حوار مع الشاعر الكردي “جوان نبي”

حوار مع الشاعر الكردي “جوان نبي”

حوار : بيمان حسين.

بين طيات ذاك التاريخ نبحث عنها…
بكلمات تناثرت من بين رياح الجبال…وتناغمت مع عزف الناي من ذلك الراعي الحاضن بين الكوجر والجبال..
قصائد باتت مسكونة بين اشلاء جسد الكردي..
وبين جروح ذلك الفقير وهي يتهمس بين حرارة الشمس ورائحة الوطن…
وجكرخوين يصدح بين منجل و سنبلة ….
ما الكردي الا بلسان حاله … قصائده .

_ لنبدأ بسؤال ربما يكون غير اعتيادي، متى يسمى المرء شاعرا؟ من هو الشاعر برأيك؟

لن تكون الإجابة سهلة على هذا السؤال، لن أكون قادرا على الإجابة. ذلك ما يمكنني قوله، حتى أنال الخلاص من سؤال أسعى إليه مثل البحث عن إجاباته، التي تختلف مع الزمن ومعرفتنا بالكتابة، إدراكنا للغة واللحظة التي تسعى اللغة إلى القبض عليها.
الشاعر محاولة من الجميع حتى نعيش بألم أقل، رغبة وسط الضجيج الذي يحوم حولنا وفي داخلنا، موت أقل_ هل حققنا ذلك؟!
في يوم ما مثلا كنت اقول للأصدقاء: جميعنا شعراء حين نحب. ذلك ما كنت أفعله عندما اعتقدت أن الصباحات ستبقى تشرق وضحكات أطفالنا.
اليوم لا يحدث ذلك للأسف، نستيقظ على اصوات الموت والحرب_ هل لا زلنا شعراء لأننا نحب؟!!
اليوم الكراهية التي تسكننا من ما يحدث ونعيشه هي القصيدة الأكثر حضوراً، اللغة التي نقذفها وتقذفنا بعد أن كنا نتمايل مع نسماتها.
الشاعر، رغم أنه يمنح اللحظة البقاء يقف وحيدا في النهار، ظلاله تحوم حوله، يحملها للحظة، تغادره. الشاعر، متى استطاع احتضان ظله، دون أن يسقط منه والعودة إلى البيت سنستطيع أن نعرف من هو.

_ الشاعر الكردي جوان نبي عن توجهك إلى الكتابة؟ عن بداياتك في الكتابة؟

الأمر حدث صدفة، لا قرار اتخذته في ذلك. الكتب الأولى، خارج المنهاج المدرسي وجدتها في مكتبة خالي، الذي أجبر على الهجرة إلى أوروبا. تحدثت عن ذلك كثيراً، كتب لجكرخوين، لشيركو بيكس وأخرى روايات من الأدب الروسي. كنت في الثالثة عشر من عمري، ربما أكثر أو أقل، قرأت بعض تلك الكتب، حاولت كتابة قصائد قريبة من ما قرأت، من ما تشبه كلمات الأغاني، البيت، الأصدقاء قالوا لي بأني شاعر كبير وأنا صدقت ذلك لفترة طويلة!!
قصائد كثيرة كتبتها في ذلك الوقت، ربما لم اقترب فيها من لحظة الشعر، غير أنها كانت صادقة كثيراً وقريبة إلى قلبي، اليوم ابتسم كلما تذكرتها، سيما بعد الزمن الذي أخذني في الكتابة… بعد الكتابة التي أخذت الزمن مني لتقدم لي لحظات، دون أخرى، لتقدم لي أصدقاء لا أعرفهم، أعداء في كل مكان.
أتذكر الآن أولى القصائد التي نشرتها في المجلات الورقية الكردية…. التي كانت تصدر في السر، المتعة التي كنت أحصل عليها حين رؤية قصائدي على صفحات تلك المجلات والقلق من القبض علينا بسبب ذلك.
مياه كثيرة مرت تحت الجسور، زمن طويل… وجدت نفسي، دائما في امتحانات اللغة والكتابة وظلت التجربة كل ما أسعى إليها، كتابة ما أعيشه، الرحيل واللغة.
وجدتني أجلس مع الأصدقاء، دون أن أكون معهم، أجلس وحيداً، الأصدقاء معي.
ذلك ما فعلته الكتابة، قدمت لي عوالم أخرى، أسعى إليها وأخذت مني عوالم، كنت بحاجة إليها.
الكتابة ظلت ترافقني … أبحث فيها عن ما افتقده. ظلت الوحيدة، تمنحني القدرة على البقاء، رغم كل ما يهدد ذلك.
أن أكتب. ذلك ما يشغلني دائماً. أن أفعل شيئا وأخبر اللغة عن ما يحدث، تماماً مثل طفل يعود إلى البيت هارباً حتى يخبر أمه عن رفاقه الذين يزعجونه.

_ اعمالك الشعرية هل تحدثنا عنها؟
هي أربع مجموعات شعرية صدرت لي حتى الآن، باللغة الكردية، الأولى صدرت سنة 2006 والأخيرة قبل سنتين. في هذه المجموعات حاولت البحث عن هوية في اللغة والتعبير، حاولت أن أكتب ما أعيشه، ما أتمناه.
في الكتابة ثمة رؤية تحكمني، دائماً، ثمة محاولة لإعادة ترتيب ما يحدث، ما أراه، ما أرفض حدوثه، هي رغبة في النهاية، أمنية. كتبت عن الحب حين كنت عاشقاً، عن الأشجار التي أمام نافذتي في المرحلة الجامعية من حياتي في حلب والرياح التي كانت تهب على أوراقها، كتبت عن طفولتي، عن الانتظار الذي نعاني منه وحين عصفت الحرب ببلادنا وجدتها تعصف بكل ما أكتب، اليوم الدماء التي تسيل من أجسادنا تسيل من قصيدتي، الرصاصات التي تطلق تصيب ما أكتب، في القلب. هذه الحرب لا أقسى منها، لا نستحقها. هذه الحرب لا بد أن تنتهي.

_ ما رأيك بواقع الشعر الكردي، مستقبل الشعر الكردي كيف تتوقعه؟

أنا أنتمي إلى جيل شعري كردي يؤمن بالتغيير ويعمل لأجل ذلك. الإيمان بالتغيير كان يرافقه دائماً شعور بوجود أصدقاء يرافقوننا، أصدقاء آخرين، في الأيام القادمة سيرافقوننا، نلتقي بهم في الطريق ونسير معاً. هذا الشعور، مثل الكثير من أمنياتنا فقدته في هذه الأيام، لا أستطيع الحديث عن واقع الشعر الكردي بسعادة، الكثير من الأصدقاء الشعراء تركوا الكتابة، أسباب كثيرة دفعتهم إلى ذلك، ببساطة اليأس من الكتابة، أو ربما لقساوة الظروف، أو لانشغالهم بعد الهجرة إلى أوروبا أو لأسباب أخرى لا أعرفها، لا بد من البحث عنها ومعالجتها.
قبل سنوات وانطلاق فسحة الحرية ذهبت آراء كثيرة إلى أن الشعر الكردي بدء يرسم ملامح أخرى لوجهه، ثمة مساحة للكتابة ولإنتاج بيئة ثقافية تمنح الشاعر الكردي المقدمات الضرورية وترافقه في ما يسعى إليه. كنت من بين المؤيدين لتلك الآراء. الشعر الكردي في ذهابه إلى المكتبات بعد سنوات من بقائه كوثيقة سرية لن ينتظر القراء كثيراً، لن ينتظر الشعراء، اللحظة هذه لطالما كانت الحلم الذي يراودهم. ذلك ما قلته، اليوم لا أعتقد أني كنت على صواب .. واقع الشعر الكردي لا يشير إلى ما نطمح إليه، ثمة دعوة لمن يريد لزيارة المكتبة الكردية ومراجعة ما يصدر من الشعر، مقارنة مع السنوات التي مضت، الأمر مخيف في الحقيقة… قليلة هي المجموعات الشعرية التي تصدر باللغة الكردية، هي تحتاج إلى مراجعات قبل النشر ولا توجه نقدي إليها… ثمة تأخر مخيف أيضا لظهور جيل شعري جديد، يفكر بالكردية ويكتب بها. ذلك ما يشغلني كثيراً ويضيف على الحديث عن مستقبل الشعر الكردي الكثير من التساؤل والحذر.

_ كلمة أخيرة ماذا تقول؟

شكراً لكم، أتمنى لكم الخير والنجاح دائماً.

جزيل الشكر لك الشاعر جوان نبي وتمنياتي لك بالتوفيق وتحقيق كل ماتتمناه مع وافر احترامي وتقديري.

حوار : بيمان حسين.

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: