صدى الواقع السوري

#فدنك_نيوز: الكعكة السورية وضيفها المتجدد

ما يجري في سوريا منذ بدء ثورة الكرامة هو انتفاضة شعبية قام بها جيل كامل لشعوره بظلم واضطهاد ودكتاتورية نظام زرعه تحالف عالمي قبل قرابة 50 عاماً للحفاظ على توازنات المنطقة الجغرافية الأهم في المعمورة، إبان سنوات من انتصاره بالحرب العالمية الثانية على المعسكر الآخر وما رافقها من الهيمنة على سياسات الدول واقتصاداتها وتشكيل ما يعرف “بمجلس الأمن” الذي ضم دول التحالف الخمس فقط (أمريكا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) كقوى رئيسية مسيطرة على القرار العالمي.
وما يجري أيضاً منذ قرر الشعب السوري اقتلاع جذور هذه الأشواك المزروعة في طريق نيل حريته، هو سلسلة لا متناهية من التصيد بالماء العكر ونشر ثقافة المؤامرات، وتقديم وجبات الدسائس، فضلاً عن الاستماتة في إفشال الثورة بشق صفوفها من الداخل بعد إغراقها بالمال وخلق عدو جديد لأهدافها متمثلا بداعش من قبل “الهوامير العالميين”.
ما لفتني خلال الأسابيع الماضية بعد الغزو الروسي العلني لسوريا هو حجم التنسيق غير المسبوق بين موسكو وواشنطن وتل أبيب لتقاسم الكعكة السورية سرا، بينما تذهب تصريحاتهم العلنية والمتكررة إلى تنظيم حركات الطائرات في الأجواء السورية بهدف القضاء على “الإرهاب”، مخالفة تماماً لما يجري على الأرض من تمدد لداعش وقصف جنوني على الأحياء السكنية ومواقع الجيش الحر.
ولأن “إسرائيل” لم تكن طرفا في التحالف الدولي ولم تعلن انضمامها الصريح لما يسمى بمحور “المقاومة والممانعة” إلى جانب روسيا وإيران كان لابد من صناعة “بعبع” لأمنها القومي عند الحدود مع الجولان المحتل.
ما جرى في نهاية الشهر الماضي من نشر فيديو غامض على مواقع التواصل الاجتماعي قيل إنه لأحد مقاتلي داعش تحدث فيه باللغة العبرية وتوعد بالانتقام من “إسرائيل”وتهديد أمنها القومي عند الحدود مع الجولان، لم يكن مصادفة أو فيديو عابر وخاصة أن الخطاب تناول في طياته عبارات تتحدث عن حدود “سايكس بيكو”، التي تمت إزالتها بين مناطق سيطرة تنظيم داعش في العراق وسوريا وسيتم إزالتها بين سوريا وفلسطين ما يعني زوال “إسرائيل” تلقائيا.
هذا الفيديو الأول من نوعه بما يخص تل أبيب بعد قرابة الثلاثة أعوام على ظهور داعش في سوريا تبعه في الأيام التالية حادثة غريبة لم تحدث طوال فترة الهدنة مع “إسرائيل” بعد حرب تشرين 1973، ألا وهي “سقوط طائرة زراعية إسرائيلية جراء عطل فني عند الشريط الحدودي مع ريف درعا الغربي واضطرار الطيار للهبوط المظلي في منطقة حوض اليرموك التي يسيطر عليها لواء “شهداء اليرموك” الموالي لتنظيم داعش.
بعد تلك الحادثة سارعت وسائل إعلام الثورة للتأكيد بأن الطيار محتجز لدى لواء “شهداء اليرموك” فيما ألّفت وسائل الإعلام الإسرائيلية رواية لا يتخيلها عقل ولا يقبلها منطق مشابهة لروايات ألف ليلة وليلة، بأن شاباً إسرائيلياً من أصول عربية حلق بطائرة شراعية من داخل منطقة الخط الأخضر متجاوزاً هضبة الجولان المحتلة وكل ما فيها من رادارات ونقاط رصد ليهبط داخل مناطق ريف درعا الغربي بغية الجهاد مع تنظيم داعش.
وخلال الساعات الماضية طل علينا نتنياهو مجاورا لأوباما في بيته الأبيض ليطلق تصريحات نارية و غير متوقعة عن التنسيق المستمرة مع جبهة النصرة (المصنفة ضمن قوائم الإرهاب لدى واشنطن) لحماية حدودها وأمنها القومي من أي خطر.
اذاً ومن مبدأ لا يوجد دخان بلا نار فإن الحوادث السابقة (فيديو داعش وسقوط الطائرة) سواء كانتا حقيقيتين أو من باب الفبركة الإعلامية، وما تلاهما من زيارات واجتماعات وتصريحات غريبة لنتنياهو ما هي إلا رسائل واضحة لدخول “إسرائيل” في اللعبة السورية من دائرتها الواسعة ومن نفس باب ضرب “الإرهاب” تماماً كما دخلت روسيا لتنظيم وتسيير مناطق سيطرة النظام ومنع تقدم الثوار أكثر إلى عمق الحاضنة الشعبية لبشار الأسد.
وباتت بنود نهاية اللعبة بتقسيم سوريا الوطن إلى دويلات وكانتونات أهمها “سوريا المفيدة” تحت الوصاية الروسية الإيرانية التي تضم دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس و”كردستان سوريا” تحت الوصاية الأمريكية وتضم القامشلي وعين العرب وعامودا امتداداً على طول الشريط الحدودي مع تركيا حتى الوصول إلى مدينة عفرين في ريف حلب و”الجنوب السوري” تحت الوصاية الإسرائيلية وتضم محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء باتت أمراً ملموساً على الأرض، وبالتالي فإن إنهاء حدود “سايكس بيكو” السابقة وإنتاج حدود “أوباما –بوتين –نتنياهو” الجديدة بعد اختفاء داعش “فجأة” لم يعد أمراً مستبعداً على الإطلاق.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: