صدى الواقع السوري

مقاومة أهل عامودا المشرفة للاحتلال الفرنسي والدور الوطني لكبيرعشيرة الدقورية السيد “سعيد آغا الدقوري”

مقاومة أهل عامودا المشرفة للاحتلال الفرنسي والدور الوطني لكبيرعشيرة الدقورية السيد “سعيد آغا الدقوري”

                                                                             برادوست ميتاني
أخواتي أخواني الأعزاء : إليكم ما يقوله التاريخ عن مقاومة عامودا للإحتلال الفرنسي وكذلك طوشا عامودا و أقرأوه جيداً وبإمعان لنأخذ منه الدروس والعبر , لأن التاريخ يعيد نفسه اليوم :
أهتم الفرنسيون بعامودا كونها متاخمة للحدود التركية ولها دور اقتصادي كبير خاصة الزارعة ولكثافتها السكانية , فعملوا على بنائهم مخفراً شريطة واتفقوا مع الاهالي على أن يكون عناصره محليين , ولكن الفرنسيين لم يلتزموا بتعهداتهم , فأنشئوا ثكنة عسكرية صغيرة في المدينة من الجنود الفرنسيين “الكارد موبيل” (الحرس الجوال) وقاموا بتصرفات منافية للعادات والتقاليد الاجتماعية للمدينة , ويوجهون الشتائم للأهالي الذين ضاقوا بهم ذرعاً , فهاجموا الثكنة بالحجارة والعصي وبعض البنادق القديمة , فتمكنوا من طرد عناصرها الذين انسحبوا إلى مدينة قامشلو , ولكن كخطة مموهة لتهدئة الأحوال والانتقام .

                                                                                       المناضل سعيد آغا الدقوري
في عام /1926/ شكلت القيادات الفرنسية جيشاً من بعض العشائر المجاورة , بقيادة مشعل الفارس الشمري تقدمهم قرابة /300/ حرس فرنسي “هاجانا”, ولكنهم فوجئوا بمقاومة عنيفة بقيادة المجاهد التاريخي سعيد آغا الدقوري زعيم عشائر “الدقورية” الذي كان على اتصال دائم وتنسيق مستمر مع أعضاء الكتلة الوطنية في دمشق, أمثال المجاهد شكري قوتلي وجميل مردم وسعد الله جابري و فخري البارودي و البطل إبراهيم هنانو , وبالتنسيق مع العشائر و الوطنين في عامودا وما حولها أمثال عشائر الكيكية الكردية بقيادة المجاهد عيسى رستم المعروف باسم عيسى القطنة وعشائر الملية بقيادة المجاهد حسين أسعد , وكان اتصال المناضل سعيد آغا الدقوري قوياً مع الحركة الوطنية لذا قام بزيارات إلى دمشق, بالرغم من صعوبة السفر حينذاك بسب بعد المسافة وقلة الوسائط وكثرة عيون الفرنسيين ( الجواسيس والعملاء) , حيث كان كان يتلقى الدعم والمشورة من الوطنيين في دمشق ويتوج ذلك بالتفاف الأهالي حوله بفضل الروح الوطنية القوية لدى الجميع, فتمكنوا من مجابهة الجيش الفرنسي الزاحف من قامشلو, والذي كان قد وصل إلى مشارف عامودا , وفي مكان بين قرى “تل حبش” و”چولي”و”ذو الفقار” دارت رحى معركة شديدة قبيل الفجر , حقق فيها المناضلون نصراً ساحقاً , بإلحاق الهزيمة بالدخلاء , بعد أن قدموا /12/ شهيداً من عشيرة “الدقورية” و/12/ من أهالي عامودا بينهم عبدي حاج يونس وعلي حاج قاسم و شيخموس سعد و شيخو محمد الهتو وسليمان العيشو و رمي حسو محمد ,و لما كان المناضل سعيد الدقوري يدرك غاية فرنسا بالتفرقة بين السكان من كرد وعرب وسريان وغيرهم للقضاء على الوحدة الوطنية في البلاد , فقد عقد صلات قوية مع أخوته العرب الذين لبوا دعوته وقد كان العربي يستشهد إلى جانب الكردي في ثورة عامودا ضد المحتلين .
أثناء القتال أراد قائد الثورة السيد سعيد آغا الدقوري إبعاد أذى الفرنسيين عن الأهالي لذا نقل مركز العمليات إلى خارج المدينة حيث تل عامودا الواقع 3 كم شمالها , وبعد مواصلة الدفاع بصورة حثيثة فلم يتمكن الثوار من مجابهة الآلة العسكرية الفرنسية المدعومة بأقوى العتاد . أنتقل المناضل سعيد الدقوري مع أقربائه إلى تركيا عام /1927/ فمكثوا فيها لأربع سنوات وكان خلالها يقود معركة استنزاف مع الفرنسيين على قبالة الطرف الثاني من الحدود , فخلق لفرنسا توتراً شديداً لذا طلبت من تركيا أبعاد المجاهد الدقوري , فلبت تركيا ذلك فأبعدته لمسافة 100 كم إلى “آمد” ( ديار بكر ) على نهر دجلة , وبالرغم من ذلك ظل تأثيره على أبناء عامودا قوياً مما أدى إلى اضطرار فرنسا بالتفاهم معه , فأرسلت إليه مندوبين عنها للتفاوض معه وإقناعه بالعودة مقابل إعادة جميع سلطاته السابقة إليه في المدينة , فأصدرت فرنسا عفواً عنه وعن أخوته و أقاربه , فعاد عام /1931/ إلى مدينته , وكانت غاية فرنسا في ذلك إقناعه بفصل الجزيرة السورية عن الوطن الأم ,بإيجاد شبه دويلة ,وبالتعاون مع حلفائها (بعض المسيحيين) ولتحقيق هذه الغاية كانت تركيا ترسل المسيحيين من أراضيها إلى الجزيرة السورية تلبية لطلب فرنسا , وتحقيقاً لهدفها أرسلت فرنسا ضابطين فرنسيين إلى منزل المجاهد الدقوري , لإقناعه بإنشاء دويلة ,ولكنه رفض قائلاً : أنني رجل سوري ووطني هو سورية ,فكان رد الضابطين هو أن سعيد رجل شقي وسوف يرى في الأيام المقبلة ما لا يرضيه . وكان المجاهد سعيد يعزز موقفه الوطني ضد المخططات الفرنسية بتجزئة سورية بزيارته عام /1936/ إلى دمشق ليكون على صلة دائمة مع الكتلة الوطنية , وسافر للغاية نفسها مرة أخرى عام /1937/ برفقة الحاج شيخموس يونس حسو وسليمان حاج سعدون لشراء سيارة جديدة من نوع فورد موديل عام 1937 , وأثناء عودتهم أخذوا قسطاً من الراحة في دير الزور , إلا أن الأهالي في المدينة أعلموهم نبأ غليان عامودا ضد الفرنسيين , والتي أدت إلى قيام ثورة عارمة تعرف في التاريخ لدى الشعب الكردي باسم “طوشا عامودي” عام /1937/.

                                                          – طوشا عامودي” عام /1937/.)
أشعل شرارة الفتنة التي تحولت إلى ثورة شخص مسيحي ( وهذا مؤسف) وأسمه ملكو ايلو صباغ بالاتفاق مع الاحتلال الفرنسي بإثارة فتنة دنيئة , وهي انه اتفق مع بعض مسيحيين آخرين على أن يذهب إلى حارات الأكراد , وعندئذ يقوم أولئك المسيحيين بإطلاق النار داخل الحارات الكردية , سيشاع خبر بأن المسلمين قتلوا المسيحين , وهكذا سينفجر الوضع وتتدخل فرنسا لمعاقبة المدينة وضرب الكرد , وبالتالي القبض على زعيم الثورة , علماً أنه وأصدقائه لم يكونوا في المدينة إذ كانوا في طريقهم قادمين من دير الزور , بعد العودة من دمشق , لذا عندما سمعوا بالفتنة غيروا وجهتهم إلى طريق صحراوي نحو الخابور , من خلال معبر الدبس بمساندة بعض الأخوة من العشائر العربية , ثم الوصول إلى قرية الجوهرية 4 كم غرب عامودا , ثم التسلل إلى المدينة وقيادة الثورة التي انطلقت شرارتها في 28/7/1937 بعد الفتنة القذرة , وشملت المعارك شوارع المدينة بين الحي المدعوم بالقوات الفرنسية وعملائها والحي الوطني , باستخدام مختلف أساليب القتال كالقنص وقتال الشوارع والسلاح الأبيض , وبطولات مشرفة تمكن الثوار من تحرير المدينة . ويقال بأن المجاهد سعيد آغا الدقوري خلال نضاله وهو على ظهر فرسه المسمى “سيلوطي”قتل رامي مدفع بواسطة فرسه التي قفزت عليه وقتلته بحوافرها . وبعدها قتل ملكو ايلو صباغ منتقماً لفتنته وذلك عند قرية حمدون قرب الحدود التركية. ولكن نشوة النصر أصيبت بغصة ألم في اليوم التالي عندما أستخدم الفرنسيون طيراناً مكثفاً ضد المدينة وما حولها من قرى الدقورية تل حبش وغيرها كتل خنزير , حيث بلغ عدد القتلى 32 شهيداً وكذلك قرية “قره قوب” وأستشهد مختارها المناضل محمود هدو , وقرية ديكتية . فكانت الخسائر كبيرة إذ أستشهد أكثر من /150/ شخص من المدن المجاورة لمدينة عامودا, ولكن الأخيرة كانت الأكثر ضرراً ,إذ تم تدمير المباني فأصبحت أنقاضاً , فأخليت من ذويها حتى قائد الثورة مع أفراد أسرته وأقربائه فروا إلى تركيا . ولكنه بفطنته السياسية أدرك بأن الأتراك سيسلمونه إلى الفرنسيين مقابل تسليم الفرنسيين المجاهد الكردي محمد جميل باشا للأتراك, لذلك غير رأيه فأختار الملك غازي في العراق للالتجاء إليه مع أهله بسيارتين في 5/8/1937م . قضى في العراق مدة خمس سنوات عانى فيها من السجن و الفقر والعوز و الهوان ليعود إلى وطنه عام 1942م , بعد توسط العشائر الدقورية في كل من الجزيرة وحارة الأكراد في دمشق ومن معهم من آل شمدين في الكيكية وحي الاكراد(ركن الدين حالياً) لدى حكومة فرنسا الحرة الحليفة للإنكليز بعد طرد حكومة فيشي الفرنسية الحليفة للألمان من سوريا . وبعد ذلك مارس البطل سعيد آغا نضالاً سياسياً , إذ كان من ممثلي أهل الجزيرة في البرلمان السوري عام 1943 وشاهد الاستقلال 1946 ولكن بعد إحصاء 1962م جرد من أملاكه. وفي ظل الانظمة السورية وبدلاً من أن يكافئ وتعلق على أكتافه نياشين الاوسمة الوطنية قضى بقية حياته مواطناً عادياً مغبوناً مجحف الحق في قرية صغيرة قرب الحسكة حتى مماته .ومن الجدير بالذكر أنه والد البطل الشهيد “أحمدي أغي” شهيد سينما عامودا عام 1960م والذي تمكن من إنقاذ أكثر من 12 طفلاً كردياً بحمله طفلين كل مرة و إنقاذهما من النافذة التي حطمها , ويومها ضحت عامودا بأكثر من 250 طفلاً للثورة الجزائرية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: