صدى الواقع السوري

ماذا فعل المربع الأمني بغربي كردستان

الجزء الخامس عشر
لتكالب الأحداث وللظروف الجارية عرضنا عن كتابة السلسلة بشكل مستدام، علماً أن غاية الحلقات هي تبيان الخلفية التاريخية السياسية وتراكماتها المؤدية إلى ظهور المعاناة والمآسي العديدة في حاضر غربي كردستان، والتي لا تزال السلطة الشمولية، وحاضرا بعض القوى العروبية الإسلامية تستند إليها للقضاء على الوجود الكردي وقضيته.
كنا قد توقفنا على بدايات المرحلة المسماة جدلا بالوطنية والتي لحقت خروج فرنسا وما خلفته من آثار، وما نبت على أطراف المستنقع العروبي الإسلامي، المختفي تحت الغطاء الوطني، من المفاهيم العروبية، المستمدة قوتها من الإسلام العروبي المتواجد في معظم المراحل السابقة.
بعد صراع طويل ما بين الكتل ذات النهج الوطني الإسلامي مع القومي، والمؤدية إلى انقلابات عسكرية متتالية واستقالات وأحيانا اغتيالات سياسية غير متوقعة لرؤساء حكومات غير مستقرة وضباط معروفين وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، كحسني الزعيم ومحسن البرازي، و سامي الحناوي في بيروت، والأخير كان ثائراً قوميا وسياسيا لدم البرازي من قبل أبن عمه حرشو، وغيرهم، في الفترة ما بين الاستقلال والوحدة مع مصر، تدخلت بشكل واسع مصر عبدالناصر والسعودية في توجيه بوصلة الانقلابات والحكومات السورية نحو البعد العروبي، وعملوا على تمييع المفهوم الوطني بين الشعوب المتعايشة ضمنها، فدفعوا بسوريا نحو الاتجاه العروبي الإسلامي، وساندوا الشريحة السياسية وبعض الضباط والمثقفين العروبيون بقوة لاستلام زمام الأمور في سوريا، وهي المرحلة التي نمت فيها النزعة القومية من قبل مفكرين عروبيين قبل التوجه نحو الوحدة، تحت تصاعد مفهوم تشكيل الوطن العربي المتصاعد، الذي كان عبدالناصر يحفزه لغاية شخصية أكثر منها قومية، ضمن شريحة سياسية تكالبت على السلطة في سوريا، وهي الدولة المتشكلة اعتباطيا من قبل فرنسا وبريطانيا، وبجغرافية تقبلها الكل على مضض، ومع تصاعد ثقافة الانتماء العربي بين شعوب سوريا والتي كانت تتحدث العربية دون شعور الانتماء حتى قبل فترة الاستقلال، فبدأ بعد الاستقلال وترسيخ السلطة يتشعب الفكر القومي بعنصرية، ونقب عن التاريخ لإظهار بنية لها، وعرض أسماء شهداء 16 أيار الذين واجهوا الاستعمار العثماني كأبطال للقومية العربية، وألغي عنهم صفة الصراع الوطني- المذهبي، علما أن جميع الجرائد والمجلات في تلك الفترة والتي كتبت عن جرائم جمال باشا وصفت الشهداء بالإعلاميين والسياسيين الوطنيين، دون ذكر العروبة، كمطبوعات دار الهلال ومنها مجلة الهلال والمصور وكل شيء والدنيا.
ورغم أن فرنسا وبريطانيا قسمتا جغرافية الشرق الأوسط حسب مصالحهم، لكن لم يتعرض لها أية جهة سياسية فيما بعد الاستقلال، وتقبلتها الأغلبية، وللتغطية أضفوا عليها مفهوم الانتماء للوطن، والكل يعلم أنه كان وطنا وهميا، قضي فيها على معظم المكونات القومية الأخرى غير العربية، والمذهبية غير الإسلامية السنية، ونتائجها تظهر بكل بشاعاتها الأن في المنطقة، تلقفتها وحفزتها حينها شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين العرب، وتوسعت على بنيتها حركاتهم السياسية، وركزت جل نشاطها في تلك المرحلة على نشر المفهوم العروبي وتمتين الفكر القومي، تحت أغطية عديدة منها الوطني، وركزوا فيما بعد على مفهوم الوطن العربي، بالتوازي مع إضعاف مفهوم الأمة الإسلامية. ولم تظهر حينها الحركات السياسية العروبية المنشأ عداءها للشعوب والقوميات الأخرى، ولم يثيروا مفاهيم الغاء الآخر والعداوة أو التفوق القومي، مثلما فعلتها الناصرية والبعث والسلطات الشمولية في الفترة اللاحقة وخاصة بعد الانفصال، والتي أصبحت تظهر وتنمو بشكل متسارع إلى جانب سيطرة مفاهيم الأمة الإسلامية على القوميات الأخرى، كالكردية، وسيادة الإخوة في الوطن الواحد. ورغم أن الذين تبنوا هذه الأفكار شريحة صغيرة في بداياتها، لكنها انتشرت بسرعة لوجود البيئة الملائمة، المتكونة على خلفية القرون التي سادت فيها الإمبراطورية الإسلامية شكلاً والعثمانية-التركية عملاً.
أدت الموجة القومية إلى انتماء الكرد السياسيين والشخصيات المعروفة، وجميع النواب الذين انتخبوا تحت الصفة الكردية في مناطقهم، إلى الكتل أو الأحزاب الوطنية أسما والعربية فعلاً. والموجة الاشتراكية بدورها ساهمت على تحجيم البعد القومي لدى شريحة واسعة من السياسيين الكرد، بعكس ما حصل في النسيج العربي، فخسر الكرد لفترة غير قصيرة، نمو الفكر القومي مقارنة بما كان يجري في سوريا.
لذلك وفي تلك الفترة لم يدخل برلمان سوريا، نائبا واحدا بالصفة الكردية، أو تحت الاسم الكردي أو منظمة أو كتلة كردية سياسية أو اجتماعية، ولم يقدم برنامج أو مطلب قومي كردي، على البرلمان أو على الحكومات المتعاقبة، ولا حتى التي كانت قادتها كرد. واستمرت المسيرة الكردية هذه على مدى عقدين من الزمن بعد الاستقلال دون رفع شعار قومي باستثناء محاولات بسيطة وهشة، مقابل ما كانت ترفع من الشعارات القومية العربية في كل المدن السورية والمحافل السياسية، من جهة والأممية أو الوطنية من جهة أخرى.
وللمقارنة بين شريحة الكرد المثقفون وسياسييهم مع أمثالهم من العرب، كانت العشائر الكردية ورؤسائها أفضل من العشائر العربية، الغائبة عنها الثقافة بشكل عام والقومية بشكل خاص، وهذه المفارقة الثقافية القومية، أدت إلى رد فعل عند السلطات العروبية، فأفرزت المراكز الأمنية وخصصت مؤسسات ثقافية وأمنية للحد من نمو الوعي القومي الكردي، وعدم خروجه من بوتقة الوعي القومي العفوي، وحشدت الجهود لتزايد الانتماء الوطني والديني عند الكرد مقابل تنمية الوعي القومي عند العشائر العربية. وأهملت عند عشائر الكرد أو غابت عن وعيهم، رغم بنية التفاوت الفكري الثقافي الاجتماعي والسياسي بين النسيجين، نزعة بناء كتل سياسية قومية كردية مماثلة لتلك المتشكلة عند القوميين العرب، وكانت هناك هوة بين مفهوم العشائر الكردية والمثقفين أو السياسيين الكرد، ولم يمثلوا دورهم بالوعي القومي مقارنة بالعرب.
وفي الفترة ذاتها كان هناك اختلاف ذاتي واضح، بين الشريحة الكردية السياسية المختلطة والسياسيين العرب في قاعات البرلمان أو ضمن حلقات الأحزاب الوطنية، كحزب الكتلة الوطنية، وكانوا يجدون ذاتهم في الوسط العربي الإسلامي أكثر وضوحا من الوسط العشائري الكردي العفوي، متناسين في كثيره، أثناء تواجدهم ضمن الحلقات السياسية تلك، القوة التي أوصلتهم إلى تلك القاعات، وأوجدتهم في ذلك الوسط، ونادراً ما طرحوا القضية القومية الكردية في تلك المجالس…
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
[email protected]

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: