دهاليز السّياسة

#صدى اقلام المثقفين:

بسام 5456

حتى لو أعلن الكون الانتصار على داعش أو جبهة النصرة أو القاعدة وأخواتها،فطالما يلفُّ الغموض مصير المقاتلين في هذه التنظيمات كما سبق ولفّ ولادتها ونشأتها، فمثل هؤلاء لا يتبخّرون وإنما يفرِّخون. سحق داعش مثلاً، يتطلب إقناع الناس بمصير المقاتلين، جثثاً كانوا أو في إطار إعادة التأهيل أو حتى فارين إلى الكهوف والمدن التي صدّرتهم إلى سورية والعراق، يتطلب نشر صور الاستيلاء على دباباتهم وسياراتهم وآلاتهم الإعلامية التي بهرت العالم. فباسم مكافحة الإرهابيين تم تدمير العراق وتم استدعاء الإرهابيين إليه “كي لا نحاربهم في المدن الأميركية”.

كما قال الرئيس الأميركي حينذاك “جورج دبليو بوش” وتحت عنوان مكافحة الإرهاب :”تم تحويل سورية من ساحة عصيان مدني إلى ساحة اجتذاب للإرهابيين من كلّ مكان للقضاء عليهم بعيداً من المدن الروسيّة والأميركيّة والإيرانيّة، النظام السّوريّ متمثلاً كان أول المستثمرين في الشركة المساهمة التي طوّرت صناعة الإرهاب العالمي في سورية، لكن المستثمرين والممولين كانوا منذ البداية متعددي الجنسيات والأهداف، منهم ما هو عربي، وشمال أفريقي، وما هو تركي وإيراني، على الصعيد الإقليمي. على الصعيد الدولي، أتى الأميركي والروسي والأوروبي مساهمَين أساسيين في ذلك الكوكتيل الاستخباراتي الغامض والفاعل في تأسيس الشركة المساهمة المسماة “داعش”

التي تصدّرت الرّعب والإرهاب إلى درجة نسيان تنظيم “القاعدة وخلاياه النائمة قبل الانصباب على “جبهة النصرة” بمختلف أسمائها إنما بوضوح انضمامها إلى شبكة “القاعدة” إلى أين يذهب أولئك المتطوعون؟! الإرهابي منهم والعقائدي المتطرف وذلك الذي يعتبر نفسه مدافعاً عن حقوق السُنَّة في وجه الزحف الإيراني باسم الشيعة بالذات في العراق ولبنان

قائد “فيلق القدس”في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بات بطلاً لدى الإيرانيين لأنه صوّر نفسه ذلك المقاتل الشرس الذي حارب «داعش» في العراق وسورية كي لا تحاربهم إيران في أراضيها، آخذاً بنموذج جورج دبليو بوش. في العراق بالذات، أتت صناعة “الحشد الشعبي” كجيش موازٍ للجيش العراقي موالٍ لطهران أكثر مما هو لبغداد، لتضاعف شعبيّة سليماني وبطولته في تصدير نموذج الحكم الإيراني إلى العراق .

كذلك في لبنان حيث الأمين العام لحزب الله السّيد حسن نصرالله يُنصّب نفسه أيضاً قائد نموذج الجيش الموازي الموالي لطهران، ثم رفع راية مكافحة الإرهاب ضد النصرة و داعش أينما كان تلبيةً للنداء الأميركي وللاستراتيجيّة الإيرانيّة في إطار التموضع قبل اقتسام النفوذ في سورية والعراق، هذا مع الاحتفاظ بأدوات السيطرة على لبنان وعلى أوتار الخلاف الشيعي– السنّي في كامل البقعة العربية، هنا بالذات تتداخل الانتصارات الحقيقيّة والمزعومة في الحرب على الإرهاب ،هنا تبرز إمّا السذاجة الأميركيّة –كما يراها البعض– وإما الحنكة الاستراتيجيّة الأميركيّة التي قرّرت أن مصالحها ما زالت تقتضي الاستمرار في إشعال النزاع السنّي– الشيعي بشراكة مع روسيا.
تركيا لعبت دورها في إنماء الصراع السنّي– الشيعي بتبنيها وتصديرها مشروع الإخوان المسلمين للصعود إلى السلطة بنموذجٍ فرض الدين على الدولة سنّياً، كما يفعل نظام الحكم في إيران شيعياً.
إيران تحاول فرض نفسها على الدول في نظام ديني يرفع راية قيادة الشيعة أينما كان في البقعة العربيّة، ليس فقط داخل إيران وبلاد فارس. أنقرة فشلت في مصر كما في سورية، مع اختلاف تجارب الفشل، ذلك لأن ما فعلته في سورية انطوى على صناعة الإرهاب بأسهم عالية في تلك الشركة المساهمة بشراكات خليجيّة عربيّة.
الصراع السنيّ – الشيعيّ امتد من الخليج إلى العراق وسورية ولبنان واليمن وهو الآن يتخذ بعداً في العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب بصورة تختلف عما كانت عليه في زمن الرئيس باراك أوباما، كلاهما عرض نفسه شريكاً جدّياً يمكن الاتكال عليه في مكافحة الإرهاب بدلاً من الآخر، أوباما اقتنع بالشراكة مع إيران وتبنى سياسة أجّجت النزاع السنّي– الشيعي عمداً، إنّما هذا ليس جديداً على الاستراتيجية الأميركيّة البعيدة المدى إزاء المعادلة السنّيّة– الشيعيّة الممتدة من أفغانستان وباكستان إلى إيران والسعودية، فالإرهاب في التعريف والتصنيف الأميركي، كان يوماً شيعيّاً ويوماً آخر سنّياً، والشراكة كانت يوماً مع صدام حسين في حربه مع إيران، ويوماً آخر مع إيران وامتداداتها في العراق وسورية مع الحفاظ على التهادنية مع إسرائيل.
دونالد ترامب يبدو مقتنعاً أكثر بالشراكة مع السُنَّة للقضاء على الإرهاب بجميع مشتقاته، من القاعدة إلى داعش، لكن سياساته العمليّة الميدانيّة ليست مُقنِعَة، لا في العراق ولا في سورية ولا حتى في لبنان واليمن،حصل الرئيس الأميركي في قمة الرياض التي جمعته مع القيادات السنّيّة، على التزامات وتعهدات ماليّة وبشريّة للقضاء على التنظيمات الإرهابيّة السنّيّة، إنّما هذا الاستعداد السُنّي للاندفاع إلى الصف الأمامي من المعركة سيفقد الزخم إذا انحسرت الوعود والتعهدات الأميركيّة باحتواء التجاوزات والطموحات الإقليمية الإيرانيّة.
تسليم مصير الحشد الشعبي في العراق إلى رئيس الحكومة “حيدر العبادي” إنّما هو هروب إلى الأمام، لأنّ ليس في قدرة “العبادي” الوقوف في وجه القيادة الإيرانيّة للحشد الشعبي. وهذا مثال على الخلل الجذري في مكافحة داعش وأمثاله، لأنّ داعش العراق وُلِدَ من رحم تفكيك الجيش العراقي بعد غزو العراق واحتلاله في زمن “جورج

دبليو بوش”، و داعش استطاع أن ينمو ويتوسّع لأنّه أتى ردّاً على التّجاوزات الإيرانيّة والمكابرة الشيعيّة في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق “نوري المالكي” الذي قزّم السُنّة وتعمّد إقصاءهم.
ما لم تتم المعالجة الجذريّة للمعادلة السنّيّة– الشيعيّة في العراق بعد تحرير الموصل بما يعالج مستقبل الحشد الشعبي والنفوذ الإيراني في العراق، ستترك هزيمة داعش بذوراً لولادة بديلة، وربما الأسوأ.

في سورية أيضاً، تبدو إدارة ترامب في تعثر بين شراكاتها حتى مع إيران وميليشياتها من أجل سحق داعش، وبين ميدانيّة الترتيبات لاستيعاب النصرة و داعش وأخواتهما وتمزيق المعارضة السّوريّة المسلّحة المعتدلة. وزير الدفاع “جيمس ماتيس”، الذي كان بالأمس القريب أكثر المشككين بإيران وميليشياتها والمتوعدين بقطع الطريق على مشروعها الإقليمي، يتحدث الآن بلغة لا توحي بالاعتراض على امتداد الحرس الثوري و حزب الله وميليشيات أخرى تابعة لإيران في الأراضي السّوريّة التي يتمُّ تحريرها من داعش. مواقفه الحاليّة تتناقض ليس فقط مع مواقفه السّابقة، وإنّما أيضاً مع المواقف المعلنة للرئيس ترامب.
كذلك الأمر مع مستشار الأمن القومي أتش. آر. ماكماستر الذي طالما هاجم إيران وانتقد سياساتها التي تشعل حلقة النزاع المذهبي كي يبقى العالم العربي ضعيفاً دائماً، فهو بدوره أوضح أنّ الولايات المتحدة لن تتدخل في سورية ولا في العراق لإيقاف إيران ومشروعها، فسبب وجودنا في سورية هو تدمير داعش، لا غير

وفي الأيام القليلة الماضية، وللمزيد من التناقض في مواقف أركان إدارة ترامب، أطل علينا رئيس وكالة الاستخبارات المركزية CIA، مايك بومبيو، من منتدى آسبن Aspen ليقول بلسان إدارة ترامب :”عندما نضع استراتيجية (نحو إيران)، أنا على ثقة بأنّنا سنكون قادرين على صدّ السياسات الإيرانيّة”. مُطمئِنةٌ هذه المواقف! مطمئنة جداً! فليس لدى إدارة ترامب استراتيجية نحو إيران، على عكس التصريحات التي حملها ترامب إلى قمم الرياض وما تلاها من تهديد لإيران ولحزب الله.

هناك انحسار وتراجع في مواقف وتعهدات «محور الراشدين» –الذي يضم ماتيس وماكماستر وبومبيو وكذلك وزير الخارجيّة المسترخي ريكس تيلرسون– في انتظار تلك الاستراتيجية الأميركيّة الجديدة.
من المفيد للدّول توخي الحذر لأنّ في الاعتماد على الوعود الأميركيّة مقامرة ومغامرة ،قمة الرياض أخذت وعوداً من ترامب وحشدت تعهدات بضمان تنفيذ الوعود،واقع الأمر الميداني يوحي بأنّ إدارة ترامب تبنّت فعليّاً سياسة إدارة أوباما في سورية، وكذلك في العراق.

كلام الرئيس الأميركي يختلف عن سياسات إدارته الميدانية. الكونغرس يعاونه من خلال فرض عقوبات على إيران و حزب الله، إنما ما يعكف أركان إدارته على تنفيذه ينطلق من تلك الأولوية القاطعة لدونالد ترامب، وهي: زعم الانتصار في سحق داعش، بشراكة مع الشيطان –لو تطلب ذلك– وبسياسة قصيرة النظر عنوانها ذو شقين: أولاً، الاستعجال إلى انتصار ناقص لا يعالج الجذور التي أنتجت تلك التنظيمات المتطرفة السنّية التي سلكت الإرهاب، إما عقائديّاً أو ردّاً على مشروع إيران الإقليمي، وهذا سيؤدي إلى تفريخ تلك التنظيمات، الناشئ منها والقابع في الخلايا النائمة، إلى جانب موجة انتقام من خذلان الأسرة الدوليّة برمتها المعارضة السّورية، العنوان الثاني هو الاستثمار في التعالي الإيراني وتفاقم الثقة بالنفس لدى إيران وحلفائها بسبب انصياع إدارة ترامب لمشروع الهلال الإيراني، ما سيُنتج خريطة للتمدد الإيراني عبر العراق وسورية ولبنان باسم التواصل مع إسرائيل بالتهادنية المعهودة بين اليهود والفرس، هكذا يُنسف أيضاً ذلك الاستعداد الخفي لدى السُنّة للمصالحة مع إسرائيل على أسس جديدة غير تلك الواردة في المبادرة العربية للسلام والتي رفضتها إسرائيل. أما إذا استعادت إدارة ترامب توازنها وكفت عن الإيجاء بشئ وتنفيذ نقيضه ، فقد يكون واردا” الاعتماد على استراتجية بنّاءة.

مقال: بسام محمد

مقالات ذات صلة

اضف رد

%d مدونون معجبون بهذه:


22212151