مقال ..اللجنة الدستورية والصدام “العسكري” الروسي الأمريكي!

كتب المحلل السياسي، رامي الشاعر، عن نتائج الاجتماع الاخير للجنة الدستورية السورية في جنيف

 

وردت كثير من الأسئلة، تشتكي من عدم وضوح الصورة بشأن انعقاد الجولة الثالثة للجنة المصغرة لمناقشة الدستور السوري المنعقدة في جنيف، 24 من الشهر الجاري، بدعوة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، غير بيدرسون.

كما تطرقت أسئلة أخرى إلى الحادث الذي وقع مؤخرا في شمال شرق سوريا بين دورية الشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة الروسية ودورية أمريكية، وأسفر عن إصابة عدد من العسكريين الأمريكيين بجروح جراء اصطدام الآليات العسكرية الروسية بالعربات المصفحة الأمريكية.

تضاربت الأقوال والتحليلات والاجتهادات، وهو ما خلق جوا عاما من البلبلة والضباب، وعدم وضوح الصورة لمن لا يملك القدرة على متابعة الأحداث وسبر أغوارها من خلال إمكانية الوصول إلى المصادر المعنية مباشرة، وهو ما كان من حظي، وسأحاول عرض المشهد بأبسط ما يكون بعد ما أصاب الضجر الغالبية العظمى من المتابعين نتيجة لاستمرار الجعجعة بلا طحين.

فأما عن اللجنة الدستورية، فانها تعيش حالة أشبه ما تكون بالموت السريري، الذي كاد يودي بحياتها في اللقاءات السابقة نتيجة للخلافات الحادة التي دبت بين الوفد الذي يمثل الحكومة السورية)، ووفد المعارضة السورية.

وعلى الرغم من أن الوضع قد تحسن بعض الشيء في اللقاء الأخير، أثناء الجولة الثالثة للجنة الدستورية المصغرة في جنيف، إلا أن 4 إصابات بفيروس كورونا لأعضاء من اللجنة القادمين من دمشق، أوقفت اجتماعات اللجنة، وخضع جميع أعضائها إلى العزل الصحي والفحوصات الطبية الضرورية، ليؤكد فيروس كورونا حقيقة تربعه على عرش السلطة والتحكم لا في مصير الدستور السوري وسوريا فحسب، وإنما في مصير العالم أجمع.

إن أعضاء اللجنة الدستورية، على الرغم من موتها السريري، يحصلون على الخدمات اللازمة سواء في اسطنبول أو الرياض أو دمشق، نتيجة للامتيازات الخاصة المقدمة لهم. لكن الأغلبية الساحقة من الشعب السوري يعانون من موت حقيقي نتيجة الفقر والجوع والمرض والوباء وعدم توفر أبسط متطلبات الحياة اليومية، ويعاني أيضا من عقوبات اقتصادية جديدة، يتم تبريرها بأنها تخص أشخاصا بعينهم مقربين من القصر الجمهوري في دمشق، لكنها في جوهرها، وأعني هنا تحديدا “قانون قيصر”، تمثل عقابا جماعيا للشعب السوري لكونها تمس بشكل مباشر مجالات توليد الطاقة وغيره من المجالات الحيوية التي تؤثر مباشرة على الحياة اليومية للمواطن السوري.

بالتزامن أدلى المركز الإعلامي لائتلاف قوى المعارضة السورية مؤخرا بتصريحات تهاجم الدور الروسي، وتصف روسيا بالمحتل لسورية. فهل يمكن وصف مواقف كهذه بالبناءة؟

لقد أسلفنا في مقالة سابقة أن هناك شخصيات بعينها على الجانبين، داخل دمشق، وداخل المعارضة، تنسق فيما بينها لتخريب الجهود الروسية، التي أنقذت سوريا من التحول إلى دولة فاشلة. وتحاول قدر استطاعتها عرقلة جهود مجموعة أستانا، وهو ما أثار حفيظة أحد المسؤولين الأتراك، الذي سمعته شخصيا يمتعض من تصرفات بعض قياديي المعارضة، ممن تستضيفهم تركيا، ويهاجمون أحد الأطراف المشاركة في مجموعة أستانا. وقال المسؤول حينها إن هؤلاء ليسوا سوى عناصر مندسة، تعمل بتعليمات أحد الأجهزة الأمنية، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بمصلحة شعبهم وبلادهم أو بالدور الذي تقوم به مجموعة أستانا، بهدف إحلال الأمن والاستقرار العادل، ليس فقط في سوريا، بل في منطقة الشرق الأوسط.

لهذا السبب بقي الحال على ما هو عليه، وبقي المريض؛اللجنة الدستورية في وضع الموت السريري المستقر، مع ظهور بوادر تحسن في الوظائف الحيوية، بسبب تخلي أعضاء اللجنة عن الخلافات الحادة، والتحلي بالهدوء والروح الوطنية، وهو ما كان نتيجة لما قام به الرئيس السوري والدكتور، بشار الأسد، من إجراءات جراحية دقيقة، ساعدت فيها ربما خلفيته المهنية الطبية. وأعني هنا تعليماته ونصائحه التي وجهها للوفد الوطني الدستوري، وهو ما قام بتنظيم ضربات قلب اللجنة الدستورية المصغرة، وتجنب حدوث اضطرابات كما في السابق. وهو ما يحيي أمانينا بأن تكون نتيجة هذا اللقاء، بصيص نور في نهاية النفق، وبادرة خير تشرق بالأمل بأن يبدأ حوار سوري سوري يتسم بالجدية ويمهّد لعملية انتقال سياسي وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، على أساس المبادرات التي سيطرحها الرئيس بشار الأسد، وسيقودها لإخراج سوريا من الأزمة التي تعاني ومنها ويعاني منها الشعب السوري.

لقد بدا واضحا في اللقاء الأخير أن المعارضة السورية سوف تتجاوب مع هذه المبادرات من جانب السلطات في دمشق، ممثلة لشرعية السيادة السورية على كافة أراضي الجمهورية العربية السورية.

وبالتزامن مع نتائج الجولة الثالثة للجنة الدستورية المصغرة، كان هناك حدث مهم لا شك يلقي بظلاله على المشهد السوري، وهو البيان المشترك، الصادر عن مجموعة أستانا (روسيا وإيران وتركيا)، ممن حضروا إلى جنيف خصيصا لمتابعة أعمال اللجنة الدستورية المصغرة، والذي أكّد من جديد تمسكه بالسيادة على الأراضي السورية، ورفض أي نوايا للعبث بوحدة هذه الأراضي والتصرف بمواردها وخيراتها من أي جهة كانت، دون العودة للممثل الشرعي الوحيد للسيادة السورية في دمشق، حيث رفض البيان أي مشاريع أو عقود بين شركات أمريكية وجهات سورية أخرى لا تخضع للسيادة السورية. تعود أهمية البيان المشترك، في أنه أزال أوهاما لدى الساعين لاختلاق خلاف بين أطراف مجموعة أستانا الضامنين لوقف إطلاق النار وتعزيز سير أجواء الهدنة على كافة الأراضي السورية.

وفي نفس السياق، يأتي لقاء وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع أعضاء وفد مجلس سوريا الديمقراطية، والذي يمثل المكوّن الكردي في المعارضة السورية، وهو ما يؤكد سعي القيادة الروسية لتخفيف التوتر بين تركيا والأكراد، ولعب دور الوسيط لإزالة الأسباب التي تعرقل سير المفاوضات، وتساعد على خلق استقرار أمني في الشمال السوري، وما يمثله ذلك من أهمية بالغة للأمن القومي التركي، خاصة وأن الحدود السورية التركية تمتد لزهاء 900 كلم. وهذه ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها روسيا للحيلولة دون وقوع صدام بين تركيا والأكراد، حيث حالت جهود الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكتوبر الماضي، وتوصله لاتفاق بنشر قوات سورية وروسية شمال شرقي سوريا لإبعاد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية وأسلحتهم عن الحدود مع تركيا، دون وقوع صدام عسكري تركي كردي، كان سيودي بحياة عشرات الآلاف.

إن منطقة شمال شرق سوريا بوضعها الحالي تمثل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، وهي قابلة لتدهور الأوضاع فيها، ما يتطلب جهودا مكثفة للحيلولة دون ذلك، لذلك تبدي القيادة الروسية اهتماما خاصا بهذا الشأن، من خلال اتصالاتها مع جميع الأطراف المعنية.

وعلاوة على ذك فإن إعلان مذكرة تفاهم بين أطراف معارضة سورية ووفد كردي يمثل مجلس سوريا الديمقراطي، قبيل لقاء الوزير لافروف، يؤكد على أن أكراد سوريا أيضا يؤيدون السيادة السورية ووحدة التراب السوري، ويسعون إلى إيجاد صيغة معينة، يمكن إضافتها إلى التعديل الدستوري، تضمن حقوقهم القومية، وحقهم في استخدام لغتهم وتعزيز ثقافتهم وتقاليدهم الشعبية، ولكن في إطار السيادة ووحدة الأراضي السورية.

أما ما يخص الاحتكاك العسكري الروسي الأمريكي

من المعروف تاريخيا ذلك الفضول المهني لدى العسكريين من مختلف الدول للتقارب والتعرف على طرق التفكير والتكتيك المختلفة، وكذلك أنواع السلاح وإمكانيات المعدات العسكرية والفرق بينهما، وذلك بصرف النظر عن الخلافات السياسية العميقة بين الدول. وقد جرت الأسبوع الماضي في ضواحي موسكو مسابقات دولية عسكرية، شارك فيها ممثلون عن أكثر من 20 دولة، تتم في هذا الإطار، لكن الخلافات السياسية تحول دون مشاركة عسكريين أمريكيين وغيرهم من حلف الناتو في هذه المسابقات الدورية السنوية، والتي أصبحت مسابقات رياضية عسكرية من نوع جديد، يتابعها كثير من العسكريين حول العالم.

وتحت تأثير أجواء هذه المسابقات العسكرية، يبدو أن دورية عسكرية روسية مدرعة، التقت زملائها في دورية عسكرية أمريكية على الأراضي السورية، وعلى الرغم من أن مركز التنسيق العسكري الروسي الأمريكي قد رسم وحدد واعتمد مسارا يجب على كل دورية اتباعه، إلا أن روح التنافس والمغامرة لدى الشباب من العسكريين الروس والأمريكيين، في محاولة لمعرفة الأقوى من بين الآليات والمعدات العسكرية الروسية والأمريكية، وكذلك القدرة على المناورة والشجاعة، أطلقت مسابقة “رياضية” من نوع آخر، لم تتراجع فيها الأطراف عن الذهاب حتى النهاية، وكان “الفوز” لصالح “الفريق” الروسي، والمصفحة الروسية التي لم يصب طاقمها بأي أذى، بينما أصيب ثلاثة عسكريين أمريكيين بجروح طفيفة، وتم تفادي أي توتر بروح رياضية سادت المنافسة بين العسكريين الروس والأمريكيين.

كما سادت الروح نفسها المحادثة هاتفية التي دارت بين رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، الجنرال مارك ميلي. وانتهى الحادث دون أي مضاعفات أو تداعيات.

وبهذه المناسبة فإننا نأمل أن يشارك ممثلون عن العسكريين الأمريكيين وحلفائهم في حلف الناتو في المسابقات الدولية التي تجري في ضواحي موسكو في الأعوام المقبلة، حيث تعزز هذه المسابقات، التي تغلب فيها الروح الرياضية، التقارب بين الدول، وهو ما يمكن أن يسهم في تصفية الأجواء المتوترة وحل القضايا المعقدة الإقليمية والدولية.

ختاما، يحدونا أمل كبير بأن يشرع الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بعد الجولة الثالثة للجنة الدستورية المصغرة، والأجواء الهادئة المبشّرة التي سادت الاجتماعات، في العمل الجدي عن قريب في إنهاء معاناة الشعب السوري، وأتمنى أن تقوم هيئة الأمم المتحدة بدور أكثر نشاطا، حتى تتراجع بعض الدول عن سياسة العقاب الجماعي لشعوب بأكملها، من خلال العقوبات الاقتصادية، وتجنيد كافة الجهود الراهنة لمساعدة سوريا، التي تؤكد إصابة أربعة أعضاء من اللجنة القادمة من دمشق بفيروس كورونا أنها في أمس الحاجة إلى المساعدة الفورية، وتعيش وضعا كارثيا بكل المقاييس. كذلك فإن الأمل الذي يبعثه لقاء جنيف، يحتاج هو الآخر إلى دعم دولي مادي ومعنوي أكثر من أي وقت مضى.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: