صدى الواقع السوري

فنُّ الغناء في غياب ممثليه

فنُّ الغناء في غياب ممثليه

تكريما لـ كريم كابان*                 بقلم :    سامي داوود

ما هو الغناء.؟

يلمسُ الإستفهامُ المتعلقُ بماهية الغناءِ الأصول البدائية لتحول الصوت إلى تعبيرٍ مضاعف. خارج الحاجة الوظيفية للإشارات الصوتية المجردة التي أسست لغات إصطلاحية مختلفة. سؤال يجعل فنَّ الغناء يتأمل أصله الذي هو ضرورته.  و يفتح لناَّ منفذا نحو عُمق الإنسان الذي نوَّع في أساليبه التعبيرية عن وجوده، ليجّعلَ وجودَهُ مُعبِراً عنه بكامل ثرائه. غنى نائحا على موتاه. و ألّبَسَّ تبجيله لمقدسه نغما ليضاعف بها ما يقوله فيما يقوله. و هكذا التمَّس وجوداً نغمياً للكلمات التي باتت تكتسي بالصوت الترنيمي ما يجعلها محسوسة كأنما ه مُعاشة.

يقترب هذا الكلام تقنيا من مفهوم الإفهام موسيقيا، المتعلق بالدقة الأدائية التي من خلالها يقوم المغني بدوره التوسطي في أيصال الحالة التعبيرية للأغنية إلى متلقيها بأمانة مقامية جيدة. مثل احتراف مهني لأداءٍ صوتي ما. لكنني أستفّهِمُ حول الفَّرادة الأدائية التي تصل بالأغنية إلى اقصى مُمكانتِها التعبيرية و أكثرها ثراءا نغميا. تلك الفَّرادة التي تطبع الأغنية بكيان مؤدِّيها و تجعلها حاضرة في جسده المأخوذِ بها. فيكون المغني بذلك أغنيةَ الأُغنية قياسا على حالة هولدرلين الذي وصفه هايدجر بأنه قصيدةُ القصيدة.

جماليا يستدعي هذا الأمر بُنية للأغنية خارج إطارها القالبي. بنية لصيقة بالمغني أو المغنية كأنها هيكل عضوي يضفي على جمال الكلمةِ و جمال اللحنِ المُنَّسق بدقة مقامية مع الحالة الشعورية للكلماتِ ، يضفي عليهما جسد المغني الذي يبّرز صوتيا كل الأصوات الضمنية المختزنة داخل حساسية التعابير. من خلال تثنية المقام اللحني بإضافات صوتية صغيرة و تهدجات خفيفة أو إطالات صوتية تسحب إلى الصوت و هو يمَّتد، تسحب إليه تفاصيل أخرى تجعل من مساحة الصوت مشحونة بأصوات تُدخل إحساسات مضاعفة إلى الدرجة الصوتية الأساسية. فالمغني يُمَنتجُ بالصوت المستويات النغمية لمَخرجِ كلّ حرف بما يجعلها تركيبا حسّيا للإنفعالات التي تجد في معادلها الصوتي تجليها المحسوس.

إذاً. أثمة أغنية مستقلة عن مُغنيها.؟ أم أنَّ الأغنية برحيل المغني تفّقِدُ معبرها الدقيق لبناء انفعال  هجين من نبرات شعورية متعددة. يتأرجح الأداء الغنائي بين هذين المستويين. و يتعين خارج كل مُسمّى قالبي. إذ لا يتعلق الأمر بأشكال موسيقية غنائية كالمقامات أو القدود أو الموشحات. بل بنسيان و نزع الأطر القالبية عن الأداء،عبر تفريد الغناء بتركيب صوتي خاص يُعدِّلُ في درجة الدرجة الصوتية و يشدُّ فيها حسية صوتية خاصة. لذلك يَجد المُغنون شبهُ استحالة في تعديل البناء الصوتي لأغنيةٍ يعيدون تقديمها، و يحرصون كلَّ الحرصِ على الحفاظ على بنّيتها الزمنية الأصلية أو الإقتراب منها تقطيعا و مسافة في أحسن الأحوال. و هذا ما يجعل من النُسَّخ الصوتية لأغنية ما، مجرد تكرار و تأكيد على بلاغة الأصل و صعوبة إعادة إظهار الأغنية في معادلات صوتية مختلفة عبر تكرار الأغنية ذاتها.

يجد ما تقدم تمثيله في حالة المطربة السورية الأرمنية “رُبىَ الجمال”[2]. هذه الفنانة التي قدَّمت أغاني أم كلثوم و أسمهان دون أن تكرِّرهما. بل و إنَّما قدَّمت ممكنات صوتية أخرى لتلك الأغاني. و وصلت بالأداء الغنائي لمجالات تعبيرية دقيقية جداً. كانت و هي تغني تستغرق كليا في الأغنية و تتشرَّب بمعنى الكلمات لدرجة ٍ جعلتها تتمكن من أن تمّنحَ كل كلمة إحساسها الخاص المتسق بدقة شعورية مع حالة الجملة الشعرية؛ إضافة بلاغية حسية لصوت الكلمة خارج رتمها المقامي. لذلك كانت رُبىَ دائما هي نفسها البنية النغمية المضاعفة للأغنية. و هو الأمر الذي جعلَّ وديع الصافي الذي قدَّم معها المسرحية الغنائية ( مجنون ليلى )، جعله يتألم  و يُرّبِتَ على كتفها مراراً من شدَّة جمال أداءها لتلك المقطوعات. خصوصا و هي ترنِّمُ المقطع الذي تقول فيه على لسان ليلى : ”  عفراء…خذي وعاءً و املأيه لإبن عمّــــي حَطبَ”. إذ جعلت رُبىَّ من الحطب جسداً ملتويا مثل ليلى. استثمرت رُبى الجمال أغاني أم كلثوم و أسمهان الطربية و المتحررة من القيود الموسيقية الكلاسيكية ـ خصوصا تلك التي لحنها عبد الوهاب و السنباطي ـو وجدت في تلك الأغاني مجالا رحبا لأن تُظهِر من خِلالِ هذه المادة الثَّرية قُدراتِها الغنائية الفريدة و المختلفة.

نفترضُ إمكانيةَ استقلال الأغنية عن الأداء بافتراض إمكانية وجود بناءات صوتية أخرى، يكون في مستطاعها أن تمَّنح الأغنية مُعادلا صوتيا مختلفا. و هو ما يجعل من الأغنية محسوسة أكثر أو أقل وفقا لتباين القدرة الأدائية لكل مغني. فجملة الأحاسيس المعقدة التي تمتلكها كل أغنية، قد تعبر إلينا أو قد تغيب وفقا لدرجة الحساسية النغمية لمعبرها الصوتي إلى المستمع، الذي يجد في كل تجربة جمالية صوتية مرادفا صوتيا لتجربة شعورية عاينها دون أن يعبِّر عنها بنبرتها الخاصة. أو لم يعرف كيف يمنح انفعاله أيقاعه الخاص. فظهر كلامه و كأنه لم يقل شيئا.

إنَّ الغناء عملية بناء رفيع للحال الصوتي الذي يمنح الكلمة وجودها المحسوس. عبر تجسيد الوضعية الشعورية و انعكاسها الجسدي في درجة الصوت. فالنبرة ليست تعديلا في مسار الهواء، بل تحولا في انقباضات عضلية تحت ضغط انفعالي شديد .لذلك تشدُّ نبرة الصوت هيآت جسدية و وضعيات إنفعالية تجعلها محسوسة في تركيب النبرات المتعددة التي يجعلها المغني حاضرة في كيانه الصوتي؛ إرتجاجا في تردد العبارة المختلجة، أو في بحَّة ضعيفة تُبرزُ العُمق الذي بَلَّغهُ الألمُ و الوهن الذي نال الجسد. في البهجة التي تقطع الكلمة إلى أحرف حركية راقصة…و هكذا دواليك. يبني المغني للكلمات جسدا حسيا متعينا في التقطيع الصوتي و في النبرات المتعددة التي يستدعي من خلالها وضعيات شعورية و خبرات إنفعالية معقدة. إنه امتياز فريد لا يملكه إلاَّ قلَّة قليلة، تزداد انقراضا كلما تمثَّل الغناء لقيم السوق الذي جرَّد ـ على غرار ما يفعله في كل مجال يقتحمه ـ  جرَّد الغناء من خواصه الحسية و التعبيرية. و بذلك تكون الأغنية المعاصرة خارج اعتبارات ما تقدم من تحليل.

تجربة المغني الكردي كريم كابان

إنَّ ثراء الأغنية الكردية  يجعلها عصّية على أن تكون ممثلة بشخصية مطرب أو فرقة ما. و كريم كابان هو أحد الأصوات المؤسسة لهذا الثراء. لذلك شكل رحيله قبل أيام ( 14/1/2016) غيابا لأحد أهم المعالم الغنائية في كردستان العراق.

كريم كابان سليل عائلة غنائية بامتياز. فهو شقيق المغني الكردي قادر كابان الذي اختفى منذ ثلاثة عقود في سجون البعث و لم يعثر على رفاته حتى الآن. و هو والد شوان كابان الذي أصدر ألبوما غنائيا واحدا و ترك الغناء.

امّتازَ الراحل كريم كابان بفرادة التركيب الحسي في صوته دون تكلُّف. مستثمرا طبيعة صوته الرخيم لتأسيس التصعيد الشعوري بترتيب رفيع و متقارب لدرجات صوتية لا متمايزة تقريبا، إلاَّ أنها تمرِّر التصعيد الصوتي برفق، لسحب الإنفعال التعبيري الذي تقترحه الأغنية مقاما و كلمات و يغدو حيَّا و محَسوسَّا في صوته. نبرات متقاربة يكون تفاوتها التفاضلي سُلَّما لعبور الشعور إلى منتهاه التعبيري. أو يُزامن أيقاعيا نبرات متباينة بترديده للجملة ذاتها في مستوى صوتي واحد. تكرار الجملة ُ ذاتها لتجسيدها في حالات مختلفة و محتملة للعبارة نفسها. إكساء العبارة صوتيا بحالات جسدية معَّدلِةَ لهيئة تلفّظ العبارة. وهي حالة كانت موجودة أيضا لدى أم كلثوم التي كان رياض السنباطي يلِّحُ عليها أن تنوّعَ في درجة صوتِها و تُعدِّلَ في نبرتها و هي تكرر الجملة ذاتها مرات عدّة. فكان التكرار تنويعا أيقاعيا و تكثيفا شعوريا و تعددية حسَّية  لوَقعِ العبارة في متلقيَّها.

يُضمن كريم كابان في صوته ما يمكننا تَسميته بالشعور العاري للعبارة. أي أنه يتمَّكن من أيصال المحتوى الشعوري حسيا إلى متلقيه حتى لو لم يفهم المتلقى محتوى الكلمات التي يقولها. الأمر الذي جعّلَ أغانيه تنتشر في أوساط غير كردية أيضا. إذ أنَّهُ يمنحُ الكلمة معادلها الحسي، ليس فقط من خلال إلتزامه مقاميا باللّحن. فهذه مسؤولية الملحن و الموزع الموسيقي، بل عبر النبرات الأكثر التصاقا بوضعيات جسدية إنسانية و برقة متناهية.

فالغناء يمنح ُ الإنفعال دونَ أن يكون مُحدداً بانفعال  ما. و قد كان كريم كابان معلما في ذلك. و في هذا المستوى يمكننا مقاربته بالمطرب الطاجكي ” دولتمند “[3] الذي بَلَّغَ بأدائه لمستويات تعبيرية فَذَّة. مَكنَّتهُ من تحويل الغزليات الصوفية إلى صوت محسوس في كل عاشق. فكلاهما ـ كابان و دولتمند – كانا يكسِّران الصوت بارتجاجات هادئة تجعل من النبرة تركيبا لطبقات صوتية كأنها حشرجات. و استثمرا بحَّة صوتهما كفاصلات خفيفة تبنِّين الحالة الجسدية للتعبير الصوتي. مع فارق أنّ دولتمند حوَّل تكرار الكلمة إلى جملة كاملة وجعلها بحدِّ ذاتها مستقلة دلاليا. كأغنيته ” دور مشو” لقصيدة مولوي جلال الدين الرومي الذي كتبها عن غيبة رفيقه شمس تبريز .

ذاعَّ صيتُ كريم كابان خارج كردستان و لَقيَّ حفاوة أكبر بكثير من مكانته في مجتمعه بمدينة السليمانية. لكن. و مشيَّاً على خطى المجتمعات الشرقية في تبجيلها للموتى . لاقى خبر وفاة كريم كابان اهتماما جماهيريا كبيراً. إلاَّ أنَّه في حياته، و رغم مكانته الفنية الرَّفيعة، تعرَّضَ لسوء تقدير غير مفهوم. كيف يمكن لمدينة تدَّعي أنَّها عاصمةُ الثقافة في إقليم كردستان أن تُهين مبدعيها بهذه الطريقة.

هوامش:

[1] كريم كابان: مغني كردي من مدينة السليمانية بكردستان العراق. 1927/ 2016 تولى رئاسة قسم الاذاعة الكردية في بغداد سنة 1945، وقد سجل اول حفلة في بغداد في 1 / 7 / 1945.

[2]ربى الجمال: مطربة سورية أرمنية ( 1966ـ 2005) من أهم الأصوات الطربية التي ظهرت في العقدين الأخيرين. اسمها الأصلي  “زوفيناز خجادور قره بتيان” . ماتت بطريقة غريبة لخصت علاقتها بالغناء. تضايقت من عدم مجاراة الفرقة الموسيقية لها في آخر حفلة قدمتها. تركت المسرح. و من المسرح إلى المشفى و منه إلى المقبرة.444

[3] دولتمند خُلف: مطرب صوفي من طاجكستان. يؤلف و يعزف على عدة آلات وترية خاصة بموسيقا جنوب طاجكستان. اشتهر بتلحينه للقصائد الصوفية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: