مأساة الشعوب المغلوبة على أمرها واحدة وأساليب المحتلين أيضاً

بقلم: زكي شيخو

لاكثر من قرن والقضية الكوردية بكافة تجلياتها وتعقيداتها رغم التعتيم الاعلامي المقصود وتشويه حقيقته الوجودية من قبل اعدائه تتصدر المشهد الدولي الى جانب القضية الفلسطينية ومحور للنقاشات الساخنة في منطقة الشرق الاوسط ومادة للمقايضات في عملية الشبكة العنكبوتية للمصالح الاقليمية والدولية دون مراعاة لاصحاب الحقوق وشرعيتها او محاولة ايجاد حل جذري لهما من قبل المجتمع الدولي والاقليمي.

بقاء المعضلة الكوردية دون حل يؤثر بشكل مباشر على الامن والاستقرار الاقليمي وتوازناتها الاستراتيجية والجيوسياسية,واكثر الدول التي تحاول ابقاء هذه القضية دون حل هي الدولة التركية.

من هذه الشعوب التي تصادمت وتتصادم معها الدولة التركية منذ زمن طويل وحتى اليوم هو الشعب الكوردي سواءا قسم الذي إلحق ضمن اطار الدولة التركية الحالية او مع الذين بقوا في ظل الدول المجاورة لها,انها تعيش فوبية كوردية ترى فيهم عامل وجودها من عدمها,كما صرح اردوغان قبل يومين بأن وجود الكيان الكوردي في الشمال السوري يعني خطر على الامة التركية وهو بالنسبة لهم موضوع وجود من عدمه,لذا نرى دوما عداوة هذه الدولة تتصدر الدول الاخرى المغتصبة او المقسمة ما يسمى كوردستان على انفسهم وفق اتفاقيات عديدة لاكثر من خمس قرون منذ معركة جالديران 1514م وصولا الى لوزان مرورا بعدة اتفاقيات اخرى الذين انتجوا مجتمعين الحالة الكوردية الرهنة و رسمت مصير موطنهم.

منذ بدأ الكارثة السورية التي كانت عواملها الاساسية من بنية النظام المترسخ منذ اكثر من نصف قرن في هذا البلد تحت ظل سلطة حزب واحد لا يؤمن بالديموقراطية,ارادت الدولة التركية بقيادة رئيسها رجب طيب اردوغان وحزب العدالة والتنمية ذو التوجه الاخواني صوملة الوضع السوري الداخلي والاستفادة من تحطيم وتقزيم وتقسيم سوريا الى امارات اسلامية متطرفة تابعة لها والقضاء على جهات تقف في وجه تطلعاتها الاحتلالية واجنداتها الغير شرعية او من يظنهم تركيا خطرا على امنها القوموي.

اردوغان وحديثه عن ممر السلام والامن والاستقرار وسيادة الدول…

وفقا لعشرات التقارير والمعلومات الاستخباراتية والاعلامية الموثقة,حولت حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب اردوغان تركيا الى ممر لعبور عشرات الالاف من الارهابيين والمتطرفين والجهاديين القادمين من جميع قارات العالم الى الاراضي السورية بعد ان يتم تدريبهم وتمويلهم وتسليحهم من قبلها بحجة محاربة نظام الاسد وتحولت تركيا الى مرتع اساسي وبؤر لهؤلاء المسلحين,ارسلت الاف الاطنان من الاسلحة والمتفجرات والعتاد العسكري والذي تم استخدامها على الأراضي السورية بشكل وحشي أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من السوريين من جميع مكوناتها ودمرت البنية التحتية وتحول البلد نتيجة دورها السلبي إلى خراب وسالت أنهر من الدماء,للأسف انخدع الكثيرون بالخطاب الاردوغاني الذي وعد ان يحميهم من البراميل المتفجرة للنظام  لكنه قام ببيعهم في اقرب فرصة وقايض دماؤهم بدماء الاكراد,بالتأكيد هنا لا انكر جرائم نظام الاسد ومسؤوليته بالدرجة الاولى لما لحق بسوريا ودوره في قتل الشعب السوري لكن تم التسليط على جرائم النظام بما فيه الكفاية وثبت ذلك من خلال الاف الوثائق لكن هناك من شارك النظام الجرائم للاسف يتم التهرب من تسليط الضوء عليها كما هو الدور التركي والقطري والجماعات المتطرفة التابعة لهم.

منذ ما يقارب ثمان سنوات من الازمة السورية حاولت الدولة التركية القضاء على اي بوادر تنتج عنها مكتسبات مشروعة لصالح الاكراد او اعتراف من قبل النظام اوالمعارضة السورية بحقوق الشعب والمكون الكوردي,ذلك خوفا من انعكاس تلك الحالة على وضعها الداخلي وتعطي زخما اكثر لنضال الكورد في تركيا وتدحض حجج واهنة تستخدمها الاتراك للاستمرار في ابادة الكورد جسديا وثقافيا ومجتمعيا,لذا قامت بمساندة جميع المجاميع الاسلاموية الراديكالية والاطراف الشوفينية المسلحة للقضاء على ما تسمى التجربة الناشئة للادارة الذاتية من قبل الكورد وبعض حلفاءهم من المكونات الاخرى في مناطق شمال وشمال شرقي سوريا كالعديد من القبائل العربية والاشوريين والسريان والتركمان,للتذكير دعمت تركيا وشاركت بشكل مباشر المجاميع المتطرفة منها جبهة النصرة الهجمات على مناطق ذو الاكثرية الكوردية بدءا من مدينة سريكانية راس العين وصولا الى كوباني وتل حاصل وتلعران وبعض من احياء حلب وغيرها من مناطق كانت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكوردية او كانت على وشك لتكون تحت سيطرتهم كأعزاز وباب وجرابلس وذلك للقضاء على اي مقومات قد تمهد الطريق امام تشكيل كيان كوردي في تلك المناطق وتؤدي في النهاية الى تغيير خرائط دول,وعندما فشلت كل محاولاتها وجهودها العسكرية وتشتت جهودها الديبلوماسية لاقامة جبهة مكونة من اطراف دولية غربية وعربية لمشاركتها في هكذا مخطط تحت عنوان دعم الثورة السورية ودول المساعدة للشعب السوري ضد النظام السوري,قامت في النهاية بتحويل بوصلتها السياسية من الغرب التي دامت علاقاتهما حوالي ثمانين عاما لاعاقة التقدم الروس نحو منطقة شرق الاوسط في الدرجة الاولى نحو روسيا نفسها التي وللاسف فضلت كدولة برغماتية مصالحها على القيم الاخلاقية وحقوق الشعوب وفي اول فرصة للمقايضة بادلت منطقة عفرين التي كانت تعتبر ضن نفوذها في سوريا و كانت تدار من قبل ابناءها اغلبهم من الكورد وكانت تسكنها مئات الالاف من النازحين الذين كانوا ينعمون بالسلام والامن مقابل تفريغ مناطق واحياء دمشق وقلمون وحماة ودرعا من المقاتلين والمجاميع الاسلامية المتطرفة المأتمرين من قبل اردوغان ونظامه وتوطين هؤلاء في عفرين بعد ان تفرغها من سكانها الاصليين,في النهاية قامت الدولة التركية بعملية عسكرية كبيرة بمشاركة مجاميع اسلاموية متطرفة محسوبة على المعارضة السورية استخدمت فيها جميع الاسلحة العسكرية المدمرة والتكنولوجيا المتطورة واحتلت تركيا منطقة عفرين منذ ما يقارب سنة ونيف استباحت فيها كل شئ وهناك العشرات من الاثباتات الموثقة تثبت ان تركيا والمجاميع المسلحة المتطرفة مارسوا كافة وسائل الارهاب والرعب لافراغ عفرين من اهلها وتغير هويتها وديموغرافيتها ونهبوا املاك المواطنين وسرق املاكهم المنقولة والغير منقولة ومنتجاتهم الزراعية من الزيتون وفرض عليهم قوانين جائرة وضرائب كيفية ودمروا منازلهم ومزارعهم والاثار والقبور واغتصبوا وقاموا باغتيال العديد من المواطنين الابرياء وقاموا بتغيير الاسماء الكوردية التاريخية عبر عملية تتريك واسعة ودمروا المؤسسات التابعة للادارة الكوردية السابقة مما ادى الى النزوح والهروب الجماعي لسكانها امام امام مرأى ومسمع وصمت المجتمع الدولي والعالم الاسلامي.

اردوغان الذي تحول الى الموت الاسود والطاعون الفتاك في جسد الامة الكردية والسورية يدعي بوجود ممر ارهابي كوردي على حدود بلاده الجنوبية.

الطاعون الاسود تسبب في مقتل اكثر من ثلث سكان القارة الاوروبية في القرن الرابع عشر وكان وباءا قاتلا حصد حوالي 25 مليون شخص دون ان يدرك الناس سبب ذلك او لم يكن لها تفسير علمي في القرون الوسطى كان الناس يفسرونها على انها غضب الرب بسبب فساد البشر.

هل الاكراد اسرائيل ثانية ام هم يشاركون نفس مأساة فلسطين؟؟

دون ان انكر ما لحق بالشعب اليهودي عبر التاريخ من المعاناة القاسية منذ ما قبل النزوح من السيناء ومصر والتشرد و القتل والسبي والنفي في بابل وما لحق بهم من قبل الامبراطورية الرومانية ومن القسطنطين وشقيقه وصولا الى مأساتهم في اسبانيا والبرتغال ومحاكم التفتيش الى المحرقة الهتلرية ولا من حقهم في الحياة, لكن كل ذلك لم يكن يعطيهم الحق في ما قاموا به ضد الفلسطينيين,عندما قام الاسرائيليون بالاستيطان والتوسع في فلسطين و قتل الالاف وطرد مئات الالاف من اراضييهم والاستلاء على ممتلكاتهم المنقولة والغير منقولة وقامت بحرق مزارعهم واماكن مقدساتهم ومعابدهم وشرد اهلها,كانت تقوم بكل ذلك امام شبه صمت المجتمع الدولي,اضافة كان هناك دول تقدم المساعدة لليهود في مناحي عديدة سياسيا او تقوم بتسليح وتدريب الجماعات اليهودية المسلحة وتسهل عملية هجرة اليهود الى فسطين,وعند الضرورة كانوا يدعمون اليهود الاسرائيليين في الامم المتحدة,في المقابل رغم هزلية وضعف الموقف العربي والحالة المزرية لقواتها وتخلفها إلا ان العديد من البلدان العربية منذ ما قبل اعلان الدولة الاسرائيلية وحتى هذا اليوم ساندت ودعمت الفلسطينيين ووقفت الى جانبها في محطات كثيرة عسكريا واعلاميا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا,وتطورت لاحقا ان دعمتهم ايران وبشكل غير مباشر الاتحاد السوفيتي,على العكس الكورد الذين يكررون مقولة دوما ليس لهم صديق سوى الجبال و هذا ما يفعله الدولة التركية بحق اهالي عفرين بعد ان احتلتها.

بالرغم من قيام اسرائيل بخرق الاتفاقيات ونسفت جميع مشاريع الحل التي كانت تقدم من قبل الامم المتحدة و موفديها حول اقامة دولتين لليهود والفلسطينيين او دولة فيدرالية للشعبين في بداية الامر قبل الحرب العالمية الثانية او وضع المناطق المقدسة كالقدس تحت حكم وادارة وسيطرة الامم المتحدة وطرد الفلسطينيين من اكثر مناطقهم واستولت على اراضيهم ضمن الحدود التي رسمتها الامم المتحدة للدولة الفلسطينية وتستمر حتى اليوم لكن هناك العديد من القرارات صدرت من الامم المتحدة دعمت وتدعم اقامة الدولة الفلسطينية وتعترف بوجود الفلسطينيون ويستطيع الفلسطينيين على الاقل ايصال صوتهم الى المؤسسات الدولية والعالمية بينما الكورد ليس لهم اي سند قانوني شرعي ودولي يحمي وجودهم ويعترف بحقهم في الحياة واقامة كيان مستقل لهم وصوتهم مبحوح.

الحركة الصهيونية عندما باشرت ببناء مؤسسات دولتهم على ارضي تم تطهيرها من شعبها كانت تقوم بممارسات اجرامية ارهابية باسماء مجموعات مختلفة يهودية كالهاغانا وشترن و ارغون وغيرهم رغم تنصل المسؤولين اليهود منهم او عدم الاعتراف بهم او احيانا كان يتم محاكمة بعضهم لارضاء بريطانيا, لكن في حقيقة الامر من يتعمق في الموضوع يصل الى نتيجة مفادها ان هذه المجاميع المجرمة هم اللذين قاموا بتوسيع رقعة جغرافية اراضي اليهود على حساب الفلسطينيين العرب وقاموا باحداث تغيرات ديموغرافية كبيرة واستولوا على الاراضي والممتلكات وطردت مئات الالاف من الفلاحين بقوة السلاح ونشر الرعب بينهم عبر ارتكاب مجازر واعدامات والقتل بالسكاكين والسيوف والمسدسات واغتصاب النساء قبل قتلهن وحرقهن, كمذبحة دير ياسين وايضا اجرموا في مئات القرى والمدن حيث سلبوا ونهبوا وسرقوا,بهدف طمس هويتها الاصلية قاموا حتى بحرث اغلب المقابر وفلحت لاجل الزراعة ودمروا البنايات والجسور ومحطات ضخ المياة مما مهد طريق لاستمرارية الاسرائيل والحفاظ على هذه المناطق واعلان الدولة الاسرائيلية وعند تشكيل جيش الدفاع الاسرائيلي قاموا بحل هذه المجاميع المتطرفة وتم انضمامهم الى الجيش النظامي كان كل ذلك نتيجة وعد بلفور

و هذا ما فعلته الدولة التركية منذ اكثر من قرن بعد اتفاقية سايكس بيكو و اتفاقية لوزان المشؤومة لعام 1923 في المناطق الكوردية في شمالي كوردستان عبر سياسة الارض المحروقة لم تسلم منها لا القبور ولا الاثار والمزارع ولا الحجر والبشر,دمرت الالاف من القرى وهجر اكثر ن 7 ملايين كوردي من مدنهم وقراهم وقامت بتتريك اسماء القرى والمدن الكوردية ومنع الاسماء الكوردية لابناء الكورد وحظر اللغة والثقافة الكوردية ومنع التعلم باللغة الكوردية وحظر عليهم تشكيل الاحزاب السياسية والمؤسسات والجمعيات التي تهتم بالشؤن الكوردية,كل ذلك تحت طائلة العقوبات القانونية القاسية واعدم وقتل مئات الالاف من ابناء الشعب الكوردي وقمع انتفاضاتهم بشكل وحشي ومارست هذه الجرائم احيانا بيد منظمات اجرامية مجهولة كحزب الله وحماة القرى والكونتركريلا والميت.

كانه لم تكفي ما فعلته تركيا باكراد الواقعين تحت احتلالها قام اردوغان وجيشه بالهجوم على اكراد سوريا في منطقة عفرين بمشاركة واستخدام اخوات هاغانا وشترن وارغون من مجاميع متطرفة لكنهم يختفون تحت ستار الاسلام وينتمون للمعارضة السورية و يرفعون شعاراتها واليوم يريد اردوغان اعادة التجربة نفسها في مناطق ذو الاكثرية الكوردية الواقعة شرق الفرات يهدد بإبادتهم وتطهير ارضهم من سكانها الاصليين واستبدالهم بالنازحين والمهاجرين السوريين.

اللغة التي يتكلم بها والمصطلحات التي يستخدمها اردوغان ضد الشعب الكوردي في قرن الواحد والعشرين كالقول اما ان يتم ابادتهم او يقبلون بالذل والاهانة والاستعمار امام صمت العالم اجمع يجعلنا نتسائل عن حقيقة انسنة المجتمع الدولي,وللاسف هناك الملايين من المسلمين من الذين يصفقون لكلامه هذا بحق شعب مسلم آخر وكانهم يعيشون غيبوبة وتخدير فكري وعقلي ويصرح ذلك علنا امام المجتمع الدولي والعالم الاسلامي دون ان يرد عليه احد بالقول ما بالك يا رجل,فحتى القبائل البربرية اكثر منك تسامحا وتحظرا.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: