صدى الواقع السوري

سرفيس الحياة

   سرفيس الحياة

بقلم : معاذ ابراهيم

   أخبرها والدها بأنهما سيسافران  إلى بلاد الكرد ” كردستان “. هي سمعت بكردستان وكانت تتخيّله مكاناً جميلاً هادئاً لطالما كان حلمها وحلم كل طفلٍ  وطفلة كردية.

في ذلك اليوم من عام 2012  لم ترد أن يأتي  الخميس وباتت تكره هذا . اليوم و كانت تحلم  بيومٍ ملؤه الدفء والحب والحنان ولكنها أصبحت بغيره.

جمعني بها القدر والمطر, الجوع والعطش, البؤس واليأس فالتقينا نستقي من مرارة خميس عام 2012 . خرجتْ من سرفيس قادمٍ من اللامكان ترتدي لباساً متواضعاً لا يقيها نسيم الربيع فكيف بظلم برد الشتاء. خرجتْ وبدا الهلع في عينيها, أصبحت تهاب كل شيء ٍ من حولها, الأب والسائق والركاب وكل من اجتمعت بهم في ذاك اليوم البائس.

تمالكتُ نفسي وأجبرتُ دموعي وتوسلتُ إليها أّلا تنهمر شفقةً عليها, فما كان بي إلا وساعدتُ الرجل في أمتعته التي كانت تنقصها بضع أمتارٍ من القماش الأبيض لينتقل بها إلى دارٍ أخرى.

مكثنا نحن الثلاثة تحت سقفٍ كان يقينا من مطرٍ ولكنه فشل من أن يقينا من البرد الذي تجبّر وألح إلا أن ينال من تلك الفتاة التي تورّدت وجنتاها ألماَ. خرجت عن خجلي وبدأت بطرح أسئلةٍ علّها تخفف شيئاً من فضولي.

قال بأنهم سيسافرون إلى كردستان – كردستان التي رأتها الطفلة على شاشات التلفاز مكاناً – إن لم أكفر – هو جنّة من جنان الله. أعود إليها, فهي أهم من أي مكان على وجه الخليقة, أعود إليها فأجدها صامتة.

حالفنا الحظ نحن الثلاثة, فأشفق علينا سرفيس بالوقوف – فإيجاد سرفيسٍ في هكذا وقت ليس بالأمر اليسير. صعدنا لنجد وجوهاً قد فارقتها الابتسامة والسعادة. بدا اليأس مسيطراً على السرفيس ومن فيه, فكلٌ منّا منغمسٌ في تعاسة هذه الحياة وما ترتّب عليها من انعدام لأدنى شروط الإنسانية, حياةٌ تتمتع بكل شيء إلا بالحياة.

كانت الطفلة أقلّ ما تحلم به هو مقعدٌ في هذا السرفيس وقد جلست حقّاً على عرشٍ وكأنها الملكة إليزابيث الثالثة ولكن العرش لم يدم طويلا, فالأب لم يدفع إلا لقاء كرسيٍ واحد وعادت مجدداً من الغرب إلى الشرق. بدأت تحاول جاهدةً أن توفّر لها مكاناً متواضعاً بين الأمتعة ولكن عبثاً. كانت تحدّق في القرى والبلدات التي مرت بها. صرخت من ضغط الأمتعة عليها, ولكن محال أن يكترث أحدنا بها وكأننا جالسون على كرسيٍّ سيدوم لنا ما دمنا أحياء. وصلنا إلى وجهتنا, فهلمت بمساعدتهما وسألني عن طريق كردستان ولم يك يعرف بأن كردستان قد أصبحت بردستان وجوعستان وكل ما لا يتصوره إنسان.

تركتها وكأنني تركت طفلتي هناك …….

تركتها وكأنني ارتكبت جريمةً بحق هذه الطفلة التي لم تجد ما يقيها برد الشتاء إلا حذاء صيفي قد اعتدت عليه مياه الأمطار.

تركتها وكانت رغبتي أن أضمّها وأخفّف من معاناتها.

تركتها وبدأت عيناي تهطل دمعاً على طفلةٍ لم تبلغ من العمر إلا القليل.

طفلةٌ …. كانت تتخيل الحياة بأي صورة إلا هذه.

طفلةٌ …. رغبت أن تعود إلى رحم أمها حيث الدفء والغذاء والأمان.

طفلةٌ …. لم يتبقى لها من طفولتها إلا هذا الجسم الضئيل.

طفلةٌ …. هي ضحية من ملايين ضحايا جشع هذا العالم.

طفلةٌ …. هٌجِرت من منزلها لتعيش حياة غير حياتها.

طفلةٌ …. ستحيا وتكبر وسيحيا هذا البؤس معها لترويها لأطفالها – هذا إن سٌنحت لها فرصة العيش أو البقاء.

طفلةٌ …. شكرتني بعينيها وكأنها أهدتني كنوز الدنيا.

طفلةٌ …. ستمحي يوم الخميس من تقويم حياتها.

طفلةٌ …. خُلقت في عالمٍ ما كان يُجدر بها أن تُخلق فيه.

طفلةٌ …. حُظيت بركوب سرفيس الحياة.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: