“سري كانيه” قلعة المقاومة

بقلم: ديالا علي علي

ليلتها كان الجو سكون، الشارع فارغ والأزقة تتحدث حتى السماء كادت أن تبكي من الحزن كأن “سري كانيه” ابنة الأرض والسماء حتى تحزن عليها كل هذا الحزن.

لم نكن نعلم ما الذي يحدث حولنا، كل شيء كان صامتاً حتى أبي الذي أعتاد دوما أن يعزف لنا على أوتار آلة الطنبور في تلك الليلة السوداء الشاحبة غنا لنا أغنية حزينة كأن تلك الآلة وتلك الألحان تعلمان ما الذي سيحدث غداً و ما الذي سينتظرنا.

كان ينتابني شعور غريب غير معتاد ولكن لم أكن أعلم أن الغد الذي ينتظرنا  مؤلم جداً، ابتسم رغم معرفتي التامة بأن هنالك خطأ ما يحدث لم يكن بوسعنا فعل شيء في تلك الليلة الهادئة فجأة و أنا اتأمل هاتفي الصغير سمعت صوتا يتكلم بكل مأساة وحزن بأن عملية ما تسمى (بنبع السلام ) ستبدأ، عندما سمعت تلك الجملة اقشعر جسدي وكأن العملية ستحتل جسدي لا مدينة كردية ولكن لتعلموا جيدا أن في كل كردي نبض ينبض لكردستان، في كل بيت منا جزئ من حلم مفقود وآمال محال أن تتحقق، أعدت الجملة في ذهني لكي استوعب ما الذي قاله أخي الذي يبلغ من العمر خمسة عشر سنة و هو يراقب الوضع السياسي والعسكري منذ فترة و كأنه يقدم لنا نشرة الأخبار كلما ينشر نبأ جديد  يخبرنا به.

في ذلك المنزل الصغير في تلك الغرفة الصغيرة كلنا كنا متوترين وخائفين في اللحظة ذاتها حتى أبواب منزلنا باتت حزينة وبائسة من فرط حزننا وخوفنا من الغد. الغد!؟ يا ترى ما الذي يحمله الغد لنا هل ستحتل تركيا أرضنا كما فعلت من قبل في عفرين أم ذلك الشريط الأحمر الذي يظهر أسفل تلك المذيعة مجرد تهديدات لكسر عزيمتنا والنيل منا ، عادة ما كنا نسمع بتلك الأخبار و لكننا لم نكن على يقين بصحتها حتى تلك الليلة الظلماء.

في صباح اليوم التالي لم أكاد أن أفتح عيناي و إلا يمر على مسامعي صوت أحد المذيعات عل قناة (روداوو) الإعلامية وهي تتحدث عن عملية ما تسمى بنبع السلام حتى تقول: “جيش الاحتلال التركي يقصف بعنف تمهيدا لدخولها إلى المدينة” ما إن سمعت تلك الجملة ، طار النعاس من عيني. قمت بسرعة فائقة من غير أن أرتب سريري حتى بدون أن أنظر إلى هاتفي الذي لطالما تعودت أن أتصفحه كل صباح،  لم يكن لدي وقت لأفعل كل تلك الأشياء هنالك خبر حطم قلبي كيف لي أن أبدوا طبيعية بعد اليوم. سمعت خبرا لم يكن في الحسبان خبرا كالرصاص على قلبي وكأن قلبي تمزق.

يا الله! عائلتي كلها مجتمعة حول شاشة التلفاز المسطحة يتابعون الأخبار العاجلة التي تصل كل دقيقة حتى في بعض الأحيان كانت تأتي أخبار عاجلة من قلب الحدث في غضون ثوان. وأنا أنظر معهم إلى شاشة التلفاز سمعت أبي يقول جملة لم أنسها طيلة حياتي “مرة أخرى التاريخ يعيد نفسه” عندما سمعت تلك الجملة أحسست بأننا على حافة الهاوية.

ها قد أصبح تسعة سنوات ونحن نعيش أشد أنواع الحرب تأثيرا على النفس والجسد لم أكن أشعر يوما بشيء يرهقني بقدر الجملة التي نطقها والدي للتو. هل فعلا التاريخ يعيد نفسه؟ هل حقا سنصبح أرضنا محتلة مثل ما حدث في عفرين عروسة كردستان أم أنها مجرد تهديدات فارغة لا صحة لها. الآن في هذه اللحظة الزمن توقف في روج آفا  ” شمال سوريا ” كل شيء أصبح حطام. ها نحن الآن في اليوم الخامس من الحرب التي تدار في مناطقنا. كلما شاهدت التلفاز شعرت بفخر من انتصارات قواتنا وفي الآن نفسه  أشعر بأن الموت يقترب مني أكثر ف أكثر . المرتزقة يتقدمون وأبطالنا يسيطرون على بقاع واسعة من البلاد. انتصارات عظيمة حتى أكبر الدول عظمة بقوتها تستغرب من قوتهم و جبروتهم. نعم أنهم ابناء الشمس والنار، أحفاد كاوا و قاضي محمد لا يستسلمون ويقاومون كالحجر الصلب حتى الرمق الأخير ، نعم إنهم طوفان نوح في وجه الأعداء وغصة في حلق العالم الذي وقف مكتوف الأيدي يشاهد ما يحصل بأطفالنا ونسائنا كأنه فلم سينمائي. حقا شعرت بالخجل من إنسانية بعض الدول التي لطالما سميت نفسها قمة الديمقراطية والإنسانية الآن تشارك في نبع الإرهاب بصمتها. و مر شهر على تلك المدينة الحزينة المحتلة والأحداث تتوارى و قلوبنا تفيض من الألم والخذلان ، بعد كل هذا الوجع أحاول مرة أخرى أن ألملم نفسي في وسط هذا الضجيج الذي يحدث حولي ،كانوا يقولون مرارا و تكرارا أنها سوف تقع و كأنهم لا يعلموا أننا لم ولن نستسلم كما أنهم نسيوا بأنن أمهاتنا ولدتنا أحرار لا نرضى بالظلم و البهتان، نصنع من الهزيمة عزيمة ونرقص من شدة الحزن ولا نرضى بالرضوخ لأحد. نعم أنها سري كانيه مدينة المقاومة وشعلة الحرية وشوكة في عين الأعداء.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: