رسائل روسيا الأخيرة لتركيا , والسّاحة السّورية خير مكانٍ لـ”تصفية الحسابات”

يدرك القارئ في الأحداث على الساحة السورية  بأن رسائل التصعيد بين تركيا وروسيا عادتْ إلى الواجهة مجددًا في الشمال السوري، بعد قرابة أربعة أشهر من الهدوء عقب اتفاق آذار الماضي بين البلدين، باستثناء ما شهدته المنطقة من خروقات قوات الجيش والميليشيات الإيرانية حيناً والفاصل الجهادية حيناً آخر

فقد تحوّل الشمال السوري إلى مكان لتصفية الحسابات بين تركيا وروسيا، اللتين تتفقان في أمور وتختلفان في أخرى، خاصة فيما يتعلق بالملف السوري، كونهما ضامنتين له، في ظل وجود ملفات خلافية بين الطرفين في مناطق صراع أهمها ليبيا، كما دخلت أزمة حدود أذربيجان وأرمينيا على الخط.

وأحدث هذه الخلافات بين الطرفين، كان التقدم الذي أحرزته قوات حكومة “الوفاق” في ليبيا، المدعومة من قبل أنقرة على حساب قوات “خليفة حفتر”، المدعومة من موسكو، وما رافقه من تهديد “الوفاق” بالهجوم على مدينة سرت الاستراتيجية.

وفي ظل مرابطة قوات “الوفاق” على أطراف مدينة سرت بانتظار ساعة الصفر من الأتراك للهجوم، واشتداد الحراك السياسي وتصريحات التهديد والتحذير من الدول الفاعلة للحيلولة دون ذلك، أوصلت روسيا رسالة مبطنة إلى تركيا عبر قصف مناطق نفوذها الهادئة منذ سنوات في ريف حلب.

ليس جديدًا الحديث عن تبادل التأثير بين الملفين السوري والليبي، فكل طرف يحاول الضغط على الآخر بهدف الحصول على مكتسبات سياسية وعسكرية، والشمال السوري واحد من هذه الأوراق التي تحاول روسيا الضغط من خلالها على تركيا.

وصدرت منذ أسابيع تصريحات من قبل مسؤولين روس عن إمكانية إنهاء الهدوء في إدلب، وبالفعل بدأت الطائرات الروسية بشن غارات جوية على مدن وبلدات جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، والكبانة بريف اللاذقية.

وجاء القصف بعد ساعات من استهداف سيارة مفخخة للدورية المشتركة التركية- الروسية على الطريق الدولي حلب- اللاذقية، في 14 من تموز الحالي، ما أدى إلى إصابة ثلاثة جنود روس.

وتزامن ذلك مع حشود عسكرية واستقدام الجيش السوري تعزيزات كبيرة على جميع محاور إدلب منذ 15 يومًا، إلى جانب فرق استطلاعية، ونشر المدافع على الجبهات، بانتظار قرار استئناف المعارك من قبل روسيا.

إلا أن التطور الأبرز كان التصعيد الروسي في مناطق النفوذ التركي التي تعتبر خارج التفاهمات والحسابات، إذ تعرضت مدينة الباب بريف حلب الشرقي، في 16 من تموز الحالي، إلى غارتين من الطيران الحربي الروسي بشكل مفاجئ، الأولى استهدفت محيط جامع “الإيمان” وسط المدينة، والثانية في دوار “الجحجاح”.

وعلى الرغم من عدم اعتراف روسيا باستهداف الباب، وما رافقه من صمت تركيا التي تدعم الجهات المسيطرة عسكريًا والتي تدير المنطقة خدميًا واقتصاديًا، فإن المراصد الموجودة في الباب أكدت أن الطيران الذي استهدف المنطقة حربي روسي.

وبعد ساعات استهدفت طائرة مسيّرة نقطة تنسيق للقوات الروسية في مدينة الدرباسية شمالي الحسكة، أدت إلى إصابة ستة أشخاص بينهم روسي، بحسب ما ذكرته وكالة أنباء  “ANHA“، التي نشرت تسجيلًا مصوّرًا يظهر إسعاف جنود بلباس عسكري روسي ونقلهم إلى عربات عسكرية روسية.

كما ذكرتْ مصادر لم تكشف عن نفسها أنه خلال اجتماع قيادات من قسد والجيش السوري وعناصر القوات الروسية في نقطة التنسيق للتحقيق في حادثة القصف التي تعرّضت لها النقطة صباح الـ16 من تموز الحالي، استهدفت طائرة مسيّرة الاجتماع، وانفجرت فوق النقطة.

وأكدت المصادر إصابة ستة أشخاص من المجتمعين، ثلاثة منهم من القوات الروسية وثلاثة من قوات الجيش السوري، وسط توقعات بأن تكون الطائرة تركية.

كما تعرضت شركة “وتد” المورّد الوحيد للمحروقات في محافظة إدلب، في 18 من تموز الحالي، لقصف استهدف مركزًا رئيسًا لها في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي، بحسب المصادر

حيث أكّدتْ المصادر المطّلعة بأن طائرة مسيّرة انتحارية مجهولة المصدر قصفت مركز الشركة في سرمدا مع ساعات الصباح الأولى، مضيفًا أن الطائرة خرجت من مناطق تسيطر عليها ميليشيات إيرانية.

وتعتبر مدينة الباب من أهم مدن ريف حلب الخاضعة للإشراف التركي، والتي سيطر عليها “الجيش الوطني” (المدعوم تركيًا) ضمن عملية عسكرية ضد تنظيم “داعش”، أُطلق عليها عملية “درع الفرات”، وانتهت في آذار 2017.

ومنذ ذلك الوقت، شهدت الباب هدوءًا شبه كامل، واهتمامًا خدميًا واقتصاديًا من قبل تركيا، ما جعلها خارج العمليات العسكرية كبقية مدن ريف حلب الشمالي والشرقي.

أما سرمدا فتعتبر بوابة اقتصادية للشمال السوري، بعدما برزت كواجهة استثمارية تجذب التجار في المنطقة، نتيجة موقعها الاستراتيجي المهم بالقرب من الحدود، إذ لا تبعد سوى ستة كيلومترات عن تركيا.

ويلاحظ أن الباب وسرمدا لم يتعرضا لأي قصف أو هجوم، خلال السنوات الماضية، إلا في شباط الماضي، عندما وصل الخلاف الروسي- التركي إلى ذروته في إدلب، إذ استهدف الطيران الحربي الروسي الباب بخمس غارات جوية، ردًا على التصعيد التركي في إدلب حينها، وعدم قبول تركيا بالشروط الروسية لوقف حملتها على المنطقة، وتزامن ذلك مع تعرض المخيمات حول سرمدا لقصف مدفعي وسقوط جرحى في صفوف النازحين.

وأثار تعرض مدينة الباب استغرابًا وتساؤلات حول أسباب التصعيد في المنطقة، كونها تعتبر خارج التفاهمات والحسابات العسكرية والسياسية بين تركيا وروسيا في المنطقة.

وحمّل استهداف المدينة رسالة روسية إلى تركيا، بحسب ما قاله قيادات فيما يسمى “الجيش الحر” كون المدينة تقع ضمن النفوذ التركي المباشر.

وترى المصادر أن “القصف يتعلق بملف ليبيا، وقرب معركة سرت، والتقدم الذي حققته حكومة الوفاق المدعومة تركيًا”، مضيفًا أن “الرسالة كانت ضمن مناطق درع الفرات، كونها خارج التفاهمات الروسية- التركية عكس إدلب”.

وأشار تْ المصادر أيضاً إلى وجود عدة ملفات بين تركيا وروسيا، منها ملفا إدلب وليبيا، ومشكلة أذربيجان المدعومة من تركيا وأرمينيا الخاضعة لموسكو، معتبرًا أن “سوريا المكان الأنسب والأسهل لروسيا لإرسال رسائلها، كونها تملك الجو وتسيطر على أغلب سوريا”.

وتوقّعتْ المصادر بأن يكون التصعيد في الشمال السوري بأكثر من جهة، لكن ليس معركة شاملة مثل المعارك الماضية في شباط الماضي.

ويتخوف سوريون في المنطقة من تصعيد جديد في المنطقة، خاصة في ظل انتشار جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) في الشمال، وتسجيل 12 إصابة، إلى جانب الواقع الاقتصادي المتردي، ما يزيد معاناة أكثر من أربعة ملايين سوري في المنطقة.

قسم التحرير : سامر الرنتيسي

 

 

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: