمين حصة تركيا من الثروات الليبية كالنفط وغاز شرق المتوسط بأقل تكاليف بشرية ومادية ممكنة.

⦁ -التخلص من العناصر المسلحة التي تعيث فساداً في الريف الحلبي بالإضافة للتخلص من الجهاديين والجماعات المصنفة على لائحة الإرهاب في المناطق المتاخمة تطبيقاً لاتفاق “بوتين – أردوغان” ولضمان أمن واستقرار الدولة التركية، وضمان توغلها في مزيد من مناطق الشمال السوري.

⦁ -استغلال وجود الفصائل التركمانية السورية التي تدربها وتديرها تركيا وهم الأكثر ولاءً وانصياعًا للنظام التركي للروابط القومية المشتركة؛ مما سهل عملية التجنيد لكثير من المرتزقة السوريين خاصة من تلك الفصائل .

⦁ -اللجوء لتجنيد المرتزقة كمحاولة للتنصل والإعفاء من المسئولية الدولية في حال افتضاح الأمر وبروز تبعاته.

⦁ -تحويل ليبيا لحقل تجارب للأسلحة التركية وتسويق الأسلحة التركية في شمال إفريقيا.

ورغم كل ما تفعله تركيا لتحقيق مآربها و أجنداتها في الأراضي الليبية ظهرت مؤخرًا حالة من العصيان والتمرد بين جماعات المرتزقة و تصاعد الرفض لعمليات التجنيد بين السوريين لأسباب عدة  أبرزها :

⦁ -الخسائر الفادحة التي تكبدها عناصر المرتزقة في محاور القتال في مواجهة الجيش الوطني الليبي، وقد كشف أحد المرتزقة 12/5/2020 أنه تم وضعهم في مقرات قريبة من تمركز الجيش الليبي ومرمى نيرانه، لافتًا إلى تعرضها للقصف بالهاون، حتّى إن ضربة واحدة استهدفت إحدى مقراتهم أدّت إلى مقتل 6 عناصر منهم، مما يؤدي بدوره لتكبدهم خسائر بشرية بشكل مستمر.

⦁ -عدم صرف مستحقاتهم المالية بالرغم من الوعود التركية لهم بصرفها على أكمل وجه وبشكل دوري مقابل قتالهم في ليبيا وإبرام العقود معهم، إلا أن الجانب التركي تقاعس عن تنفيذ ما وعد به، فقد دفعت تركيا راتب شهر واحد فقط للمرتزقة، كما ذكر مقاتل منتمي للمرتزقة السوريين بطرابلس أن الرواتب كانت بحدود 566 دولارًا فقط، وأن من لديه واسطة يحصل على 849 دولارًا، كما أن شركة “سادات” المكلفة بالإشراف العام على وضع المقاتلين السوريين في ليبيا وتسليم رواتبهم لم تحصل على مستحقاتها من حكومة الوفاق، مما يثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن مصير المستحقات المالية للمرتزقة.

⦁ -اكتشافهم عملية الخداع التركي التي تعرضوا لها وقت تجنيدهم في سوريا والأكاذيب التي اختلقها الجانب التركي لإقناعهم بما في ذلك زعم مواجهة القوات الروسية في ليبيا والثأر منها، وكذا القتال بجانب القوات التركية، وفي تسجيل صوتي لأحد المقاتلين هناك، تحدث عن ندم الجميع من القدوم إلى ليبيا وبأنهم تورطوا بذلك، داعين الراغبين بالذهاب إلى ليبيا بأن يتراجعوا عن قرارهم لأن الوضع ليس جيد إطلاقاً، فالأتراك تخلفوا عن دفع مستحقات المقاتلين البالغة 2000 دولار أميريكي للشهر الواحد، ونقيم في المنزل وحتى السجائر لا نحصل عليها في غالب الأوقات، لا نستطيع الخروج من المنزل لأن المنطقة ممتلئة بخلايا تابعة لقوات حفتر”، ويضيف المقاتل” جميعاً يريد العودة إلى سورية وهناك دفعات تتحضر بالعودة عبر فيلق الشام”.

⦁ -وقف هجرتهم غير الشرعية لشمال المتوسط، حيث شعر المرتزقة بخيبة أمل فيما يرتبط باستمرار هجرتهم سرًا عبر السواحل الليبية لأوروبا لاسيما مع تسلل ما يقرب من 150 مقاتلاً إلى الأراضي الإيطالية في يناير 2020، نظرًا لتفشي جائحة كورونا أو لإطلاق عملية “إيريني الأوروبية” المدارة من قبل اليونان لمراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة بمنع توريد السلاح إلى ليبيا، ما أدى لإلقاء القبض على المهاجرين غير الشرعيين، وإعداد مخيمات إيواء لهم

وبالمحصّلة  فإن عملية نقل المقاتلين السوريين التي تقوم بها تركيا من الأراضي السورية إلى داخل الأراضي الليبية. شهدت خلال الآونة الأخيرة تحولاً من “ترغيب” إلى “ترهيب”، إذ باتت عملية الذهاب لهناك تحت ضغط تركي كبير على قيادات فصائل ما يسمى “الجيش الوطني” لإرسال مقاتلين منهم نحو ليبيا، بعد أن كان المقاتلون سابقاً يتسابقون للذهاب إلى ليبيا طمعاً بالمغريات التي قدمتها تركيا بداية الأمر، ليتحول الأمر إلى ضغوطات كبيرة وتهديدات من قبل الاستخبارات التركية لقيادات الفصائل بشأن إرسال مقاتلين وإلا ستكون النتيجة، فتح ملفات تتعلق بفضائح لقادة الفصائل

يذكر أن الفصائل المتواجدة في ليبيا تشكل غالبية فصائل الجيش الوطني، كـ ” أحرار الشرقية وجيش الشرقية وجيش الإسلام وفيلق الرحمن وفيلق الشام ولواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه”، وعلم المرصد السوري من مصادر داخل الفصائل التي تتواجد في ليبيا، بأن مشاركة المقاتلين السوريين الموالين لأنقرة، في العمليات العسكرية غرب ليبيا، أحد أبرز الأسباب بقلب الموازين وترجيح كفة “حكومة الوفاق” هناك، ولا سيما بالسيطرة علة قاعدة “الوطية” الجوية الاستراتيجية، التي قلبت الموازين بشكل كبير جداً.

بينما تجدّد المنظمات الحقوقية والدولية مطالبة للمجتمع الدولي بالتدخل لإيقاف عملية تجنيد السوريين، وتحويلهم لمرتزقة سواء من قبل الحكومة التركية وإرسالهم للقتال في ليبيا، والتدخل بالشأن الداخلي الليبي.

المصدر : المرصد السوري لحقوق الانسان

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: