روجآفا (غرب كردستان ) خلال العصور الحجرية القديمة 

روجافا (غرب كردستان ) خلال العصور الحجرية القديمة

بقلم المؤرخ : برادوست ميتاني

 

 

 

شهدت روجافا (غرب كردستان ) كغيرها من أجزاء كردستان خاصة والشرق الأوسط والعالم عامة  مراحل تطور الانسان القديم آركتوس ,نيادرتال ,كرومايون وهوموسبيانس  خلال العصور الحجرية  القديمة بأنواعها وما تلاها من عصر المعادن .

1- العصر الحجري القديم الباليوليتي  منذ نشوء الانسان  حتى 15000ق.م

أول إنسان قديم في العصر الباليوليتي هو أنسان آركتوس الذي عاش متنقلا فوق الأشجار والكهوف  وهو أول تحول للإنسان من المشي على الأربع إلى المشي منتصباً على القدمين ومتخلياً عن الشعر المكسو على جسمه في غرب كردستان ومن ثم نياندرتال ,كرومايون وهوموسبيانس الذي عاش واستقر في الكهوف  وأهم كهف في روجافا يضم آثار هذا العصر هو كهف دودري.

عثر الأركلوجي  الياباني تاكيرا أوكازاوا على عظام أطفال  في كهف دودري الكائن في  جبال ليلون في عفرين شرق نهرعفرين وهي تعود الى مئة ألف عام لأنسان نياندرتال محفوظة الآن  في متحف حلب باسم عظام أطفال كهف دودري بعد أن تمسك هذا العالم (تاكيرا أوكازاوا)بالاسم الكردي دودري بعد محاولات عقيمة من سلطات  النظام السوري في حلب  بتعريبه الى اسم كهف حيدري .          

كان الأستاذان سلطان محيسن وعادل عبدالسلام من جامعة دمشق مرافقين للأستاذ تاكيرا أوكازاوا الذي جاء من جامعة طوكيو عندما أجروا التنقيبات في كهف دودري الواقع على بعد حوالي 60 كم شمال مدينة حلب هذه المغارة التي لها موقع متميز أبعادها 50 ×15×10م فهي فريدة في حجمها ومعطياتها وقد كان التنقيب مركزاً منذ 1987 وبانتظام من قبل البعثة السورية اليابانية في منطقة مدخل المغارة من جهة الهضبة حيث لها مدخل آخر من جهة الوادي أي لها بابان لذا سميت في اللغة الكردية دودري وقد تم الكشف عن توضع ستراتغرافي سميك أكثر من 15 م يضم 11 طبقة من أتربة جيولوجية حمراء قاسية مخلوطة بحصى وأحجار كلسية مختلفة و ترسبات بنية غامقة أو رمادية ذات سماكة قليلة تحوي على حراب وأدوات مسننة وأزاميل وأدوات حجرية بيضوية ,وقد تضمنت عظام الأنسان كأسنان وفقرات وأطراف لحوالي 15 فرد, ولكن أهمها كما أسلفنا للأطفال النياندرتاليين, فالهيكل العظمي الأول المكتشف عام 1993 في الطبقة 11 وعلى عمق واحد ونصف متر كان هيكلاً كاملاً وهو من أكمل الهياكل العظمية المعروفة في العالم حتى الآن, وهو لطفل دفن في حفرة مستلق على ظهره ,يداه ممدودتان ورجلاه مثنيتان, وتحت رأسه بلاطة حجرية ناعمة وعلى صدره من جهة القلب أداة  صوانية ,كلها تؤشر على أن عملية دفن هذا الطفل كانت مقصودة ,وهو في الثانية من عمره وقد أشارت الدراسات الأنتروبولوجية على أن هذا الهيكل يحمل الصفات الكلاسيكية النياندرتالية كغلاظة العظام وطول الهيكل 84 سم .أما الهيكل العظمي الثاني فلم يكن مكتملاً وقد أكتشف عاد 1997 -1998م في الطبقة الثالثة على عمق 50 سم وهو لطفل أيضاً ,ولكن بعظام ليست غليظة كالأول ,لذا يعتقد أنها لفتاة نياندرتالية, وهذا ما يجعل من سوريا عامة وروج افا خاصة محط أنظار الباحثين عن أصل الأنسان ونشوء الحضارات من كل القارات ,وما لبلادنا من دور في التقاء وانتشار للإنسان والحضارة الى أرجاء المعمورة عبر العصور القديمة ,كما دل الموقع على وجود حيوانات كالغنم والماعز والغزال والخنزير والثور و كذلك نباتات كاللوز والبطم

2- العصر الحجري الوسيط الميزوليني 15000-  9000

من أثاره موقع خزنة  في مناطق جبل كزوان (عبدالعزيز)  في محافظة الحسكة  التي تعود إلى 12000-10000 ق.م وهي عبارة عن ادوات حجرية بازلتية كبيرة كالمجاريش والاجران والمدقات وهي أدوات تستخدم للمستلزمات الزراعية في زمن التقاط الحبوب واستقرار بدائي

لقد عرف الروجآفايون في هذا العصر الفنون ,إذ شذبوا أدواتهم الحجرية الزراعية بعناية  واضحة وتطورت لديهم المعتقدات الدينية وصنعوا الحلي الحجرية والعظمية للزينة كالخرز والقلادات وكانوا كغيرهم في بقية أجزاء كردستان  في ذلك العصر من سكان علي كوش وتل جرمو وغيرهما يدفنون موتاهم في بيوت سكناهم وشهدوا  الانتقال من عهد الصيد إلى بداية الزراعة المكثفة  وتدجين الحيوان حيث أن لهم الفضل في ذلك

3- العصر الحجري الحديث أي النيوليتي 9000-5600 ق.م

– موقع الجرف الاحمر على الضفة اليسرى من الفرات الاعلى :

يقع الموقع ضمن منطقة منبج ويعود إلى العصر النيوليتي حوالي 8500ق.م  وهو عبارة عن تلين شرقي وغربي ,ففي التل الشرقي توجد عمارة متطورة بمخطط دائري وشبه دائري وكذلك بيضوي تتحول مع تقدم الزمن إلى مستطيل .أما التل الغربي يبدأ بعمارة مستطيلة وشبه مستطيلة يعد افضل نمط للعمارة في العصر النيوليتي وذلك لأن البيوت مزودة بالمواقد والادراج والمصاطب والمخازن وجدران مبنية من الحجر المقطوع بإتقان و كذلك اللبن من الوحل وأيضاً الخشب وهي عبارة عن  منازل ضخمة تشير إلى وجود سلطات آمرة  تعقد فيها الاجتماعات وقد استخدم في بناء المنازل بلاطات حجرية ضخمة ومزخرفة ومقسمة من الداخل .

احتوت المنازل أدوات منزلية ذات تقنية مميزة حجرية متطورة منها ثقيلة كالمجرشة والرحى والمدقات الصغيرة والكبيرة كما تم العثور على لوحات حجرية مسطحة  استخدمت لأول مرة في التاريخ للرسم  الدال على الكتابة التصويرية من خلال رسوم معبرة للطيور والافاعي ومختلف الحيوانات

– منطقة سهل الأمك(العمق بعد التعريب) لقد قسمه الباحثون الى أمك(ا) الذي يعود الى عام 6 الاف قبل الميلاد .يتميز بوجود اواني متنوعة مصنوعة من فخار مزخرف واشكال للجرار والكؤوس والاباريق واختام مسطحة وسهام ونبال متميزة .

امك(ب) تم العثور على فخار بالوان عديدة .أما امك(س) ظهر التأثير جليا بينه وبين مختلف مناطق روجافا وشمال سوريا وجنوبها وشرقي الرافدين وقد انتقلت حينها مناطق روجافاي كردستان في الجهة الشرقية منها من العصر الحجري الى النحاسي خاصة تل حلف المشهور بتعدد وتقنية مقتنياته الفخارية العالية والمزخرفة الشديدة الصلة بجنوب كردستان.

ومن المواقع الأثرية لسهل أمك موقع تل يونس قرب كركميش (سمي فيما بعد جرابلس) وتل كردو وتل الجديدة .

– عثر في تل يونس على بيوت دائرية مقببة من الاعلى تشبه كوارك (خلية النحل )كما هي الآن وذلك درءً للمطر. بتقدم الزمن نشهد تراجعاً تقنياً في أدوات هذا الموقع من حيث صناعة الاواني الفخارية  ومن المؤكد في ذلك انه انتقال إلى الصناعة المعدنية وخاصة النحاس كذلك بالنسبة لقسم امك(د) أي لقسم سهل العمق الذي صنف برمز (د)

,بالقرب من سري كانيه  – موقع تل حلف  ((جوزانا)

فقد انتشرت الثقافة من هناك نحو الزاب الأعلى و طوروس و أناضول , واستمرت حتى 4300ق.م منها الكتان و الأدوات الحجرية والعظمية و أبنية ضخمة و منازل مستديرة ذات الاساس الحجري و الجدران الطينية السميكة , فحجم حجر الركن 5,5 م كما عثر في الموقع على أختام طينية و على مظاهر تأليه الأم وقد كانت قبورهم تحت البيت تضم عظام الميت و رأسه باتجاه الغرب احتراما لشروق الشمس( كما هي العادة عندنا ) كما عثر على أواني وخرزات حجرية منقوشة ورسوم للطيور و الحيوانات , كما تضمنت هذه الآثار قصة الطوفان لنبي نوح على جبل نيسير وهي قصة سومرية ( اسم الجبل الآن في كردستان بيرو مكرون) ) .

4-العصر الحجري المعدني 5600- 3500ق.م

صنع الإنسان أدواته من المعدن واستخدمت في الزراعة المتقدمة فازداد الانتاج وانتقل إلى الطور المبادلة العينية للمحاصيل الزراعية , وتم الاختصاص في الحرفة والعمل وظهرت بوادر العلاقات التجارية كذلك بالنسبة لملامح الدين و القومية

– المواقع الأثرية في هذا العصر

– أيضاً تل حلف :

لقد قسمه المؤرخون إلى فترة ما قبل الحلف  ,الحلف الباكر ,الحلف الاوسط والحلف الاخير وذلك لغناه بالآثار الفخارية والمعدنية خاصة النحاس كونها طالت معظم ميادين الحياة والمنتشرة إلى أناضول,اوربا,كردستان , بلاد الرافدين وفلسطين.

تميز تل حلف بصناعة الأدوات المعدنية وخاصة الأدوات النحاسية التي ظهرت في عام 3500ق.م وبذلك سبقت أوربا ب1500 عام .كما أن هذه الأواني و الطاسات وغيرها من لوازم اليومية صنعت من الحديد أيضاً ونذلك قبل أوربا.

– موقع هموكر جنوب شرق رميلان في الجزيرة السورية يعود إلى الألف الخامس ق . م.

في هموكرHemoker تم اكتشاف قنوات الري وأساليب التكييف المنزلي وأختام متنوعة  والزخرفة والنحت وصناعة الزجاج واستخدام الحجر البركاني وبيوت مبنية من اللبن الطيني.

أن هموكر تعكس انتقال الأثر الحضاري لشعوب شمال الرافدين (جبال زاغروس وطوروس) إلى جنوبه خلال العصرين النيوليتي والمعدني  أي أثر أجداد الكرد وغيرهم في جغرافية كردستان  , إذ أنها عاصرت فترات تل جرمو القروية ومدنية الكوتيين والهوريين وغيرهما

استمرالدور الحضاري لسكان هموكر  حتى مجيء الأكاديين والآشوريين الذين دمروا المدينة.

بانتهاء فترات العصور الحجرية  والمعدنية  في روجافا انبثقت منها دول وامبراطوريات شكلت اسلاف الكرد الحاليين ,منها ما اتخذت من روجافا منطلقا للانتشار الحضاري السياسي إلى كردستان عامة وسوريا خاصة كالهوريين عاصمتهم اوركيش بالقرب من عامودا والهوريين الميتانيين عاصمتهم واشوكاني بالقرب من سري كانيي أو دول كردية امتدت من مركز كردستان إلى اطرافها كالكوتيين (الجوديون) عاصمتهم آرابخا (كركوك ) والميديين عاصمتهم همزان (اكباتانا) وغيرهم ,مع استمرار الكرد في القيام بدورهم الحضاري على أرضهم تلك إلى يومنا هذا .

– المراجع :

1- تاريخ أسلاف الكرد – د.أحمد محمود خليل.

2- عصور ما قبل التاريخ – د.سلطان محيسن

3- موجز تاريخ سوريا القديمة – محمد حرب فرزات

4- كتابي : بوابة إلى التاريخ الكردي القديم

5- وطن الشمس ج1- أ.عبدالله قرة مان

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: