كيف سيؤثّر الاتّفاقُ الإسرائيلي الإماراتي على الوجود الإيراني ويُهدّد مصالحها في المنطقة ؟

اتفاقية “إبراهيم” تُهدّد سنوات من خطط السياسة الخارجية في طهران. فعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثالث عشر من شهر آب الماضي هذه الاتفاقية، التي طبّعت العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، اعتبرتها طهران تهديداً خطيراً وإشارةً إلى حدوث تغيير في الاستراتيجية الإيرانية لا مفر منه.

وأدانت الخارجية الإيرانية الاتفاقية المذكورة في اليوم التالي لتوقيعها، واصفةً إياها بـ «الحماقة الاستراتيجية» وبأنها طعنة إماراتية في ظهر الشعب الفلسطيني. كما أصدر الحرس الثوري الإيراني في اليوم التالي بياناً نارياً وصف فيه التطبيع بـ «الحماقة التاريخية» التي سوف تؤدي إلى مستقبل خطير لقيادة الإمارات العربية المتحدة.

من جانبه، أعرب الرئيس الإيراني حسن روحاني في اليوم ذاته عن استياءه واصفاً الاتفاقية بأنها «خيانة»، محذراً من تغيير طريقة التعامل مع الإماراتيين إذا ما سمحوا لإسرائيل بوضع موطئ قدم لها في المنطقة.

وتكمن مخاوف إيران العميقة بشأن التقارب الإماراتي الإسرائيلي من إمكانية ترسيخ موطئ قدم للأخيرة في الجوار المباشر لإيران. ففي الحقيقة، منذ اندلاع ثورة 1979، التي تمخضت عنها الجمهورية الإسلامية، أمدّ الانقسام العربي الإسرائيلي بشأن فلسطين المؤسسة الثورية الإيرانية بالذخيرة السياسية في حملتها الأيديولوجية ضدّ إسرائيل وأميركا.

إلا أن الأهم من كل ذلك بالنسبة للأمن القومي الإيراني هو أن العداء أو التباعد بين العرب وإسرائيل كان أشبه بحصن جيوسياسي طبيعي يعمل على حماية المصالح الإيرانية من الحملات الإسرائيلية الأميركية في منطقة متنافس عليها.

وبالتحديد أكثر، اعتمدت طهران منذ فترة بعيدة على العداء العربي الإسرائيلي كحاجز أمن عضوي ليس فقط لمنع عدوها اللدود إسرائيل من الترسخ في محيط إيران على المستوى الجغرافي، وإنما أيضاً لتعزيز سياسة “العمق الاستراتيجي” الخاصة بها عبر الشرق الأوسط براحة وفاعلية نادرة.

وفي الأدبيات الأمنية العسكرية الإيرانية، يُطلق على “العمق” الاستراتيجي (omgh) أيضاً اسم “الدعم” أو “السند” (aghabeh). ويشير إلى القدرة على الاقتراب من أرض العدو قدر المستطاع في حالة النزاع.

ويهدد التطبيع اليوم بين الإمارات وإسرائيل، والذي ينص من ضمن الأمور الأخرى على التعاون المنهجي وتبادل المعلومات بين الطرفين ضد خصميهما المشترك، بخرق المنطقة العازلة الطبيعية لإيران مع إسرائيل.

وكانت طهران قد أبدت في السابق عزمها على حماية هذا العزل. ففي أيلول من العام 2017، ألقى الحرس الثوري الإيراني بثقله خلف الحكومة العراقية لرئيس الوزراء حيدر العبادي آنذاك لإحباط محاولة حكومة إقليم كردستان الاستقلال، بعد استفتاء محلي لصالح دولة كردية مستقلة.

وفي ذلك الوقت، هدد قاسم سليماني، قائد فيلق القدس آنذاك، مراراً وتكراراً بإرسال قوات شبه عسكرية مدعومة من إيران إلى جانب قوات الحكومة العراقية إلى مدينة النفط كركوك إذا ما لم ينسحب المقاتلون الأكراد منها.

وكان الدافع الرئيسي لمحاربة طهران الشرسة لاستفتاء الاستقلال، هو مخاوفها من أن إسرائيل، التي أيدت المبادرة، سوف تفوز بموطئ قدم لها في شمال العراق نتيجة لذلك.

ومن المرجّح أن يعرّض التحالف العربي الإسرائيلي الجديد إيران، لمزيد من حملات الضغط والعمليات الأمنية والاستخباراتية من قبل خصومها.

وتجلّت نقطة الضعف الحالية لإيران في شهر شباط 2018 عندما تمكّن فريق من عملاء الموساد بنجاح بانتزاع ما يزيد عن نصف طن من الوثائق النووية البالغة السرية من منطقة غامضة في طهران ونقلها إلى تل أبيب، بحسب تسريبات في المخابرات الإيرانية.

لكن هذه التصدعات في الحاجز الأمني الإقليمي لإيران، من شأنها أن تجعل سياسة “الضغط القصوى” التي انتهجها ترامب في شأن الخنق الاقتصادي ضد طهران أكثر فاعلية وتأثيراً من حملة العقوبات التي انتهجها سلفه.

كما يساعد التعاون العربي المتزايد الأخير مع إسرائيل والولايات المتحدة على عرقلة القنوات المالية السرية وصمامات الأمان التي تستخدمها السلطات الإيرانية ومؤسساتها للتهرب من العقوبات الأميركية.

من جهة أخرى، فإن التحالف العربي الإسرائيلي الناشئ، والمتمثل بالتطبيع الإماراتي الإسرائيلي، ينذر بشكل سيء بالسعي الإيراني الناجح إلى العمق الاستراتيجي عبر الشرق الأوسط.

وبحسب مصادر إعلامية في تركيا، المنافسة الرئيسية للإمارات العربية المتحدة والمعارضة لتقاربها مع إسرائيل، فإن الإماراتيين يوفرون لإسرائيل فرصة مميزة لإقامة “قواعد تجسس” في جزيرة سقطرى الواقعة جنوب اليمن والتي تسيطر عليها الإمارات.

وقد يؤدي تسهيل الإمارات للانخراط الأمني الإسرائيلي في خليج عدن إلى تأجيج التوترات الباطنية طويلة الأمد في المنطقة حتى بعد انتهاء حرب حلفاء إيران الحوثيين ضد القوات السعودية فعلياً.

وقد ظهر بالفعل نوع مماثل من العداء الخفي بين إيران وإسرائيل في أجزاء من إفريقيا، حيث يفضل الشركاء العرب بشكل تقليدي إسرائيل على إيران.

وإذا ما كان للتاريخ الحديث أي تأثير، فليس هناك سبب للاعتقاد بأنه لن يكرر نفسه في القرن الإفريقي وبحر العرب، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى بالنسبة لطهران.

وبعد كل ما سبق ذكره، من المحتمل أن يؤدي الاختراق الدبلوماسي بين الإمارات العربية المتحدة و إسرائيل إلى تفاقم تصور طهران الحالي لـ “الحصار الاستراتيجي”، ما قد يدفعها إلى التصرف بشكل أكثر عدوانية مع قدر أقل من ضبط النفس مع دول الجوار.

وربما كان هذا ما يقصده رئيس الأركان الإيراني، باقري، من خلال “حسابات مختلفة”، ما لم يتم وضع استراتيجية لحفظ ماء الوجه وكسر حلقة المواجهة المستمرة.

المصدر: (Foreign Policy)

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: