تشرد السكينة

 تشرد السكينة

بقلم : همرين مصطفى محمد

سقفهم مبني من غيوم سوداء تتساقط منه حبات الثلج كلما احتكت ببعضها
تقيم على فؤادهم فيحجرونها ورغم صراعهم مع البقاء إلا أنهم يتلاعبون بها ويضربونها في الوجوه لعل ذلك يفي بالمطلوب
لقد برد الروح والكيان وتشكل من العين مجمد للأحلام
وصل الثلج إلى حد غرق أقدامهم في جوف الصقيع وبلل أجسادهم بدمع الندى
يرفعون الرأس رغم المعاناة
ويتأملون للأفضل رغم الخيبات
حين حاورهم البرد بلغته ولكنهم صفعوه بدفئ قلوبهم
ماذا يفعلون إن كان من يقتلهم من دمهم
وما الحل إن كان العداء من جنسهم
يصرخون بأعلى صوتهم رغم صمت الملامح
فيسمع القدر مع أركانه ولا يبالي الإنسان بما يحصل
يتضورون جوعا ولا يكترثون سوى بأولادهم الذين أذاب الحرب أجسادهم ولم يتبقى سوى الهيكل ليبرز حضورهم
إنهم يركعون لطلب الخلاص والمنقذون يتظاهرون بعدم الرؤية
وما بيد من حيلة سوى الصبر لعل ذلك يؤتى بوليمة وكيف للمرء أن يصبر وهو على حافة الهاوية
الحياة اختصرت لهم البسمة في دموع الحزن فلا يشعرون بها إلا عند نزولها على الخدين ورحيلها مع النسمات
وعند حلول الظلام تكسوهم الأمسيات بمعطفه المعتم
ويشربهم الحنين ترياق الألم بكأس الهدوء
فلا تروى شفاههم سوى برشفة تبلل الثغر ولا يصل للريق
يلتفون بالريح ويضعون رأسهم على جمرة لهيب ولا يشعرون سوى بحرقة تضج في الرأس وتحرق كل ما مضى
تنسل دمعة دافئة من العين فتخفيها الأيادي بمسحها من تحت الجفون
لتحول وروده إلى مقبرة يندفن فيها وريقاته
تظهر الذكريات أمام عينيهم وكأنها نافذة تطل منها لحياة أخرى كانت ملكهم
وكانوا أولياء لأنفسهم
يتلذذون بنقمة العيش وكأنها فاكهة الجنة
يتذوقون نكهة الطفولة من غير الهروب من رصاصة طائشة تبحث عن صدر لتثقبه
وعندما يعودون من دار التعليم تستقبلهم أمهاتهم بحضنها الحنون
بلحظة تركوا حريتهم تحت الأنقاض
ودفنوا فرحتهم تحت التراب
وعلى هامش الذكريات تهم العاصفة لتضرب على مخيماتهم فتتطاير كالورق وتختفي عن الأنظار
فلم يتبقى شيء سوى لبسهم والأرواح التي تحتضن بعضها
يجلسون عند منتصف الليل على الطرقات وكأنها ساعة القيامة
لتهديهم السماء بإنجرف الأمطار خلف الضباب فتترك بصمة لا تغتسل
آه أصبحث ثقيلة النطق
والجسد أصبح بحجم مجرة يصعب رفعها
حين يجتمع عليك القدر مع قسوة الحياة فكن أول عنصرا يكسر ضلع الحواجز

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: