صراع الظّل …طريق الحرير ” الهدف المنشود “

عمدت روسيا إلى السعي للسيطرة على الطرق الدولية “M4 – M5” في سوريا، على حساب القوى المناوئة لدمشق ، وذلك منذ بداية تدخّلها العسكري المُباشر في سوريا عام 2015.

في ذات الوقت أعلنتْ الحكومة السورية  وضع رؤية لإنشاء طرق دولية تربط أطراف سوريا بما فيها طريق الحرير القديم “دمشق – حلب” وطريق يمتد من باب الهوى على الحدود السورية التركية إلى معبر نصيب في الحدود السورية الأردنية.

أُنشئ الطريق الدولي M4 عام 1950 ويبلغ طوله 450 كم، يربط المنطقة الشمالية والشرقية بالمنطقة الغربية والساحلية، ويحظى بأهمّية اقتصادية عالية ويُعتبر من أهم الطرق التجارية في سوريا، ويدخل الأراضي السورية شرقاً من معبر “ربيعة – اليعربية” في محافظة الحسكة، ويمر بمحاذاة مدينة القامشلي ثمّ إلى تل تمر وصوامع العالية وبلدة عين عيسى ومدينة منبج ومدينة الباب وبلدة تادف وصولاً إلى حلب، ثُمّ إلى مدينتي سراقب وأريحا في محافظة إدلب، وينتهي بمدينة اللاذقية في الساحل السوري. كما ويلتقي في مدينة سراقب بالطريق M5 الّذي يمتد إلى حماه وحمص وريف دمشق ودمشق ودرعا في الجنوب السوري، كما له فرع يربط ولاية غازي عنتاب التركية بحلب عبر مدينة إعزاز ومعبر باب السلامة، ويُعدّ أهم شرايين التجارة بين تركيا وسوريا منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرّة بين الجانبين عام 2004 واتفاقية التوأمة بين تجّار حلب وتجّار غازي عنتاب عام 2009.

وبعد قضم العديد من مناطق المعارضة السورية وإعادتها إلى سيطرة الحكومة السورية  خلال السنوات القليلة الماضية بموجب التوافقات الدولية ومسار آستانة لا سيما مناطق “ريف دمشق ودرعا والقنيطرة وأجزاء كبيرة من حمص وحماه”، تتركز المعارك الجارية في سوريا حالياً حول الطريق الدولي M4 بشقّيه الجنوبي في محافظة إدلب والشمالي في محافظتي حلب والرقة التي انطلقت مُؤخّراً في أطرافها الحدودية، عملية ” نبع السلام” بقيادة الجانب التركي.

وفقاً للمعارك الدائرة فإنّ كافة المناطق المُحاذية للطريق الدولي M4 في محافظة إدلب مُهدّدةً بالقصف والتهجير كما حصل منذ شهرين في منطقة خان شيخون والبلدات التابعة لها وما يحدث الآن في منطقة معرة النعمان والبلدات التابعة لها وما يُؤشّر بتكرار السيناريو ليطال مناطق سراقب وأريحا ومحيطها وقرى في جبل الزاوية ومناطق في شمال اللاذقية.

وبناء على ما أعلنه موقع “RT عربي” في نشرته يوم 12 آب العام الحالي، فإن تأمين الطرق الدولية تمّ التفاهم عليه بين “روسيا وتركيا” خلال جولة “سوتشي” الّتي عُقدت في أيلول 2019.

تسلسل الأحداث يُؤكّد أنّ فتح الطريقين M4 و M5 يُعتبر من المصالح المشتركة بين القوى الإقليمية والدولية لا سيما الصين منها، والّتي تُعد الأقلّ استخداماً للفيتو مقارنةً ببقية الدول الأربعة الدائمة منذ حضورها في مجلس الأمن عام 1945، إذ استخدمته ستّ مرّات فقط حتّى العام 2010، بينما استخدمته سبع مرّات في الملف السوري لصالح دمشق منذ العام 2011، آخرها في الأيام القليلة الماضية اعتراضاً منها وحليفتها روسيا على إدخال المساعدات الإنسانية إلى مُستحقّيها في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية  .

فلم تتهاون الصين في دعم الحكومة السورية وفقاً لمصلحتها في اغتنام الدور الأكبر بملف إعادة الاعمار لا سيما أطماعها في استثمارات القطّاعات الحيوية كالـ “الطاقة – النفط – البنى التحتية – المواصلات – الاتصالات – الأنظمة المصرفية”، ناهيك عن هدفها الرئيس في استكمال تأمين “طريق الحرير” الّذي يُعدّ بوابتها إلى القارتين “الأوروبية والأفريقية” والّذي يمر من الطرق الدولية السورية.

“طريق الحرير” هو مجموعة من الطرق البحرية والبرّية، يبلغ طوله 12 ألف كيلو متر تقريباً، ينقسم البرّي إلى فرعين “شمالي وجنوبي”، الشمالي عبر شرق أوروبا والبحر الأسود وصولًا إلى إيطاليا، أمّا الجنوبي يمر عبر العراق وسوريا وتركيا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وكلا الطريقين يُغذّيان قارتي أوروبا وأفريقيا، وينطلق الطريق البحري من الصين إلى فيتنام وماليزيا والهند وسريلانكا وكينيا وصولاً إلى أوروبا.

لاعتبار سوريا الحجر الأساس في مشروع طريق الحرير ضمن الخط الجنوبي، قدّمت الصين للحكومة السورية  منحاً ماليةً مُعلنةً تجاوزت 50 مليون دولار أمريكي بغطاءٍ إنسانيٍ خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، والكثير من المساعدات الّلوجستية أبرزها 800 محولة كهربائية وأكثر من 5 آلاف طن من الأرز و100 باص نقل داخلي، كما تعهّدت في العام 2017 بتقديم ملياري دولار أمريكي لإنشاء منطقة صناعية تتضمن في مرحلتها الأولى 150 شركة تُوفّر 40 ألف وظيفة، وأعلنت نيّتها انتاج سيارات لشركتي “جيلي – تشاتجان” عبر شراكتهما مع شركة ملوك وشركاه.

في المقابل حصلت من الحكومة على وعود كثيرة بمنحها دوراً كبيراً في فرص إعادة الأعمار أبرزها دعوة شركة SANY الصينية إلى إنشاء ضواحي سكنية وهي متخصصة بالمقاولات وصناعة المعدات والطاقة الشمسية وصناعة الإسمنت والاسفلت، وتعتبر الأولى في الصين ومن أكبر خمس شركات في العالم بمجال الأشغال.

كما صادقت وزارة التجارة الداخلية السورية  في هذا العام 2019 على تأسيس شركات صينية عديدة أبرزها “شركة الباخرة الخضراء للخدمات السياحية” برأس مال تأسيسي 5 ملايين ليرة سورية و”شركة طريق الحرير للزراعة” برأس مال تأسيسي 5 ملايين ليرة سورية، وختام الوعود كان من رأس الهرم الرئيس السوري عبر تقديمه ستّة مشاريع مُتعلّقة بطريق الحرير.

في الوقت الذي تتقارب فيه المواقف الإيرانية والروسية والصينية حول الطريق كونه يمر بأراضيها فإنّه يُثير خلافات حادّة بين دول الاتحاد الأوروبي الّتي يتشارك معظمها مع دول الخليج العربي بالمخاوف من ميل ميزان القوى الاقتصادية لصالح الصين وفقاً لإيحاءات مُفوّض الميزانية في الاتحاد الأوروبي، باستثناء إيطاليا المتحمسة لدخول الاستثمارات الصينية إليها، كما لا تُخفي أمريكا صراحةً مخاوفها من تقويض هيمنتها السياسية والتجارية الأمر الذي دفعها إلى فرض سلسلة ضرائب ضد الأنشطة التجارية الصينية في آذار هذا العام.

العلاقات التجارية بين سوريا والصين بدأت في عام 1951، واتّسمت بالنماء حتّى وصلت الصين في العام 2010 للمرتبة الأولى بين الشركاء التجاريين لسوريا بقيمة تبادل 2،48 مليار دولار سنوياً، وغزت البضائع الصينية “ذات الجودة المُتدنّية” الأسواق السورية بكثافة مُؤثّرةً بشكلٍ سلبي على مسار الصناعة المحلّية، وصعد مؤشّر التبادل منذ العام 2011 مُسجّلاً 3،5 مليار دولار قبل أن يعود إلى الانخفاض بشكلٍ رهيب إلى ما دون نصف مليار دولار في العام 2015 أكثرها عمليات استيراد من جانب الحكومة السورية بدون تصدير.

وتعمل الصين على إعادة إحياء طريق الحرير في إطار “حزام واحد – طريق واحد”، وهي استراتيجية جديدة للتنمية الاقتصادية أطلقتها في العام 2013 تهدف إلى تطوير وإنشاء طرق تجارية وممرات اقتصادية بين “دول أوراسيا” لنقل البضائع من الشرق إلى الغرب بشروطٍ مُيسّرة، ويتضمن المشروع محورين أساسيين هما الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري، ووفقاً لأبحاث ودراسات عديدة فإنّ الصين خصّصت لتحقيق ذلك ترليون دولار أمريكي.

بديهياً نرى أن الصين مُستعدّة لتقديم كافّة أشكال الدعم والمساعدة للحكومة السورية على المدى الطويل، وما يتم إعلانه من مساعدات تحت غطاء الملف الإنساني رُبّما لا يُشكّل 1% من حجم المساعدات الحقيقية المُقدّمة إن كان لسوريا أو لروسيا التي تعمل على تأمين طريقي M4 و M5 لكونهما المركز الاستراتيجي وعقدة عبور البضائع الصينية وهذا ما يُعطي الصين هيمنة عسكرية وسياسية واقتصادية على مستوى العالم.

 

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: