حليب الأطفـال في سورية بين يدي رجال العلم والأعمال

#صدى_سوريا:

حليب

حليب الأطفـال في سورية بين يدي رجال العلم والأعمال

تشهد السوق التجارية المحلية ارتفاعاً كبيراً غير مشهود وغير معقول، في أسعار مستلزمات الأطفال الرضّع من الحليب المجفّف والحفاضات في السنة الأولى من العمر ونفقات التدفئة والألبسة، وإن يكن بمستطاع الكثير من الأسر التخفيف من عبء بعض الإنفاق، إلا أنه ليس بمقدورها التخفيف من غذاء الطفل من الحليب، وخاصة في الأشهر الأولى من العمر، وتحديداً فيما يخص أسر الأمهات اللاتي لا تدررن حليباً يكفي أطفالهن.

أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كان سعر علبة حليب الطفل حينئذ بحدود خمس ليرات سورية، وحاجة الطفل لعشر علب كل شهر كانت تستوجب /50/ ل.س، أي ما يعادل 7% من الراتب الشهري آنذاك، ولم تكن يومذاك الحفاضات وبهرجة ألبسة الأطفال منتشرة بالشكل الذي هي عليه الآن، ولكن سعر علبة الحليب اليوم للطفل هو /2250/ ليرة سورية، وحاجة عشر علب كل شهر تستوجب /22500/ ل.س كل شهر، أي ما يعادل 90% من الراتب الشهري الحالي لوالده، عدا كلفة الحفاضات واللباس، وعقب الانتهاء من حاجة الحليب والحفاضات سيأتي عبء اللباس والأحذية، والعديد من المستلزمات التي لم تكن معهودة في ماضي السنين، كالألعاب والعربات، بحسب صحيفة البعث السورية.

إن تنامي النزعة الاستهلاكية بشكل كبير، جعل الكثير من الأسر يتبارى في اقتناء مستلزمات أطفاله -بمن في ذلك ذوو الدخل المحدود منهم- ومن يدخل إلى محلات مستلزمات الأطفال ويقارن أسعارها مع أسعار مستلزمات الكبار، يجد العجب العجاب، والطامة الكبرى في النفقات اللاحقة بخصوص دور الحضانة والرياض، ما قبل دخول المرحلة الابتدائية، والتي قسط بعضها السنوي يقارب الراتب السنوي للموظف العادي، وقد يفوق قسط التعليم الموازي لكثير من الكليات في الجامعات الرسمية، وهذا الغلاء الفاحش في جميع السلع ألزم الكثير من الأسر أن توجّه مجمل دخلها لغاية الإنفاق الآني، وحدَّ كثيراً من تخصيص بعض دخل الأسرة لغاية الادّخار المستقبلي أو الاستثمار الحالي لمصلحة الأبناء.

إن يكن بمقدور الكثير من الأسر الحدّ من بعض مستلزمات الطفل في السنين الأولى من العمر، إلا أنه ليس بمقدورهم الحدّ من حاجته للحليب في الأشهر الأولى، ما يجعل من الجائز طرح سؤال في مرمى جميع أرباب العمل والتجار والصيادلة، أما من سياسة تسويق وتسعير تخفّف من هذا الغلاء الجنوني لحليب الطفل، ومن يعرف خفايا السوق التجارية لا يرى هذا مستحيلاً أو صعباً، عندما يحضر الضمير الإنساني، ومن الجائز طرح سؤال آخر في مرمى الأطباء والعلماء والصناعيين السوريين، أليس بمقدورهم توجيه الأسر السورية لاعتماد تركيبة محلية تعتمد حليب المواشي المحلية في مكوّناتها بدلاً من مركبات علبة حليب الأطفال، التي في معظمها ما هي إلا مركبات كيميائية تكاد تكون خالية من حليب ما، وأيضاً ألا يجعل من الجائز أن نطرح سؤالاً ثالثاً في مرمى الأسر وهيئات المجتمع المدني وخاصة المهتمة بالطفل وشؤون الأسرة، تحت عنوان أما من سياسة لترشيد استهلاك الحليب المستورد، وتوجيه لإنتاج تركيبة محلية أو منزلية تعتمد حليب المواشي من ضمن مكوّناتها، تؤدّي بعض الأهداف المطلوبة للتخفيف من العبء، وكيف كان ذلك بمقدور الأسر القديمة قبل أن تعرف بلادنا الحليب المجفّف، وأطفال يومئذ هم عمال وحماة الديار في هذه الأيام.

في أواخر ستينيات القرن الماضي كنت أعرف أسرة تحمل وساماً اسمه وسام الأسرة لأن الأم أنجبت أكثر من /12/ طفلاً، وهذه الأسرة لم تعرف يومئذ الحليب المجفّف، ولكننا اليوم نشهد تخفيض تعويض الطفل -المضاف لراتب والده- حتى ينعدم للطفل الخامس، وكذا الأمر بالنسبة لإجازة الأمومة، والخشية أن يصدر قريباً وسام الأسرة لمَن لم تنجب إلا طفلاً واحداً، رغم ما سنشهده من انخفاض في النمو السكاني ونقص في القوة العاملة نتيجة خسائر القوة البشرية في الحرب والهجرة للخارج، وأفضل العلاج لما نحن به وما هو آتٍ لا يتوقّف على أسعار الدولار بل على حسن الاختيار وسلامة القرار.

 

 

اترك رد

error: يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: