صدى الواقع السوري

غرب كردستان و المصير الغامض

غرب كردستان والمصير الغامض

بقلم :بيار روباري

مصير غرب كردستان يلفه غموض، في ظل تغير المواقف الإقليمية والدولية والتطورات السريعة التي تشهدها الساحة السورية سياسيآ وعسكريآ وبسط النظام نفوذه على الجبهة الجنوبية، وزاد من هذا الغموض، سياسات حزب العمال الكردستاني المتخبطة، فمرة يطالب بالإدارة الذاتية، وتارة يطالب بالفدرالية، وتارة بكيان هجين إسمه إخوة الشعوب. ومن ناحية إخرى كل مرة يخترع إسم جديد لغرب كردستان، ففي البداية أطلق عليها تسمية “باشوري بجوك”، ولاحقآ أطلق عليها تسمية “روزأفا”، وأخيرآ وجد تسمية جديدة فلوكورية  لها وسماها “فدرالية شمال سوريا”، وكل مرة كان الإسم يخلى من أي ذكر للكرد وكردستان، يا للعجب! ومع ذلك يطلق على نفسه حزب كردستاني.

يمكن تقسيم المعضلة الكردي في غرب كردستان راهنآ، وفي ظل حكم حزب العمال الكردستاني، الى عدة أجزاء:

الجزء الأول تحرير مقاطعة عفرين:

السؤال هنا: مَن مِن الكرد يستطيع تحرير مقاطعة عفرين؟ بتقديري ليس هناك كردي طرف واحد قادر على تحريرها، بمفرده ولا كمجموعة موحدة، نظرآ لضعف الجميع، ومن ضمنهم حزب العمال الكردستاني المتمثل بي (ب ي د) وذارعه العسكري (ي ب ك). لو كان هذا الأخير قادر على تحرريها لما خسر الحرب أصلآ، وأسباب خسارته معروفة. نعم لقد خاض مقاتليه معارك بطولية ضد قوات القوات التركية الغازية، وأبدوا عزيمة وإرادة قل نظيرها عبر التاريخ، لم نشاهد مثلها إلا عندى الثوار الفيتناميين الشماليين، الذين قاتلوا ضد القوات الأمريكية المتمركزين في فيتنام الجنوبية، لكنهم كانوا مدعومين من قوة عظمى كالإتحاد السوفيتي إضافة للصين الشعبية وحلف وارسوا، ودول عدم الإنحياز بمجملها. أما المقاتلين الكرد تأمر عليهم كل الدنيا، وبما فيهم بعض الكرد المتحالفين مع اردوغان من جماعة البرزاني.

إذآ ما السبيل لتحرير عفرين من رجس المحتلين الأتراك والإرهابين السوريين وعملاء تركيا من الكرد؟

هناك ثلاثة طرق للوصول لهذا الهدف النبيل والوطني وهي:

أولآ: خوض حرب عصابات طويلة الأمد ضد تلك القوات المحتلة لعفرين، وشروط هذه الطريقة غير متوفرة حاليآ، لعاملين: الأول، هجرة أهلنا من قراهم وبلداتهم وخروجهم الى خارجة مقاطعة عفرين. والعامل الثاني، هو نقمة أبناء المنطقة الباقين داخل عفرين وخارجها على حزب العمال نتيجة سياساته وعنجهيته أثناء حكمه، وتصرفاته السيئة مع المواطنين الكرد، وتقسيم المجتمع لموالين وغير موالين، أي خيرين وأشرار. ومن جهةإخرى فرض أتاوات عليهم، وقمع حريتهم، وفرض أفكار زعيمه بالقوة عليهم.

ثانيآ: الإنتظار حتى تتغير الظروف الحالية، ومعها خريطة المواقف السياسية للقوى الدولية، التي بيدها قرار الحل والربط في سوريا، وتصل لصفقة تنسحب بموجبها جميع القوات الأجنبية من سوريا، وتعود عفرين الى سيطرة النظام وليس لسيطرة الكرد.

ثالثآ: الأتفاق مع النظام على عملية مشتركة لتحرير كل من إدلب وعفرين معآ، ويتبعهما عملية مماثلة لتحرير مدينة الباب وجرابلس وإعزاز من براثن الإحتلال التركي والمجموعات الإرهابية المرتبطة بها.

لكن هذا الخيار ليس متوفرآ حاليآ، رغم مطالبة بعض قادة حزب (ب ي د) مؤخرآ بذلك، لأن هذا القرار ليس بيد الأسد ونظامه، وإنما بيد الروس الذين تربطهم اتفاقيات وتفاهمات مع الأتراك بشأن ادلب. وثانيآ، لو إفترضنا وافق النظام على مثل هكذا خطوة، فما الثمن الذي سيطالب به لقاء ذلك؟

كما تشاهدون الأمر ليس بتلك السهولة، نتيجة إنكشاف ظهر الطرف الكردي (ب ي د)، بعدما رفع “الحليف” الأمريكي الغطاء السياسي والعسكري عنه منذ معركة عفرين. ودعكم من سخافات قادة الأنكسة زلم الملا مسعود وأردوغان، بأن قوات (ي ب ك) سلمت مفاتيح للمحتلين. وأنهم من سيحرر عفرين والدفاع عن المناطق الكردية. برأي لا يمكن يتوفه بمثل هذا الكلام سوى أناس مأجورين أو حمقى. وأمر أخر أين بيشمركة روزأفا، التي دوخوا أدمغتن بها، لماذا لم تذهبوا إلى عفرين ليحرورها من الأتراك، ويعيدوا لأهلها ؟ أم أنهم لا يعتبرون الأتراك محتلين وغازين؟

الجزء الثاني وقف نزيف الهجرة الكردية:

حسب معلوماتي ككاتب وأحد أبناء هذا الجزء من كردستان، تقول أن أكثر 60% من أبناء غرب كردستان هاجروا للخارج، وهذه المعلومات قريبة جدآ من الواقع. والهجرة ليست متوقفة على الشباب فقط كما يدعي بعض مسؤولي الإدارة الذاتي المسؤولة عن المنطقة الكردية برمتها.

السؤال من هو المسؤال عن هذا النزيف المستمر منذ عدة سنوات، وما هي أسبابها؟

بنظري هناك خمسة جهات مسؤولة عن هذا النزيف الخطير الذي يهدد ديمغرافية المنطقة الكردية

وهويتها الكردستانية ومستقبلها، وهذه الجهات هي:

1- النظام السوري العنصري: جميع الأنظمة السورية التي مرت على حكم سوريا منذ الإستقلال وحتى الأن، مارست سياسات تميز عنصري ضد الكرد، وفي بدايات الستينات كانت ذروة هذه السياسية البغيضة والإجرامية، عندما قام النظام البعثي بتعريب الشريط الحدودي بمنطقة الجزيرة مع تركيا بطول 110 كيلومتر، وعرض يترواح بين 10 وعشرين الى ثلاثين كيلومتر. لقد تعمدت جميع الحكومات السورية سياسة تفقير ممنهجة لمناطقهم وحضهم للهجرة إلى دول اوروبا الغربية، وخاصة بعدما سحبت الجنسية من مئات ألاف المواطنين الكرد، وإعتبرتهم لاجئين في وطنهم ووطن أجدادهم، وأبقتهم خارج إشراف الأمم المتحدة على وضعهم، وقوانينها، التي تضمن حقوق اللاجئين. هذه كانت بداية الهجرة الكردية وومازالت مستمرة الى هذا يوم هذا، وإزدادت ويترتها مع الزمن وكثافتها.

2- المنظمات الإرهابية كتنظيم داعش وجبهة النصرة وأخواتها، بسبب تكرار هجماتها الوحشية على المناطق الكردية، وقتل أبناءها، بدعم مباشر من رأس الإهارب العالمي الطاغية اردوغان. وهذه التنظيمات تسببت بهجرة جماعية للرد بإتجاه جنوب كردستان، ودول اوروبا الغربية، وبل  شجعت المخابرات الكرد على ذلك، وقدمت كافة التسهيلات لهم بهدف إفراغ المنطقة من سكانها الكرد وتغير هويتها القومية. وأخيرآ عندما إحتلوا مقاطعة عفرين مارسوا نفس هذه السياسة القذرة والإجرامية بعدما غزوها بدباتهم ومدرعاتهم ويرافقهم عشرات الألاف من القطعان الإرهابية المتوحشة.

3- حزب العمال الكردستاني، بسبب تصرفاته الخشنة مع المواطنين الكرد المخالفين لهم في الفكر والرؤى، ومحاولته فرض فكر زعيمه الشمولي على المجتمع الكردي بالقوة، وتجنيد الشباب الكرد بالقوة وفرض الأتاوات بحجة الدفاع عنهم، وخنق الحريات العامة، ومنع أي تنظيم سياسي وحزب غير موالي له من ممارسة نشاطه السياسي بحرية، وقيامه بإغلاق العديد من وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة وإحتكار العسكر والأمن من قبله، وسجن النشطاء السياسيين ومن المجتمع المدني والصحافيين وتصفية البعض جسديآ.

4- جماعة الأنكسة التي تتبع قيادة مسعود، الذي يعمل عند الباب العالي وسيده اردوغان. هؤلاء الفاشلين، دعوا تكرارآ ومرارآ أبناء الشعب الكردي لمغادرة بلدهم والتوجه للخارج، كتعبير عن رفضهم العيش في ظل حكم حزب العمال الكردستاني، وهذا أسوء وأخطر برأي من الإحتلال نفسه، ولا يمكن تبرير هذه السياسة بحال من الأحوال، مهما كان درجة الخلاف السياسي بين (الأنكسة) و (ب ي د)، وهذا يترقي الى مرتبة الخيانة الوطنية دون شك. ولهذا وقفت ضد سياسة منع أهالي عفرين من العودة الى قراهم وبلداتهم، بحجة وجود الإحتلال التركي من قبل جماعة اوجلان في غرب كردستان.

5- الفرد الكردي المهاجر نفسه، وأقصد بذلك اولئك الذين هجروا بهدف جمع المال، وليس لظرف سياسي وأمني، كان يهدد حياته أو حياة أفراد إن كان متزوجآ، وهؤلاء كانوا يشكلون الأغلبية للأسف الشديد، بسبب ضعف ورح الوطنية الكردية عندهم.

الجزء الثالث خروج الأمريكان من سوريا ومصير شرق الفرات:

بعد تجربة عفرين المريرة، وتخلي الأمرريكان عن الكرد فيها، وإعلانهم عن رغبتهم في مغادرة سوريا في أسرع وقت ممكن، وتكرار هذه الرغبة على لسان العديد من المسؤولين الأمريكيين من وقتٍ لأخر، وحشد تركيا قواتها العسكرية على الحدود القبالة للمناطق الكردية في شرق الفرات، وتمكن النظام السوري من إستعادة أكثرية المناطق من المسلحين التي كانوا يسيطرون عليها، وكان أخرها مهد الثورة السورية مدينة درعا،ن بتطواطئ أمريكي وإردني وعرب خليجي، معها دخلت منطقة شرق الفرات الكردية في نفق مظلم، وهذا ما يفسر إستعجال (ب ي د) للتفاوض مع النظام دون أي ضمانات دولية، وتحت سقف النظام الأسدي ، وهذا يوضح لنا مدى ضعف ووهن الوضع الكردي وهشاشته، والحد الأقصى الممكن الحصول عليه من حقوق قومية شرعية للكرد من النظام.

هناك جهتان تتحملان مسؤولية الوضع الكردي السياسي المذري، الذي وصلوا إليه الأن وهما:

أولآ:

قيادة قنديل التي تتحكم بقرارات فرعه الكردي السوري، ودخوله في تعاون مع أمريكا للقتال ضد تنظيم داعش، دون الحصول منهم على إعتراف سياسي بخصوصية الكرد كثاني أكبر قومية في سوريا، وكل ما كان يهمها هو الحصول على الأموال والأسلاحة. وأمريكا لم تمنحهم سوى بعض الأسلحة الخفيفة ومحدودة العدد، وزخائر محسوبة بالقطعة. وهناك أسلحة بقيت بيد أصحابها الأمريكيين ولم تصل يومآ ليد المقاتلين الكرد.

والعامل الأخر هو عزل أنفسهم عن بقية المعارضين للنظام السوري، بسبب إصرارهم على تبني طريق خاص بهم، وشاهدنا ماذا كانت النتيجة.

ثانيآ: جماعة الأنكسة بمعادتها للسلطة الموجودة على الأرض بشكل عمياء، والإرتماء في أحضان الأتراك ألد أعداء الشعب الكردي، وجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. هذا التشتت الكردي أدى إلى إضعافهم كثيرآ.

الجزء الرابع التفاوض مع النظام:

التفاوض بحد نفسه ليس أمرآ معيبآ، وهو السبيل الوحيد لحل القضايا بين فرقاء مختلفين أو أطراف متخاصة فيما بينها بشكل غير عنفي. ولكن لكل حوار شروطه ومقوماته، وهذا غير متوفرة في الحوار والمفاوضات الجارية بين النظام السوري والإدارة الذاتية حاليآ. فمثلآ التفاوض في دمشق، وبدون جهة دولية ضامنة لتنفيذ ما يتفق عليه بين الطرفين، هذا بحد ذاته تنازل كبير من قبل الطرف الكردي، ووضع سقف محدد للمطالب الكردية. وثانيآ تخلي قيادة ال (ب ي د)، عن مطلب الفدرالية حتى إجراء أي لقاء بين الطرفين

ثالثآ، البدء بمناقشة القضايا الخدمية بدلآ من القضايا السياسية والدستورية المتعلقة بوضع الشعب الكردي كثاني أكبر قومية في هذا البلد، هي بحد ذاتها تنازل.

رابعآ، رفع صور زعيمهم اوجلان وعلم حزبهم من ساحات وميادين المدن الكردية ومن على الحواجز والدوائر الرسمية، قبيل بدء المفاوضات بين الطرفين هذه كلها شروط مسبقة فرضها النظام على الطرف الكردي، ولم يستطيع هذا الأخير من رفضها. وللملاحظ لم يرد أي ذكر لكلمة الكرد وكردستان في أحاديث القيادة الكردية مع وفد النظام الغامضة أسمائهم ووجههم وبياناتها.

يا هل ترى، ما سبب رفض إعلان النظام عن أسماء وفده ونشر صورهم وإجراء مؤتمر صحفي عقب الإجتماع؟ لأن الذي يتفاوض مع الكرد هم مستويات متدنية من ضباط المخابرات السورية وموظفين صغار من مؤسسات النظام المختلفة.

ثم لماذا لم يستقبل رأس النظام بشار الأسد الوفد الكرد بنفسه، وبحضور وزير خارجيته وليد المعلم، لإعطاء صبغة سياسية وجدية للمفاواضات؟ هلت تتذكرون مفاوضات القيادة العراقية في عهد صدام حسين بعد حرب خليج الأولى مع الكرد، وكيف استقبل صدام حسين بنفسه الوفدين الكرديين الديمقراطي برئاسة مسعود البرزاني، ووفد الإتحاد الوطني برئاسة الطالباني، وبحضور وزير خارجيته وأعضاء القيادة العراقية كلهم تقريبآ، رغم أني كنت ضد تلك المفاوضات، بالشكل التي جرت وفي المكان التي أجريت فيها أي بغداد.

في ختام زيارة وفد الإدارة الذاتية، صرحت الهام أحمد رئيسة الوفد، وقالت في بيانها ما يلي:

لقد أسفر اجتماعنا يوم الخميس مع ممثلين الحكومة السورية، عن اتخاذ عدة قرارات بشأن تشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولا إلى وضع نهاية للعنف والحرب التي أنهكت الشعب والمجتمع السوري من جهة، ورسم خارطة طريق تقود إلى سوريا ديموقراطية لامركزية“. ولكن بيانها لم يوضح عدد اللجان أو موعد تشكيلها أو مضمونها، كما لم يحدد أية مواعيد للمحادثات المقبلة وأين ستكون ومن هو الطرف الضامن!!!

في المقابل لم يصدر حتى الآن أي تصريح رسمي من النظام السوري، الذي مازال يصر على استرداد كافة مناطق البلاد، بما فيها المناطق الكردية، رغم تصريح وزير الخارجية السورية وليد المعلم في العام الماضي عن استعداد دمشق للحوار مع الأكراد حول إقامة «إدارة ذاتية»، فيما لوح رئيس النظام بشار الأسد في مايو (أيار) بنفسه، القيام بعمل عسكري ضد الكرد في حال لم تنجح المفاوضات معهم.

في الختام أود أن أختتم مقالتي هذه بما يلي:

لم يبقى أمام الكرد سوى خيارين، إما القبول بما يعرضه النظام عليهم من فتاة، لا يرتقي بأي حال من الأحوال الى مستوى ما حصل عليه الملا مصطفى البرزاني عام 1970 من الحكومة العراقية، فما بلكم الحصول على ما حصل عليه الكرد بعد إسقاط نظام صدام عام 2003. وإما مواجهة مصيرهم المحتوم، أي حرق  ودمار مناطقهم بالكامل، إسوةً ببقية المناطق السورية، وكلا الخيارين مسمومين.

وأختتم كلامي بالجملة التالية: لو حرر الكرد كل سوريا من التننظيمات المسلحة المعارضة له، وقدمها لنظام بشار الأسد العنصري والقهمج على طبق من فضة، لن يعترف بالشعب الكردي كثاني قومية في سوريا، ولن يمنحهم أية حقوق قومية وسياسية ودستورية وسجلوا ذلك علي شخصيآ، إلا إذا أجبر على ذلك جبرآ، والسؤال مَن الذي سيجبره على ذلك، لا أحد بقناعتي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: