مفهوم المجتمع

بقلم:مظلوم هادي

لأجل ان نفهم المجتمع وبناء مجتمع  متكامل من جميع  النواحي السياسية, الاقتصادية, العلمية, علينا اولاً بان نفهم ونعرف المجتمع وندرسه جيداً. إن الإنسان بطبعه كائنٌ اجتماعي، فمنذ وجوده على الأرض كان بحاجة إلى رفاق من جنسه، ويعتقد العلماء أن سلوك الإنسان الاجتماعي جاء متأخراً منذ وجوده على الأرض، حيث كان نظام الأسرة قبل ثلاث مليون سنة نظام الوحدة البيولوجية، وهي الأسرة المكونة من الأم والأبناء دون وجود الأب، فالإنسان لم يكن يعرف ما هو المجتمع بالمعنى الحديث لتعريف المجتمع المعاصر، هذا وبعد النظام الوحدة البيولوجية أصبح الإنسان يكوّن أول ملامح المجتمع، وهو الأسرة الأولية: (الأب والأم والأبناء)، ثم شَهِدَ التطور الثقافي إلى أن انتقل الإنسان من الأسرة الأولية إلى الأسرة الممتدة (الأم والأب والأبناء والأحفاد). ما هو المجتمع تعرّف الأنثروبولوجيا المجتمع بمجموعة من الأفراد يعيشون مع بعضهم البعض وتجمعهم روابط مشتركة من العادات والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية والقيّم والمعايير تم الإجماع أو الاتفاق عليها تاريخياً داخل منطقة جغرافية محددة، وحيث تربطهم العلاقات الاجتماعية والعلاقات الأسريّة، كما يعرّف علم الاجتماع المجتمع بأنه مجموعة الأفراد التي تربط بينهم العلاقات التفاعلية المشتركة ضمن ثقافة واحدة، أو يكون الرابط العرق، وتكون الأفكار والأنشطة مشتركة بينهم من خلال العلاقات، حيث المعتقدات والطبيعة الجغرافية تلعب دوراً مهماً بتشكيل العلاقات التفاعلية بين الأفراد، كما يعرّف المجتمع لغوياً بأنه الاجتماع بين شخصين أو أكثر. أهمية المجتمع إن الإنسان كائن اجتماعي كغيره من الكائنات الاجتماعية الذي لا يقدر على العيش بمعزل عن أبناء جنسه، فالمجتمع يلبي رغبة تفاعل الإنسان مع الأفراد، كما يعد المجتمع العامل الرئيس للوجود البشري وبقائه عن طريق التناسل وحفظ النوع، حيث عملَ المجتمع على التطور الفكري والمعرفي لدى البشرية عن طريق تبادل الخبرات والمعارف بالتوارث والتعلّم، وقد حافظ على أمن وسلامة الإنسان أو الحد من المخاطر الطبيعية التي تلاحق الكائنات الأخرى كالبراكين والزلازل والحيوانات المفترسة والمجاعة فهذه المخاطر لولا وجود المجتمع لَما كان الإنسان يحظى بأمان ويرجع سبب ذلك للتجمع والتجمهر البشري حول الإنسان أو قد يسمى بالتعاون، حيث قامت الحضارات من خلال المجتمع عن طريق التكاتف والتعاضد والعمل الجماعي بالجهد البدني والفكري.

ولعل ابرز المشكلات التي تواجه أي باحثٍ سوسيولوجي أو انثروبولوجي، هو صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع للمفهوم الواحد. واذا ما تفحصنا مفهومات علم الاجتماع والانثروبولوجيا، تتوضح صعوبة الفصل بين التعريف الانثروبولوجي للمفهوم والتعريف السوسيولوجي له ، فيقع الباحث في مأزق ويجد نفسه ملزماً لتضمين التعريفات السوسيولوجية والتعريفات الانثروبولوجية للمفهوم الواحد في دراسته، وقد يبدو الامر غريباً الى حدٍ ما، اذا ما نظرنا الى علم الاجتماع والانثروبولوجيا كعلمين متقاربين من حيث الهدف والمنهج والنظرية. الا ان ذلك لا يلغي الاختلاف طبعاً في نفس هذه الجزئيات او غيرها. وتزداد صعوبة تحديد المفهومات اكثر إذا ما وجدنا ان هناك مفهومات متقاربة دلالياً. مثل المفهوم السوسيولوجي للمجتمع والمفهوم الانثروبولوجي للبناء الاجتماعي. او مثلا مفهوم الجماعة ومفهوم المجتمع المحلي ومفهوم المجتمع. لنحاول ان نطرح المفهومات الاخيرة لنرى ما فيها من تشابهات واختلافات.


المجتمع society

غالباً ما يشير المفهوم السوسيولوجي للمجتمع الى المجتمعات الكبيرة ذات الطابع التنظيمي العالي. وقد يقترب المفهوم السوسيولوجي  للمجتمع من مفهوم المجتمع الحضري. اذا ما عرفنا ان المفهوم السوسيولوجي  للمجتمع هو (المجتمع)  عبارة عن مجموعة من الافراد تسكن في بقعة جغرافية واحدة وتشترك في خصائص معينة
وتشير موسوعة علم الانسان إلى إن المجتمع بصورةٍ عامة يشير الى جماعة بشرية كبيرة العدد نسبياً، ومستقلة نسبياً ولدى افرادها القدرة على الاستمرار من الوجهة السكانية. كما يتسم بقدر مكن الاستقلالية في تنظيم العلاقات الاجتماعية  في حين يشير مفهوم المجتمع الحضري الى مجموعة من الافراد تقطن في البيئة الحضرية (المدينة)، وتتسم بأسلوب حياة معين يتجاوب مع خصائص المدينة وظروفها وطريقة تحوّلها.

ويتطابق المفهوم الانثروبولوجي للجماعةgroup  مع المفهوم السوسيولوجي للمجتمع المحلي، اذ ان مفهوم الجماعة انثروبولوجياً هو مجموعة من الافراد، يربطهم رباط عام ثابت من العلائق الاجتماعية. ويمتازون عن غيرهم من الجماعات بطراز سلوكي جمعي خاص بهم، وبوجود درجة من التكامل الاجتماعي والاتصال المباشر، والالفة، وقدر من الشعور بالمصالح المشتركة بينهم واحساس بروح الجماعة.


اما المفهوم الانثروبولوجي للمجتمع Society فإنه يُعرّف كما ورد في قاموس الانثروبولوجيا بأنه : مجموعة من الاشخاص، تعيش وتعمل سوية لفترة من الزمن تكفي لخلق تنظيم خاص بها. أما مفهوم البناء الاجتماعي أنثروبولوجياًّ فإنه كما عرّفهُ راد كلف براون بأنه شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد مجموعة معينة في وقتٍ معيّن. فهل توجد علاقات اجتماعية بدون اشخاص ؟ بالتأكيد لا. اذ ان مفهوم البناء الاجتماعي يشير ضمناً الى وجود مجموعة من الافراد يشكّلون بمجموعهم مجتمع ما.

  • كيف عرَّف بعض العلماء مفهوم المجتمع من خلال فلسفتهم:

يحمل المجتمع عبر التاريخ تعريفاتٍ ومفاهيم عديدة، من أهمها التعريف المعاصر للفيلسوف فرانز أوبنهايمر الذي عرَّف المجتمع على أنّه: مجموع المفاهيم الكلية للعلاقات الطبيعية والمؤسسات التي تجمع بين كل شخص وشخصٍ آخر، ويمكن تفصيل التعريف من خلال ما يعنيه أوبنهايمر بالمؤسسات؛ مؤسسة العائلة، السوق والمؤسسات التجارية، المؤسسات الدينية والخيرية، والعلاقات الطبيعية بين الأشخاص، ويمكن اعتبار أنَّ هذا التعريف، ساهم في إعطاء معانٍ عديدة تساهم في وصف المجتمع، منها معاني اقتصادية، وأخرى سياسية، ومنها يمكن النظر في أنَّ للمجتمع مقومات سياسية وثقافية ومادية. تعريف الفلسفة وربطها بالمجتمع الفلسفة(philosophy)  تعني حرفياً ولغوياً: محبَّة الحكمة، وتتعلق الفلسفة بكل ما يهم الإنسان، أثناء بحثه عن الحقائق الأساسية عن ذاته، وعن العالم الذي يعيش فيه، ومحاولته لفهم العلاقات التي تربطه بما حوله في العالم، ومن ناحيةٍ أكاديمية، فإنَّ الفلسفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتساؤل؛ أي طرح الأسئلة الأساسية حول الوجود، ومحاولة الإجابة عنها. وتنقسم الفلسفة إلى ثلاثة مجالاتٍ رئيسية هي: نظرية المعرفة، وفلسفة الأخلاق والقيم، والمنطق، وهذا كله يجعل الفلسفة مرتبطةً بصورةٍ مباشرةٍ مع الإنسان والمجتمع. مفهوم المجتمع في الفلسفة يعد مفهوم المجتمع أساسياً في العديد من مجالات الفلسفة، كالفلسفة الاجتماعية، والفلسفة السياسية، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة العلم، ونظراً لهذا التوسع في رصد المجتمع فلسفياً، فإنّه لا يوجد تعريف أو مفهوم محدد للمجتمع من خلال الفلسفة، ولا يوجد منهجٌ محدد، لكن توجد نظريات وفرضياتٌ فلسفية عديدة، تدرس المجتمع والأفراد، وعلاقاتهم بالغيبيات، والوجود. معلومات حول الفلاسفة يمكن طرح العديد من هذه المفاهيم حول المجتمع من خلال أمثلةٍ على فلاسفةٍ مختلفين، منهم: أرسطو يعتمد مفهوم المجتمع عند الفيلسوف اليوناني أرسطو على الأسرة، حيث يرى أنَّه لا بدَّ من اجتماع الذكر والأنثى من أجل تكوين أسرة، وهذا يعني برأيه، تكوين أول خليةٍ اجتماعية طبيعية تدعو إليها الطبيعة، أي أنَّ الدعوة إلى تكوين المجتمع، جزء من طبيعة الكائن البشري، الذي يحتاج أيضاً؛ إلى تقسيم العمل، والحماية، والقيام بالعديد من الوظائف، مما يجعل اجتماع أكثر من أسرة في تجمعاتٍ قرى، ومدن، مثالاً على الوحدات الاجتماعية التي يتشكل منها المجتمع، ويعتبر أرسطو أنَّ هذا المجتمع يقود إلى نشوء الدولة، التي من شروطها تأمين حياةٍ سعيدةٍ وفاضلةٍ للمجتمع وأفراده، وتركِّز فلسفة أرسطو حول مفهوم المجتمع أيضاً؛ على أنَّ كل فردٍ لديه غريزة التجمع، لأنَّ الإنسان برأيه: حيوانٌ اجتماعي، لا يتخلى عن حاجاته ورغباته التي لا تتحقق إلا بوجود أفرادٍ آخرين، وتقوم العلاقة بينهم على القانون وتحقيق العدالة. أبو نصر محمد الفارابي يرى هذا الفيلسوف أنَّ الإنسان مفطورٌ على الاحتياج، وهو يسعى إلى الكمال أيضاً، لكنه لا يستطيع تلبية رغبته بهذه الأشياء لوحده، بل يحتاج إلى قومٍ أو جماعة، من أجل أن يقوم كل منهم بأمر له، ولا يمكن للإنسان الوصول إلى الكمال، إلا من خلال اجتماعاتٍ (مجتمع) من البشر المتعاونين، ويركز الفارابي على أنَّ المجتمع فطرةٌ طبيعية قائمٌ على التعاون الذي يحقق مجتمع فاضل وسعيد، وهو بهذا رأى مفهوم المجتمع فلسفياً من خلال السعادة والتكامل في مدينةٍ كاملةٍ وفاضلة. ابن خلدون يعتبر هذا الفيلسوف وعالم الاجتماع صنف علم الاجتماع كعلمٍ مستقل، حاول تحديد معالمه من خلال الدولة التي عرفها على أنها الشعب أو الأمة الذين يشكلون بنظره المجتمع، حيث ركَّز على أطوارٍ أو مراحل بها المجتمع، فيبدأ المجتمع وجوده من خلال جماعاتٍ قبلية وبدوية مثلاً، لا توجد قوانين واضحة ومسجلة تحكمها، وهي تحكم نفسها من خلال عاداتها ورغباتها فقط، ثمّ تنتقل هذه الجماعات لتتحول إلى مجتمعاتٍ لها قوانين بعد أن تقوم بتشكيل دول، فتنتقل من البداوة إلى التحضر، ثمَّ تنغمس في الفنون والعلوم، حتى يصيبها الانحدار والسقوط. واتفق ابن خلدون مع فلاسفة اليونان على أنَّ الإنسان كائن مدني، وشرح في كتبه أنَّ المجتمع يمر بالظواهر البدوية والحضرية المذكورة، وفيه علاقات كسب وقوة وحكم، وقوانين بعضها طبيعي، وأخرى موضوعة نتجت عن المجتمع كضرورةٍ فرضها تجمع البشر، وتتمثل فلسفة ابن خلدون في مفهومه عن المجتمع في أنَّه يملك حركة طبيعية في الصعود والانحدار يمكن درساتها علمياً. ويرى جان جاك روسو هذا الفيلسوف الفرنسي. على أن المجتمع بدأ كحاجةٍ طبيعية، ناتجةٍ عن ظهور الأسرة أو العائلة، ويرى روسو أنَّ العائلة هي أول وآخر مجتمعٍ طبيعي، لكنها مثل المجتمع المتقدم الأكثر تنوعاً، لا تقوم إلا على الاتفاق، فإذا غاب الاتفاق تفرَّق المجتمع، مما يجعل وجود اتفاقٍ أو ميثاقٍ اجتماعي ضرورةً من أجل تحقيق المجتمع. أما في حال عدم تحقق هذا الميثاق، فإنَّ الأفراد سيتفرقون، ويرجعون إلى طبيعتهم الأولى، القائمة على العيش بفردية لا تمكنهم من البقاء، لأنَّ الأفراد بنظره لا يمكنهم إنتاج قوى جديدة، لكن يمكنهم الاتحاد والتعاون من أجل البقاء، وهو يرى في الأفراد أجزاءً، يشكلون المجتمع، حين يهب كل جزءٍ قوته إلى باقي الأجزاء، فيكتسب الجميع بذلك قوةً أكبر من قوة كل فردٍ على انفراد. إنَّ فلسفة روسو عن المجتمع هي فلسفةٌ سياسية، حيث يسمي اتحاد الأفراد أو الأجزاء في المجتمع: الجسم السياسي. جون رولز ينظر هذا الفيلسوف الأمريكي إلى أنَّ المجتمع هو العدالة، بمعنى أنَّ مؤسسات المجتمع جميعها يجب أن تكون عادلةً بالنسبة إلى جميع الأفراد بغض النظر عن عرقهم، دينهم، جنسهم، ومناطق سكنهم. وهذه العدالة بحسب فلسفته، كفيلة بتحقيق حياة جيدة وتشكيل مجتمع. وهو يعتبر أنَّ العدالة توجد من خلال جعل الحياة المدنية والسياسية حياةً عامة مكشوفة، لا مكان فيها لأوهام الأيديولوجيا ولا لحقائقها مما يساعد على تكوين مجتمع.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: