الوطن المقتول برماح الهجرة

الوطن المقتول برماح الهجرة

بقلم : همرين مصطفى محمد

نستيقظ على أرض مخضرة بالمحبة وموردة بزهور السعادة والصفاء بعيدا عن الغرور والمصالح…
فذاك يمد يده لأخيه الفقير الذي أهلكته سهام القدر وهي تصيب فؤاده…
وذاك الذي يكون سندا لجاره في محنته ويصبح عونا له في تجاوز حواجز الحياة التي تنقض على القلب ولا تتركه إلى أن يصبح رمادا…
وها هي الأم المحرومة من فاكهة الحياة لأن الرحم لا يتجاوب معها ولكن عصافير السماء تتجول حولها كل يوم لترسل لها رسالة من رحم البحر وتخبرها نحن لها أبناء وسنرسم لك من ألوان الطبيعة مسكنا يأوينا ويحتوي فرحتنا..
لقد كان عالم مليء بالقلوب التي تغرد على هوى التسامح وتقف على إطلالة نسيان الأخطاء وتحتضن صدور التعاون إلى يوم تشتعل فتنة الحرب على أيادي صلبة الكفوف وخشنة الملمس
إلى يوم تسقط من الغيوم جمرات اللهب بدلا من زخات المطر وحبات الثلج التي تغسل الكره وتطيب الخاطر رغم وجعه
إلى يوم يتحول الغني الى فقير ليس لديه فتة خبز يطعم بها جسده المترهل…
والفقير إلى غني لا يفهم من الحياة سوى مبدأ جمع الأموال وتخبئتها داخل جعبته من غير التفكير بحال أخيه…
لم يعد هناك حل سوى الهجرة والترحال إلى بلاد ليست من طينتنا ولا من دمنا..
إلى خارطة نتعجب من مدنها لشدة الظلام الذي يملئ طرقاته والهدوء الذي يشعل مصابيح الغرف…
فهناك من تخلى عن إبنه وأرسله بعيدا عن عينيه ليتمكن من تدبير لقمة العيش وبها يحيي أهله وينقذهم من مجزرة الغلاء والجوع…
وليبني مستقبلا يفتخر به… وليعيش حياة هنيئة كغيره من البشر…
وهناك أب ترك زوجته وأبنائه في أياد آمنة بحرقة قلب وصداع الحنين الذي يرافقه في كل أمسية ليسافر الى بلاد الغربة ويأمن لهم البيت ويضع في متناول يديهم صفحات الكتب من أجل توجيههم إلى درب العلم والمعرفة…
لقد أصبحت الهجرة الحل الوحيد الذي يخلصهم من أنياب الحرب القاتلة…
وينقذهم من إعصار الجهل الذي يخلف الدمار ويجعل من الامة محط التخلف والفشل…
أصبحت الهجرة المنقذ الوحيد الذي يحمي الروح من الإنقراض ويصب الأمان في نبع الكيان
أما بالنسبة لبقية الناس فالفقر يقيد أياديهم وروحهم وأصبحوا عبيدا للحرب والفتنة…
لا يستطيعون الهرب والتمسك بآخر قشة ليعيشو بكرامة..
لقد أجبروا على العيش بين الحطام وأكل الخبز الممزوج بالوحل والرمال والبحث في النفايات عن لقمة تغذي الروح لتترك الموت على قارعة الإنتظار
لقد سلبت منهم حريتهم وحقوقهم وسعادتهم باسم الخلاص وإعلان السلام…
وبحسب الإحصاءات فأن معدل الهجرة إزداد تحت ضغط هذه الظروف والإنتهاكات التي حرمتهم استنشاق نسمات الدفء والسلام فمنهم من اتخذ قرار الهجرة في سبيل إنقاذ الروح ومنهم في سبيل الدراسة والتعليم ومنهم في سبيل الظروف المادية…
جميعنا نعاني في ظل هذه الأزمات من الفقر والتشرد والهجرة والدمار وسلب الكرامة
فلم نجد الحل سوى الرحيل لنفتح أبواب النجاح بمفتاح الصبر والكفاح…
ونشكل من رياح الحزن غيوم مكثفة تمطر الحرية والسلام والأمان…
رغم أن الغربة ليست الحل الجزري للتخلص من المعاناة
فهي حياة غير حياتنا واختلاف في الثقافات والعادات ونمط العيش…
وهناك صعوبة كبيرة في التأقلم والتقيد بقوانينهم…
لقد عصرت الغربة قلوب ملايين الشباب والشابات بعيدا عن منازلهم وعائلاتهم..
علمتهم المسؤلية في مراهقتهم رغم أنهم مازالوا في سن تلزمهم العناية والإرشاد لدرب الصواب
علمتهم شرب الماء مع خبز جاف لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة يدخلون فيها المطبخ من أجل صنع غذاء لهم…
علمتهم العيش بمفردهم والإتكاء على أمالهم وأحلامهم للوصول الى نهاية جميلة…
لقد رأينا أن فرصة المهاجرين في الحصول على الإقامات ضئيلة
ومنهم من ظل تحت سقف المخيمات ولا يسترهم سوى قطعة من القماش تحترق عند أول ضربة شمس عليها…
ومنهم من ضحى بصحته من أجل أن يسعد غيره ولكن التضحية بائت بالفشل…
لقد تمسكنا بأياد لا تفكر سوى بمصلحتها ولا تبني البيوت سوى لتسكن أحفادها…
لقد اتكئنا على ظهور تنكسر عند هبوب نسمات قاسية ولن تتحمل من أجل بقائك…
لقد تحملنا الظلم والألقاب الرذيلة والطعن في الظهر في سبيل تأمين لقمة العيش والستر…
وفي النهاية لم نحصد سوى الموت والانكسار…
في أغلب الأحيان نتوقع أمورا كثيرة في أبهى حلتها وعند مرور الزمن نجد أن هناك أقنعة تجمل الوجوه لشدة قبحها وأنانيتها
فالهجرة لم تكن خيارنا ولم تكن في قائمة أولوياتنا ولكن الظروف أجبرتنا..
الهجرة لم تكن يوما في خيالاتنا وأحلامنا ولكن الدمار الذي خلفته الحرب قد كسر أملنا في البقاء على أرض الوطن ووجدنا أنه لم يعد هناك سبب للبقاء…
فلا العلم بقي على حروفه ولا البيت بقي على ساكنيه ولا الأسرة بقيت مع أفرادها..
كل شيء تشتت ولم نجد النجاة من هذه الكارثة سوى الهجرة..
نريد وطنا آمنا لنعود بثقة وإرادة أقوى…
نريد وطنا آمنا لنعيده أجمل من قبل ولنجعلها أحدث أمة خلقت في الكون…
نريد وطنا آمنا لنشعل قناديل الحضارة واﻹزدهار بأقلامنا
لم نعد نريد شيئا سوى الوطن والسلام…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: