صدى الواقع السوري

بيان فيينا تكشف حجم التنازلات الأميركيّة: شطب «المرحلة الانتقاليّة»

أظهرت مقارنة بين مسودة البيان الختامي للاجتماع الوزاري الأخير في فيينا، والنسخة النهائية التي وافق عليها ممثلو ١٩ دولة ومنظّمة دولية وإقليمية، حجم التغيير و «التنازلات» التي وافق عليها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، للوصول الى الصيغة النهائية، كان بينها إزالة «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية والتمييز بين مرحلة التفاوض والتحوّل السياسي، إضافة إلى إزالة إشارات إلى الرئيس بشار الأسد كانت موجودة في المسودة.
ووفق مسؤول غربي، فإن الدول الداعمة للمعارضة تسعى إلى إعادة عدد من النقاط التي تخلّى عنها كيري، الى الاجتماع الوزاري المقبل يوم السبت، والذي يمكن أن تنضمّ إليه الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بعد عملية «تسخين» سيقوم بها كبار الموظفين في الساعات السابقة للاجتماع، في حين تسعى موسكو وطهران الى التركيز على الوصول إلى «قائمة موحدة للتنظيمات الإرهابية» وقائمة أخرى للمعارضين «الشرعيين»، بعد تبادل قوائم بين موسكو وواشنطن ودول إقليمية.
بدأت مسودة البيان، التي اطلعت «الحياة» على نصها، بأن المشاركين متفقون على أن استمرار الأزمة السورية في مسارها الراهن سيؤدي الى «تدمير البلاد وزيادة المجموعات المتطرفة، وتهديد استقرار المنطقة، وزيادة تدفّق اللاجئين والمعاناة الإنسانية بطريقة غير مسبوقة»، غير أن الوزراء اتفقوا على إزالة هذه الفقرة تماماً، مع الإبقاء على عبارة أخرى تتحدث عن «استمرار الاختلافات بين المشاركين حول قضايا جوهرية»، واستبدال عبارة «تضييق الفجوة» بينهم بوصولهم الى «تفاهمات مشتركة» حول عدد من النقاط.
وجرى الحفاظ على روح الفقرة الأولى التي نصّت على أن «سورية موحدة ومستقلة وذات شخصية علمانية»، مع تغيير عبارة أنه «يجب الحفاظ» على هذه المبادئ إلى اعتبارها «جوهرية»، وذلك نتيجة اعتراض بعض المشاركين، لأن المسودة عنت أن «علمانية» سورية تعني تهميشاً مطلقاً للفصائل الإسلامية التي باتت فاعلة على الأرض خلال السنوات الخمس الماضية.
نصّت الفقرة الثانية في المسودة على أن «مؤسسات الدولة يجب الحفاظ عليها متماسكة وحقوق جميع الأقليات يجب أن تكون محمية»، غير أنها قسمت إلى قسمين في البيان النهائي، عبر فصل «مؤسسات الدولة وبقاء تماسكها» وحقوق المكوّنات السورية باستخدام عبارة أن «حقوق جميع السوريين بصرف النظر عن العرق والدين، يجب أن تكون مصانة»، ذلك لأن دولة إقليمية اعترضت على «تكرار الحديث عن الأقلية العلوية ونسيان الغالبية السنية».
وأكد الوزراء في البيان الختامي، ضرورة «تفعيل الجهود الديبلوماسية لإنهاء الحرب» بدلاً من عبارة مطولة سابقة نصّت على أن «الحل السياسي هو في مصلحة الشعب السوري والمنطقة والعالم». وفيما بقيت العبارة المتعلقة بـ «الممرات الإنسانية الآمنة عبر الأراضي السورية وزيادة الدعم للنازحين واللاجئين والدول المضيفة»، فإنه لم تكن مفهومة إزالة عبارة في المسودة نصّت على ضرورة عمل الدول المشاركة على «عودة طوعية وآمنة غير مشروطة للاجئين والنازحين الى بيوتهم». وعُلم أن نقاشاً طويلاً تناول الفقرة الخامسة في المسودة، وتتعلّق بالتنظيمات الإرهابية. ونصت على أن «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام والتنظيمات الإرهابية، سواء المدرجة في قوائم مجلس الأمن أو المتفق عليها بين الأطراف المشاركة، يجب أن تُهزم. وستعمل الأطراف لاستكشاف كيف ستؤدي العملية الانتقالية، كما هي موصوفة لاحقاً، الى توسيع المشاركين تعاونهم لتفعيل العملية التي ستؤدي الى تخلّص سورية من هذه التنظيمات».
وحاول بعض الدول إدراج «جبهة النصرة» أو «أحرار الشام الإسلامية» وسط مساعي آخرين للتمييز بين «النصرة» كـ «تنظيم وأفراد»، قبل التوصّل الى صيغة حذفت ربط محاربة الإرهاب والعملية الانتقالية، عبر اختصارها بأن «داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى وفق تصنيف مجلس الأمن الدولي (إضافة) إلى ما يتفق عليه المشاركون، يحب أن تهزم». عليه، جرى الاتفاق على عقد لقاء بين نواب الوزراء للاتفاق على «قائمة موحدة».
غير أن التغيير الأكبر حصل في الفقرة السادسة في المسودة المتعلقة بالعملية السياسية. ونصت المسودة على أنه «متابعة لبيان جنيف (للعام ٢٠١٢)، فإن المشاركين سيستأنفون العملية السياسية لجمع ممثلين عن حكومة الأسد والمعارضة السورية تحت رعاية الأمم المتحدة، للتفاوض وتنفيذ خريطة سياسية تضم العناصر المفتاحية الآتية: أ) تأسيس هيئة حكم انتقالية خلال ٤ – ٦ أشهر من بدء هذه العملية السياسية المستأنفة. ب) تأسيس آليات لصوغ وإقرار مسودة لدستور (سوري) جديد. ج) القيام بانتخابات بإدارة ورقابة دوليتين لتشكيل حكومة جديدة خلال ١٨ شهراً».
ووفق المعلومات، جرى نقاش طويل أيضاً حول هذه الفقرة. إذ نجح الوزير سيرغي لافروف وحلفاؤه – وبقبول من الوزير جون كيري – في إزالة أي ذكر لـ «خريطة الطريق» والمواعيد، إضافة إلى حذف «حكومة (نظام) الأسد» واستبدالها بـ «الحكومة السورية»، وتحويل عبارة «إدارة ورقابة دوليتين» إلى «إدارة تحت رعاية الأمم المتحدة»، على اعتبار أن «الحكومة السورية لا تزال ممثلة في الأمم المتحدة وليست دولة فاشلة كما حصل في تجارب دولية أخرى»، وفق قول أحد المشاركين. لكن في المقابل، حصل داعمو المعارضة على إشارة الى القرار ٢١١٨ الذي يتعلق بالتخلص من السلاح الكيماوي، لكنه نص في الفقرتين ١٦ و١٧ على «هيئة الحكم الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة وقبول متبادل» من الطرفين، إضافة الى عبارة مشاركة اللاجئين والنازحين في الانتخابات.
وأصبحت هذه الفقرة: «تنفيذاً لبيان جنيف في ٢٠١٢ وقرار مجلس الأمن ٢١١٨، فإن المشاركين يدعون الأمم المتحدة لجمع ممثلين من الحكومة السورية والمعارضة السورية في عملية سياسية تؤدي الى حكم (بدل هيئة انتقالية) غير طائفي وذي صدقية وشامل يعقبه دستور جديد وانتخابات. هذه الانتخابات، يجب أن تدار تحت رعاية الأمم المتحدة وتحظى برضا الحكومة وتكون في أعلى مستويات الشفافية والمساءلة، وحرة وعادلة بمشاركة السوريين، بمن فيهم الموجودون في الشتات المؤهلون للمشاركة».
وأضاف لافروف أيضاً فقرة جديدة نصت على أن «العملية السياسية ستكون بقيادة سورية ومملوكة من السوريين، وأن السوريين سيقررون مستقبل سورية»، علماً أن مؤتمر فيينا لم يضم أياً من السوريين.
وكان لافتاً أن الفقرة السابعة المتعلقة بوقف النار بقيت على حالها، ونصت على أن المشاركين سيستكشفون بالتعاون مع الأمم المتحدة، إمكانات وآليات تنفيذ وقف شامل للنار، بحيث يحدد موعده بالتوازي مع استئناف العملية السياسية.
لكن جرى حذف كامل للفقرة اللاحقة في المسودة، ونصت على أنه «بينما لا تزال الأطراف الداعمة للمعارضة السورية مقتنعة بأنه يجب إزاحة بشار الأسد كجزء من التحوّل (الانتقال السياسي)، فإن أولئك الذين يدعمون حكومة (نظام) الأسد مقتنعون بأنه يمكن إزاحة الأسد عبر إرادة الشعب السوري. واتفق جميع المشاركين على أن موضوع مستقبل الأسد «يجب أن يقرر خلال 4 – 6 أشهر من استئناف العملية السياسية». كما جرى حذف فقرة أخرى نصت على أن «مجلس الأمن يجب أن يقر قراراً يتضمن أساليب (آليات) للعملية الانتقالية المتفق عليها ووقف النار الشمولي».
وتضمنت المسودة أن يكون الاجتماع المقبل في 4 تشرين الثاني (نوفمبر)، بناء على رغبة كيري في التعجيل بعمل الأطراف لـ «تضييق الفجوة» بين المشاركين إزاء نقاط الاختلاف والبناء على نقاط الاتفاق، غير أنه جرى التفاهم على عقد الاجتماع خلال أسبوعين. وزار المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، نيويورك لإيجاز مجلس الأمن حول ما تحقّق إزاء تكليف المجلس في بيانه الرئاسي عقد مجموعات العمل الأربع بين ممثلي الحكومة والمعارضة بالتزامن مع تشكيل «مجموعة اتصال» دولية – عربية. وعلم أن دي ميستورا قرر تغيير مهمة اللجان الأربع من كونها اجتماعات لـ «العصف الفكري» غير ملزمة الى لقاءات لـ «التفاوض» بين الطرفين بموجب بيان فيينا الأخير وخريطة الطريق التي صاغها فريق دي ميستورا لتنفيذ «جنيف – 1»، إضافة الى احتمال المرونة في تسمية اللجان ذاتها ومهمتها وعددها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: