صدى الواقع السوري

عفرين جولة جديدة من الصراع على الأراضي السورية

بقلم : آلان رشو

الصراع وبسط النفوذ على الأراضي السورية بين الأطراف الداخلة في الأزمة السورية ما زال مستمراً، وبعد ثلاثة أعوام من السيطرة وبسط النفوذ على المناطق التي كان يحتلها داعش ومع  قرب إنهاء تواجده العسكري، اتجهت انظار بعض القوى إلى مد نفوذها والسيطرة على أراض أخرى قد تخولها للمشاركة والتأثير في رسم مستقبل سوريا وحل الأزمة السورية  أو لشعورها بأنها خرجت خاسرة من توزيع ممتلكات تنظيم داعش الارهابي.

المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة والفصائل الجهادية الأخرى كانت الهدف التالي, بعد ترسخ معالم حدود السيطرة في شرق سوريا بين أطراف الصراع, وبالفعل اتجهت قوات النظام بدعم معسكرها أي روسيا وايران صوب تلك المناطق التي شهدت لفترة طويلة هدوءً بحكم اتفاقات استانا بين روسيا وتركيا وإيران المتضمنة اتفاق مناطق خفض التصعيد, التي شكلت احداها محافظة إدلب, الرغبة الروسية في السيطرة على تلك المناطق لم تغب يوماً كونها قريبة من المناطق التي تقيم فيها على الأراضي السورية, ولكن اطماعها في المناطق الشرقية التي يحتلها داعش جعلها تبرم اتفاقات خفض التصعيد بهدف التفرغ للتوجه صوب الشرق.

التوجه نحو إدلب من قبل النظام وروسيا وإيران وخرق اتفاق مناطق خفض التصعيد أزعج تركيا والتي حاولت عرقلة التقدم بتوجيه الفصائل التي تدعمها لضرب قاعدة حميميم بالطائرات المسيرة (درون) وكثفت محادثاتها مع شركائها في مسار استانا بهدف الحصول على ما يوازي إدلب, أي عقد مقايضة جديدة كالتي حدثت بمقايضة حلب-الباب, وبما أن روسيا مجبرة على تقديم التنازل لتركيا الشريك في مناطق خفض التصعيد واتفاقات استانا وبحكم الغايات التركية في ضرب الكيان المتشكل في الشمال السوري شكلت عفرين الصفقة المناسبة والبديل عن إدلب, خاصة في ظل تواجدها بحكم التقاسم الروسي الأـمريكي في سوريا تحت الوصاية الروسية, تنازلت روسيا عن عفرين وسحبت قواتها المتواجدة فيها وفتحت المجال الجوي أمام الطائرات التركية.

لا يمكن تحديد ما يحدث في عفرين فقط ضمن اطار عدوان تركي هدفه الاحتلال وضرب قوات الشمال السوري أو حتى اتفاقاً جديداً بين تركيا والمعسكر الروسي, بل هي استكمال للصراع بين القوى الداخلة في الأزمة السورية على النفوذ داخل الأراضي السورية ف بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجيتها الجديدة بعد القضاء على داعش عسكرياً والتي أعلنت فيها عن رغبتها في الابقاء على قواتها داخل الأراضي السورية إلى حين انتهاء الأزمة السورية, شكلت الاستراتيجية الأمريكية مخاوفاً لدى روسيا التي اعلن رئيسها من قاعدة حميميم الانتصار العسكري وبدأت تتحضر للحل السياسي للأزمة  وتمثل بمؤتمر سوتشي, ولمواجهة تلك المخاوف يحاول الروس زعزعة الاهداف الامريكية وتقليص نفوذها في سوريا, واولى تلك المحاولات تمثلت في اقناع قوات سوريا الديمقراطية بتسليم عفرين إلى النظام السوري ولكن الرفض الذي تلقته من قسد جعلها تكمل مسار المقايضة مع تركيا والاستفادة من العدوان التركي على عفرين بضرب حليفي الولايات المتحدة ببعضهم البعض أي تركيا حليفها في الناتو وقوات سوريا الديمقراطية حليفها في محاربة داعش,

ووضعت الولايات المتحدة الأمريكية أمام خيارين احدهما اسوء من الآخر, الأول الصمت تجاه العدوان التركي على عفرين وبذلك قد تخسر شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية حليفها في محاربة داعش وشرق الفرات أو الصدام مع تركيا وهو ما تسعى إليه روسيا وبذلك قد تصل العلاقات التركية الأمريكية المتوترة أصلاً إلى نهايتها.

الولايات المتحدة الأمريكية باستراتيجيتها المتضمنة محاربة داعش ومواجهة المد الشيعي (إيران) بالتأكيد لا تريد التفريط بحليفيها لتنفيذ سياستها الجديدة, بالتالي هي تبحث عن الحل الذي قد يقيها مخاطر التنازل عن مصالحها في المنطقة المتمثل بالمحافظة على كلا الحليفين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية وذلك بإيجاد صيغة توافقية مرضية للطرفين ويبدو أنه لا خيار آخر أمامها في ظل تمسكها بأهدافها في سوريا وما يؤكد ذلك استهداف طائراتها للفصائل التابعة للنظام السوري في دير الزور, أي أن الموقف الأمريكي تجاه إيران والنظام في سوريا مخالف لموقفها تجاه العدوان التركي على عفرين.

إلا أن العناد التركي واصراره على مواصلة هجماتها على قوات سوريا الديمقراطية يضع الولايات المتحدة في موقف محرج ويضع سياساتها داخل الأراضي السورية على المحك مما يجبرها على العودة إلى تفضيل أحد الخيارين الذين وضعتهما روسيا.

انتهجت الدولة التركية سياسة معادية تجاه القوى في روج آفا وشمال سوريا منذ بداية الأزمة السورية ومحاولاتها لضرب الكيان المتشكل في شمال سوريا لم تتوقف ابداً, وبعد فشلها عبر دعمها للفصائل والتنظيمات الارهابية, انتهجت سياسة العدوان المباشر التي حصلت على الموافقة عليها بالاستفادة من التناقض بين سياسة القطبين الكبيرين روسيا وأمريكا بالإضافة إلى طاقاتها المؤثرة والتي تجعل التفريط بدورها وتأثيرها في المنطقة خسارة كبرى.

كما أن السياسات التركية في سوريا تتعدى عفرين ولن تتوقف عندها في حال انتصارها بل لديها أهداف في احتلال كل الشمال السوري, هذا الهدف يذكره المسؤولين الاتراك صراحة المتمثل باستعادة كافة المناطق التي كانت تحتلها وفق الميثاق الملي.

إيران والنظام السوري واللذان يشكلان جزءاً من كافة الاتفاقات التي تبرمها روسيا مع الدولة التركية, ولكن بدا عبر تصريحاتهم أنهم غير راضين تماماً عن الصفقة المبرمة حول عفرين, ويبدو أن الروس بدأوا يتداركون الموقف بتحقيق التواصل بين أنقرة وطهران لتجاوز نقاط الخلاف التي قد تتحقق في اسطنبول في القمة الثلاثية المعلنة لرؤساء روسيا وتركيا وايران.

التضارب في المصالح بين القوى الانفة الذكر على الساحة السورية يضع قوات سوريا الديمقراطية وشعوب الشمال السوري امام خيار وحيد على الارض وهو المقاومة والتي لطالما اعتمدتها شعوب الشمال السوري وحققت النجاح واستطاعت تغيير الكثير من المعادلات

والسياسات في سوريا, ومقاومة عفرين انتصارها يعني الكثير من التبدلات ولربما اولها ضرب كافة مخططات قوى الصراع السوري عرض الحائط وتكريس ارادة السوريين وحقوقهم في اجراء التغيير الديمقراطي اللازم.

كذلك كسر غطرسة الدولة التركية وسياساتها المعادية تجاه الشمال السوري وفتح الطريق امام الدور الذي يمكن ان تلعبه قوى الشمال السوري في رسم معالم المستقبل السوري والمشاركة في العملية السياسية للازمة السورية والتي لطالما شكلت الدولة التركية العائق امامها.

في النهاية أن معالم المستقبل السوري وإنهاء الأزمة لن تتحدد إلا بانتهاء تلك الصراعات بين القوى الداخلة في الأزمة السورية, والتي تبدو أنها تنتقل من منطقة إلى أخرى تارة في الشرق وتارة في الغرب وفي الشمال والجنوب, ويبدو إننا في وقت مبكر من التنافس بين القوى على النفوذ والامتيازات على الأراضي السورية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: