مام جلال أو الزعامة المؤسسة على التنوير والتثوير

 

مام جلال الطالباني

بقلم : شيرزاد اليزيدي
بدا المشهد أشبه بعائلة تفقد عميدها ( الأب ) فالحزن والأسى عم ( جنوب كردستان / كردستان العراق ) بل ومختلف أجزاء كردستان ذاك أن الرجل كان أكبر من أن ينحصر في حزب أو جزء من وطنه المقسم ولعل انتشار مجالس وخيم العزاء من مريوان في شرق كردستان ( كردستان إيران ) إلى عفرين في غربها ( كردستان سورية ) كان شاهداً على أن قائداً تاريخياً قد ترجل وأن المصاب الجلل قد وحد كردستان في حزنها وحدادها على رحيل مام جلال الطالباني الذي بات اسمه  رديفا للقضية الكردية وللمعارضة الديمقراطية العراقية منذ ما لا يقل عن ستة عقود وأكثر فالرجل الذي يعد جنباً الى جنب الراحل الكبير ابراهيم أحمد رائدي المدرسة الاشتراكية الديمقراطية في الحركة التحررية الكردستانية من خلال انفصالهما عن الحزب الديمقراطي الكردستاني أوائل الستينات على خلفية طروحاتهما المدنية واليسارية الرافضة لنمط القيادة التقليدية المحافظة المرتكزة الى ثنائيتي الدين والعشيرة تحول ذاك الى دينامو الحركة الكردية في العراق والمنطقة عامة وبخاصة بعد تأسيسه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 والذي سرعان ما أشعل فتيل الثورة الجديدة في كردستان بعد نكسة 75 أثر اتفاقية الجزائر المشؤومة والتي تكللت بتدشين التجربة الديمقراطية وأجراء أول انتخابات في اقليم كردستان عام 1992 وتبنى البرلمان المنتخب الصيفة الفيدرالية لحل القضية الكردية ما بات أمراً واقعا دستورياً بعد سقوط نظام صدام حيث كان الطالباني من بناة العهد الجديد وواضعي الدستور وليتم انتخابه ديمقراطياً كأول رئيس كردي للعراق .

على أن الطالباني لطالما سعى إلى توظيف مكتسبات الكرد في العراق وباعهم النضالي الطويل في سياق حل شامل للقضية الكردية لاسيما في الجزء الأكبر من كردستان فهو الذي شبه كردستان المركزية أي كردستان تركيا بالنسبة للكرد بمصر بالنسبة للعالم العربي لجهة مكانتها وتأثيرها ولطالما كان يعمل على بلورة حل ديمقراطي للقضية الكردية هناك بما ينعكس ايجاباً على وضع الكرد وحقوقهم في الأجزاء الأخرى فهو مهندس مبادرة السلام ووقف اطلاق النار الأول من قبل حزب العمال الكردستاني عبر المؤتمر الصحافي الشهير الذي عقده الزعيمان (أوجلان والطالباني) في سهل البقاع اللبناني عام 1993 مطلقين المبادرة الكردية للسلام .
ومع بدء الحراك الشعبي ضد نظام البعث وانتهاج الكرد لسياسة الخط الثالث الديمقراطية عبر النأي بنفسهم عن الانزلاق في أتون الحرب الطائفية الأهلية في سورية والتأسيس لإدارة ذاتية تشاركية بين مختلف شعوب روج آفا – غرب كردستان ( كردستان سورية ) ومكوناتها والتي تطورت إلى النسق الفيدرالي لشمال سورية ككل كان مام جلال مساندا لهذا التوجه الكردي في سورية وعلى هدي رؤاه اعتمد الاتحاد الوطني الكردستاني موقفاً سباقاً في دعم التجربة الديمقراطية في روج آفا بكافة السبل .
ومن نافل القول وبعيداً عن الوقوع في المبالغة يبدو واضحاً تماماً الرابط بين غياب مام جلال بفعل المرض عن الساحة السياسية وما عصف ويعصف بالعراق وبإقليم كردستان من مشكلات متفاقمة حيث أزمة تلو أخرى وهكذا دواليك وصولا الى ظهور داعش وتمددها ودخول العلاقة بين هولير ( أربيل ) وبغداد في نفق مظلم فضلا عن تصاعد النزعات الطائفية والمركزية في العراق واقصاء بقية المكونات الأمر الذي ما كان ليتطور بهذا الشكل الفج في ظل وجود زعيم ممسك بالزمام بحجم الطالباني الذي ليس عبثا ولا اعتباطا وصفه بصمام الأمان العراقي وفي المقلب الآخر في اقليم كردستان استفحلت الأزمة المركبة على وقع عدة عوامل من بينها وفي متنها ولا ريب غياب الرجل عن المشهد ليصل الأمر الى حد تعطيل البرلمان وتصاعد التنابذ السياسي الحاد مصحوبا بأزمة اقتصادية ومعاشية حادة .
فالرجل الذي وصل كثائر في قمم جبال كردستان الى قمة هرم الدولة العراقية كأول رئيس منتخب في تاريخ العراق وبفعل الكاريزما والتاريخ والمهارات القيادية والقدرة على حلحلة أعتى المشكلات والتوفيق بين الأضداد والمتناقضات أضفى دوراً أكبر على منصب رئاسة الجمهورية الذي هو في الواقع موقع تشريفاتي بروتوكولي أخذ أهميته من تبوء مام جلال له وليس العكس .

حزبه الذي كان سباقا في تبني شعار حق تقرير المصير للشعب الكردي والذي كان أول حزب طرح الفيدرالية كحل للقضية الكردية في العراق وطرح الكونفيدرالية في آخر انتخابات عامة عراقية ( نيسان – آبريل 2013 ) الا أنه كان مؤمنا تماما بالشراكة العربية – الكردية وامكانية بناء عراق جديد اتحادي ديمقراطي ولهذا قضى الرجل العقد الأخير من عمره النضالي في بغداد ما أثر سلبا الى حد ما على حزبه وعلى توازن القوى الداخلي مع منافسه اللدود الديمقراطي الكردستاني لكن في اطار التأسيس لدور كردي ملموس ووازن في مفاصل الحكم في بغداد وتكريس الشراكة والتعايش العربي – الكردي غلب الرجل المصلحة العليا لشعبه على مصلحته الحزبية .
عندما أصدر صدام حسين عفواً شاملا عن الكرد العراقيين أستثنى شخصا واحدا فقط من بين ملايين الكرد ألا وهو جلال الطالباني ودارت الدوائر وسقط نظام صدام شر سقطة وحٌكم الديكتاتور القاتل بالإعدام لكن مام جلال الذي بات رئيساً شرعياً ومنتخبا لجمهورية العراق رفض التوقيع على قرار إعدام صدام كونه يعارض مبدأ عقوبة الإعدام في تعبير مكثف عن المنظومة القيمية الحقوقية السامية التي سعى الرجل لمأسستها وحقنها في الاجتماع والسياسة العراقيين وفي مقدمتها قيم التسامح والحق والجمال .

مام جلال أو الكاريزما والزعامة المؤسسة على التنوير والتثوير جنباً إلى جنب بعيداً عن الشعبوية والدوغما والتأليه … لم ألتق به للأسف إلا مرة واحدة بحكم انشغالاته الكثيرة ووجوده غالب الوقت في بغداد خلال السنين الأخيرة لكنه قبل نحو عام من مرضه المؤسف كان قد سأل عني صديقه ورفيق دربه عمي يوسف ومناسبة السؤال كانت قراءته لمقالاتي وكتاباتي وإشادته بها في شهادة أعتز بها ما حييت .

 

مقالات ذات صلة

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه:


22212151