ظاهرة التسول في شمال سوريا بين “الحاجة والأمتهان”

الحسكة-دليل محمود /vedeng news

لا تكاد تمرّ بشارع من شوارع مدن الشمال السوري ، حتى يستوقفك عدد من المتسولين من مختلف الفئات العمرية، شباب ونساء وأطفال، بشكل لافت للأنظار ومثير للقلق
اتخذوا من التسول حرفة ووسيلة سهلة للحصول على المال نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدل الفقر
البعض منهم يدفع فواتير الحرب التي دمرت منزله وابعدته عن مقاعد الدراسة والبعض الاخر اصبح يمارسها كمهنة حيث ان الغالبية العظمى من ممارسي التسول هم من الاطفال الذين يمارسونه تحت أمرة ما يعرفون بالمقاولين او السماسرة الذين يستغلون فقر وحاجة عوائل هؤلاء الاطفال في سبيل جمع وكسب ثروات باهظة منهم لقاء مبالغ زهيدة تسد رمقهم

فقدان المعيل

بالقرب من المنطقة الصناعية في مدينة الحسكة يقف “أحمد” حاملا معه صندوق من البسكويت راكضاً خلف هذا وذاك ليشتروا منه وفي حال رفضهم يلجأ احمد الى ملاحقتهم وطلب النقود منهم مستخدما شتى الوسائل الممكنة
يقول ” احمد ” فقدت أبي جراء الحرب على مدينتي دير الزور ولدي اخ اخر معاق نتيجة انفجار لغم ارضي به ولم اجد شيئاً سوى التسول لكسب قوت والدتي واخوتي الصغار .

حال “ام علي ” لا يختلف عن حال احمد فهي ايضاً فقدت زوجها وابنها وتدمر منزلها
تجلس ام علي بالقرب من احد المطاعم واضعة امامها منديلاً متأملة بأن يمتلئ بالمال ما يكفيها حسب قولها من العيش وشراء ادويتها كونها تعاني من الربو
تقول باكية : لعنة الله على هذه الحرب ..اين كنت واين امسيت اليوم وتمسح دموعها …من بيت كبير الى خيمة بالقرب من دوار ” الطلائع تفتقر الى ابسط الاشياء تقضي ام علي حياتها البائسة قائلة بحرقة قلب “ياريت متت معن ” في اشارة الى زوجها وابنيها الاثنين .

مهنة خفيفة ……ونظيفة

“سعد ” شابٌ في مطلع العمر يجلس في كراج للنقل الداخلي يتلمس عطف هذا وذاك ليتصدقوا عليه متذرعاً بأنه يعاني من مرض في الكبد ليكسب عطفهم
اعطيته ١٠٠ ليرة ولدى سؤالي له لماذا لم تكمل دراستك
قال لي وهو ينفث دخان سيجارته بقوة ” خال الدراسة ما تتطعميك خبز ”
فقلت له : اذاً فلتتعلم مهنة تعيش من وراءها…
رد علي لا استطيع العمل لمدة ٩ ساعات واتحمل اعباء العمل وتهكم ارباب العمل لاجني مبلغ زهيداً
“شغلي خفيف ونضيف ”
لا يكلفني ذلك اي عناء سوى الكلام المعسول للمارة وأجني ثلاثة اضعاف ما يكسبه الصانع يقول ذلك متفاخراً بعمله .

مهنة منظمة


يرى “سامر محمد ” وهو طالب جامعي ان التسول اصبح يتحول الى مهنة منظمة قائلاً :

بالقرب من كليتي تشاهد مجموعة من الاطفال المتسولين الذين يتذرعون بالعديد من الحجج فمنهم من يدعي المرض والاخر وفاة والديه وامسوا كالعنكبوت التي تنسج خيوطاً لصيد فريستها
ولاحظت أنهُ عند اقتراب متسول اخر من المنطقة التي تتخذها هذه المجموعة لممارسة التسول فيها يقومون بمهاجمته وطرده منها وكأنها منطقة نفوذ او دولة خاصة بهم
وقد شاهدت العديد من هؤلاء الاطفال عند انتهاء الدوام الرسمي يجتمعون في زاوية ويجمعون ما جنوه ويقومون بإعطائه لشخص بالغ وكأنه من يدير هذه الشبكة
اي ان اغلب المتسولين يجري استغلالهم من قبل سماسرة لقاء تأمين مأوى وطعام لهم .

احصائيات وارقام

وفق ما نشرته منظمة الامم المتحدة للطفولة (اليونيسف )في تقرير لها صدر خلال شهر “اذار ” المنصرم أنه هناك اكثر من ٨٣% من السوريين ممن يعيشون تحت خط الفقر مما يدفع بالأطفال الى اتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة مثل التوجه الى عمالة الاطفال والتجنيد في القتال والتسول والاستغلال الجنسي
كما نشرت صحيفة ” تشرين ” الحكومية احصائية تشير الى وجود اكثر من ٢٥٠ الف متشرد في جميع المحافظات يشكل الاطفال نسبة ١٠ % منهم
اي ما يقارب ال٢٥ الف طفل ممن يمتهنون  التسول .

الداء …والدواء

يرى الاخصائي الاجتماعي ” نادر علي ” ان للتسول اسباب كثيرة تتضمن انخفاض المستوى الاقتصادي والفقر، والمشاكل المجتمعية؛ كالطلاق والعنف المنزلي، وزيادة الإنجاب في الأسر الفقيرة، اضافة الى تهرب احد الوالدين او كلاهما من مسؤولياته تجاه الاولاد وتركهم عرضة لعصابات منظمة يستغلون طاقاتهم في اعمال التسول وقد تصل الى استغلالهم جنسياً واستثمارهم في تجارة المخدرات وترويجها

وعن امكانية الحد من تفشي هذه الظاهرة يرى” علي ” ان ذلك يكمن في تفعيل دور اجهزة الرقابة وتطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة التسول كالقانون رقم 16 لعام 1975 الخاص بإحداث دور تشغيل المتسولين والمتشردين ومكاتب مكافحة التسول والتشرد لتوفير الرعاية والخدمات الصحية والاجتماعية وملاحقة المتسولين والمتشردين وتنظيم الضبوط بحقهم
بالإضافة الى دور منظمات المجتمع المدني والمنظمات الاغاثية لتقديم المساعدات للمشردين واقامة جلسات توعية للأطفال واعتماد برامج اعلامية وتوجيهية للمجتمع لوقاية الأسر من التفكك وحماية الأطفال من التشرد.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: