كردستان بعد الاستفتاء

شيرزاد

 بقلم : شيرزاد اليزيدي

ليس للكرد أصدقاء سوى الجبال … مع النتائج الكارثية للاستفتاء الارتجالي وغير المدروس باشور – جنوب كردستان ( كردستان العراق ) عادت هذه اللازمة التي لطالما حفرت وعن حق في الوعي الجمعي الكردي لتطفو على السطح مجدداً وكان آخر من أعادها للتداول رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السيد مسعود البارزاني غامزا من قناة أميركا خاصة على خلفية الموقف الأميركي الرافض للاستفتاء .
ليس سراً أن القضية الكردية باتت خلال العقود الأخيرة على رأس الأجندة الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق وحققت الحركة التحررية الكردستانية مكتسبات كبرى لاسيما في العقد الأخير بحيث بات الكرد بيضة قبان المشروع الديمقراطي في الشرق الأوسط وسيما في البلدان الأربع التي تقتسم بلادهم وقد تبلور هذا الصعود الكردي مع موجة التحولات والتغيرات التي عصفت بالمنطقة مع بدء الحراكات والانتفاضات الشعبية ولا نقول الثورات كونها بدت أقرب الى ردود فعل وانفجار احتقانات متراكمة غير مؤطرة بمنهجيات ديمقراطية ما أفضى بالضرورة الى ما أفضى اليه من ضياع أو لنقل تأجيل لحلم التحول الديمقراطي ومراوحة شعوب المنطقة ودولها بين ثنائيتي – سلطتي : الجزمة العسكرية والعمامة الدينية وعموما هذا بحث آخر.

وعليه فمن بين أربعة أجزاء بات الكرد يديرون أنفسهم بأنفسهم في جزئين من بلادهم في العراق وسورية فبعد نحو ربع قرن من تجربة كردستان العراق ومع انطلاق ثورة روج آفا كردستان ( كردستان سورية ) ودخولها مرحلة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي مهدت لفيدرالية شمال سورية الماضية قدما في بلورة هياكلها القانونية والادارية والسياسية معززة بذراعها العسكرية والدفاعية : قوات سورية الديمقراطية وأمام هذا الواقع الجديد وانكفاء الدول المقسمة لهم ودخولها في صراعات داخلية وبينية على وقع الحرب السورية وتصاعد التنابذ المذهبي السني – الشيعي تحول الكرد الى لاعب رئيسي في المعادلات الاقليمية والدولية عبر ريادتهم الحرب على الارهاب ولعل كوباني والرقة تختزلان طبيعة الدور الكردي المحوري في الحرب الكونية هذه .

فمع كل هذا التطور الهائل للقضية الكردية وخروجها من القمقم الاقليمي والذي عكر صفوه تفاقم الأزمة القانونية والسياسية والاقتصادية في كردستان العراق خلال الأعوام الأربع الأخيرة خرج الحزب الديمقراطي الكردستاني بفكرة الاستفتاء ومارس سياسة المزاودات والابتزاز عبر استغلال عواطف الناس ما أضطر بقية القوى السياسية وعلى مضض لمجاراة البارزاني رغم تحفظاتها وملاحظاتها فالاستفتاء بدا كقفزة في الهواء وكمحاولة من البارزاني للتغطية على الأزمة المركبة التي يعيشها اقليم كردستان على وقع سياساته بالدرجة الأولى سيما مع انتهاء مدته القانونية في رئاسة الاقليم ولمحاولة تسجيل أمجاد شخصية وحزبية دونما قراءة واقعية وعقلانية للوضع وللتداعيات رغم الرفض القاطع حول العالم والمحاولات الأميركية خاصة لتقديم البدائل الدولية وبإشراف من الأمم المتحدة لرعاية واطلاق عملية حوارية شاملة لحلحلة كافة الملفات العالقة بين بغداد وهولير ( أربيل ) لكن البارزاني وكجاري عادة الزعماء الفرديين وبكم هائل من الغرور والمقامرة بشعب وتجربة بأكملهما رفض البديل الدولي مكملا مغامرته والنتيجة كانت ما كانت من تبديد لآمال الكرد بل ومحاولة كسر هيبتهم ودورهم وهنا فأن علامات استفهام كبرى ترتسم لماذا حدث ما حدث ؟ رغم ما كان يتمتع به الاقليم من وضع شبيه بالدولة المستقلة تمت العودة الآن الى ما قبل سقوط نظام صدام فما كان بامكان الاقليم تحقيقه عبر الاستجابة للوساطات الدولية قبل الاستفتاء أكبر بما لا يقاس من الآن حيث تتصاعد نشوة “النصر” في بغداد ويتصاعد النفس العنصري الاستعلائي في التعاطي مع القضية الكردية بل وثمة محاولات للنكوص عن الدستور حتى لجهة المساس بحقوق الكرد المثبتة دستوريا وبدفع مباشر من طهران وأنقرة

أميركا لم تتخلى عن الكرد كما يدعي حزب البارزاني فالموقف الأميركي كان واضحا ًمنذ البدء في رفض الاستفتاء والدعوة أقله الى تأجيله وقد أبلغت واشنطن البارزاني وعبر مبعوثها الدولي للحرب ضد الارهاب بريت ماكغورك أنها لن تتدخل حال تطور أي عواقب على خلفية المضي في الاستفتاء فمن يعيد الكرد للوراء ويحشرهم في ثنايا الجبال وينفر أصدقائهم ويوحد أعدائهم هو البارزاني وحزبه اذ أن ممارسة السياسة بنرجسية مفرطة ووفق عقلية قوموية قروية وقبلية وسط هذه الظروف الذاتية والموضوعية العاصفة حصادها ما حل بالإقليم وبعموم المناطق الكردستانية الخاضعة للتعريب من كارثة لا تقل البتة عن كارثة انهيار الثورة الكردية عام 1975 .
وعوضا عن تدارك الخطأ وتصويب الوجهة وتحديد المسؤوليات وتحملها بروح نقدية يتم اللجوء الى اللطم والندب والحديث عن لعنات التاريخ والجغرافيا وعن خيانة الدول في مشارق الارض ومغاربها للكرد الذين لا أصدقاء لهم الا الجبال وكفى الله الكرد شر القتال بمعنى أن حتمية تاريخية وقدرية ربانية قضت أن لا أصدقاء لهم ما يعني انتفاء حاجتهم لممارسة السياسة والدبلوماسية …
لا شك أن الاحاطة بخلفيات قرار اجراء الاستفتاء في هذه الظروف وكواليسه ستكشف الكثير من المستور ومن القوى والأدوار التي ساهمت في انتاج واخراج هذه التراجيديا بهدف ضرب الدور الكردي الوازن في معادلات دمقرطة المنطقة ومكافحة الاستبداد والارهاب بحيث بات الحل العادل للقضية الكردية مفتاح تكريس الديمقراطية والتنمية والسلام .

مقالات ذات صلة

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه:


22212151