ملامح الفقر السوداء

ملامح الفقر السوداء

بقلم :همرين مصطفى محمد

مشي منحني الرأس مكسور الظهر، ساحبا خلفه حمل الأيام تاركا آثارا مغبرة تطوف حولها قسوة القدر…

فتمتزج الأناشيد التي لحنت على صوته مخرجة مفاتيحها الموسيقية على هيئة الألم..

يتقدم بخطواته في ممرات اليأس وكأنها تبدو له مصيرا كتب على جبينه يوم ولادته…

يصل إلى منعطفات فيمد يده إلى تلك الأغصان التي تزين أبواب المنازل المرصعة بأسرار كتمت في القلب ولم يفصح عنه إلى الآن، لتصبح داء يكمن في رحم الكيان من غير وجود دواء يشفيه…

فتتناثر في يديه مثل الرماد ملونة الكف باللون الأسود، دالة على قبح الفقر وحدة حروفه.. وهي تنغرس في الوريد فينزف منه الدم القاتم الذي كان عبئا على نبض القلب…

يكمل الدرب راسما في خياله لوحة تتحرك فيها الألوان وكأنها حقيقية فهي تعبر عن معاناته مع الواقع وصعوبة العمل الذي يقوم به، فقبل شروق الشمس يخرج من بيته ولا يكسو جسمه سوى معطف ممزق وسروال مقطوع من ركبتيه، مستقبلا فجره ببسمة غنية بكل راحة الحياة ليذهب إلى عمله بكل كبرياء وفخر رغم وجود جروح في كلتا يديه نتيجة جفاء الحطب الذي يحمله..

يبقى واقفا على قدميه من غير كلل ولا ملل ولا يأبه بالتعب الذي يكلم الفؤاد والإنكسار الذي يصيب جفون العين والدماء التي تلون القدمين ومع ذلك لا يحصل سوى على قرشين يجلب بهما قطعة خبز يطعم به عائلته من غير أن يأكل هو وزوجته إلا بعد أن يشبع صغارهم وما تبقى منه يسدان به جوعهما..

لقد رمى أحلامه على مكب نفايات الدهر في سبيل العيش بكرامة…

كرس حياته بجمع الورود ليشكل منها باقة يبيعها لعاشق فيهديها لفاتنته..

عندما تنظر إليه تجده هادئا كالبحر بعد ان اشتدت عليه عواصف الأمواج فبالرغم من أنها من ضلعه إلا أنها تفنيه بغضبها..

فالغلاء أصبح يحكم الأسواق

والدموع تغرق عيني الفقير إلى حد هندامه…

والطعام أصبح صعب المنال في تفكيره…

ينتظر من جاره صدقة تجبر خاطره وهذا المعروف أيضا لا تجده في زماننا

فالغني يأكل ويملئ جوفه ولا يهتم بحال الفقير

يتحكم بالأسعار على هواه ولا ينظر إلى المتسول الذي نهش الجوع بجسده…

لسنا الوحيدين في هذه الأزمة ألا تكفينا الحرب التي خلفته أرواح عابرة؟

ألا يكفي حجم الدمار الذي شكله القتل والنهب..

ومع هذا نصبح ضررا لهم ونحرمهم من أبسط حقوقهم

فلنتأمل السماء للحظة عندما تحتضن الرمال بشمسها فبالرغم من وجود الفراغ إلا أنها تملؤه بنورها

ولنؤيد فكرة تصافح الأيادي لنقطف ثمار الحب من بستان المحيط

إنني على يقين أن المعدة الممتلئة لا تشعر بما تشعر به المعدة الخاوية..

والذي ينام على مخدة عريضة ليس كمن لا يغمض له جفن، لصلابة المسكن الذي يأوي فقره..

لم ننظر إلى القبلة التي تتجه إليها المصالح، ﻷننا نعرف تمام المعرفة أنه سيحين دورنا لنكون مشردين ويقف فقير ما مكاننا..

فالتضحية بالفقير من أجل بناء المأوى وتظن أنه من عرق الجبين..

فلتعلم أنه بني على كفن الأرواح  التي لا تهاب صراع الحياة معها..

رفع الأسعار سيكثر من نجاحاتك ولكن الإنسانية سوف تنقرض على الأبواب..

لتصبح حكاية الأجداد للأحفاد..

رفع الأسعار سيغير حالك ولكن ماذا سيفعل ذلك المهاجر؟

المهاجر الذي أخذت الحرب من صحته وكرامته..

وجعلته متسولا على شواطئ البحار يجمع اللئالئ ليكسب يوما جديد يحيى فيه..

فلنكتفي إلى هنا، وللننظر إلى الآخرين كما ننظر إلى أنفسنا..

كم ستحرر أفئدة من ظلم العميان..؟

فلنعبر جسر المحبة لنصل إلى محيط بالورد والعطر يلتقيان..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: