اللجوء وتحدي الاندماج

اللجوء وتحدي الاندماج

بقلم : نبيل عمر

الغربة , الهجرة و اللجوء مفاهيم تختلف و تتعدد معانيها ودلالاتها  كما يختلف وقع سمعها من شخص لآخر كل” حسب تجربته ومكانه.

اللجوء موجود منذ القدم و تختلف أسبابه و ظروفه باختلاف الزمن و المكان لكن الأكيد أن كل إنسان يحتمل أن يجد نفسه في موقع اللاجئ يوماً ما مهما كانت ظروفه الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية حيث يشهد  التاريخ أن الكثير من المشاهير من كتاب وسياسيين و علماء ورؤساء دول و حكومات أصبحوا في مرحلة ما من حياتهم لاجئين, منهم على سبيل المثال:

– ألبرت أينشتاين الذي لجأ في أوائل الثلاثينيات من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية هرباً من الحزب النازي.

– مادلين أولبرايت التي هربت من تشيكوسلوفاكيا إلى ألولايات المتحدة الأمريكية .

– الزعيم الديني للبوذيين الدلايلاما بعد الإحتلال الصيني  للتيبيت لجأ إلى الهند  هذا إضافةً الى العديد من الشخصيات الهامة الأخرى على مر التاريخ حيث أن معظمهم هربو نتيجة الحروب أو لأسباب سياسة, دينية أو عرقية.

في الوضع السوري كان اللجوء أحد أكبر القضايا التي واجهت السوريين و معهم المجتمع الدولي الذي اختلفت  دوله في التعامل مع هذه القضية كلٍ حسب مصالحه و ظروفه السياسية والاجتماعية و تقاربه مع قضايا حقوق الإنسان , حتى أن بعضهم أغلق حدوده في وجه السوريين تماماً و لجأ البعض الأخر إلى عدم التمديد حتى للمقيمين قبل الحرب بينما فتحت دول أخرى أبوابها على مصراعيها بعضهم لدوافع إنسانية والبعض الأخر سياسة دون أن ننسى ما يتعرض له السوريين في بعض هذه الدول من مضايقات واستغلال بشتى أنواعه.

كان  السوري بغض النظر عن دينه و عرقه و في عدة أحداث ألمت بشعوب الدول المجاورة كلبنان والعراق على سبيل المثال, سباقاً في فتح أبوابه للاجئين و تقبله في مجتمعه رغم الظروف الاقتصادية السيئة لمعظم السوريين حتى كادت أن تكون مواضيع كالعنصرية ضد اللاجئين غير موجودة أبداً ولم يحدث أن كانت موضوعاً  للإعلام أو المجتمع يوماً ما.

شاءت أقدار الكثير من السوريين  أن يجدو أنفسهم بلا مأوى نتيجة الصراع الدامي الذي أحرق الإنسان والمكان فكان اللجوء إلى دول مختلفة أملهم الوحيد للنجاة بعوائلهم تاركين ورائهم عمراً  من الأصدقاء و الاماكن و الذكريات, فتاه الكثير في طرقات اللجوء , منهم من قضى برداً  في البراري أو قتلاً على يد المافيات وتجار الأعضاء البشرية أو غرقاً في البحار , ومنهم من تاه في الغابات و فقد أثره .

أما بالنسبة لمن نجى ووصل إلى مبتغاه و بخاصةً كبار العمر فكان التحدي الأكبر هو النجاة في ظروف البيئة الاجتماعية الجديدة حيث اصطدم الكثير  ببيئةٍ المجتمع الجديد من عاداتٍ و قيمٍ و علاقاتٍ مختلفة كلياً عن ما اعتادوه في موطنهم, وهنا برز  السؤال الأكبر عن مدى نجاعة برامج الاندماج الحكومية التي في معظمها تعاملت مع الاجئ بمنطق المجتمع  الأوروبي فبرز موضوع الاندماج والتأقلم  مع الواقع الجديد كتحديٍ كبير للحكومات المستضيفة حيث اختلفت النتائج باختلاف العمر والخبرات والذكاء والصحة النفسية والجسدية.

هنا لا بد لي الاستشهاد بحالة ص. أ  الذي كانت قصته سبباً في كتابة هذه الأسطر  التي أردت من خلالها أن يشاهد القارئ جزأً من معاناة طبقة عمرية معينة من اللاجئين اللذين قضوا معظم حياتهم في وطنهم فكان استبعادهم أو هروبهم منها بمثابة الانتحار البطيء و هرباً من الحرب والعنف إلى الوحدة والقلق و القهر و غيرها من المعاناة النفسية والعاطفية.

“ص . أ ” الرجل  الستيني لجأ مع زوجته و أبنائه الثلاثة وعوائلهم مثله مثل الكثير إلى ألمانيا ,التي استقبلت أعداداً كبيرة و أوت النسبة الأكبر من اللاجئين السوريين بين الدول الأوروبية والتي تشاهد ساحتها السياسية تجاذبات و تغييرات كبيرة نتيجةً لذلك, تم فرزهم وفصلهم بعد وصولهم الى مقاطعات مختلفة حيث أرسل الأبناء مع عوائلهم إلى أحد ضواحي مدينة بون بينما تم جلب الأبوين إلى أحد المدن في شرق ألمانيا.

بالنسبة ل “ص” كان التعامل مع وضعه صعباً للغاية حيث أنه يعاني من مشكلة عصبية كما تعاني زوجته من مرض السكري و أجرت عمليتان قسطرة قلبية لتوسيع الشرايين.

ولأن الوضع الصحي “وحسب تقييم سلطات الهجرة ” ليس بالشيء جداً !! بحيث يمكنهم الحركة والتنقل كان عليهم حضور كورس اللغة كأحد أركان عملية الدمج  فضلاً عن حضور المواعيد المختلفة في المكاتب الحكومية و التعامل مع بيروقراطية المكاتب التي يصعب على اشخاص لا يتكلمون اللغة الألمانية بالتعامل معها إضافةً إلى التأقلم مع واقع العزلة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان الشرقي في المجتمع الألماني مقارنةً بما عهده في مجتمعه من عادات وتقاليد في مجتمع عرف عنه التواصل والترابط و متانة العلاقات العائلية والاجتماعية.

فوراً بعد وصوله , وجد “ص “نفسه وحيداً مع زوجته بعيداً عن أبنائه وأحفاده مئات الكيلومترات بحيث يصعب عليه رؤيتهم بسبب تكاليف السفر والوضع الصحي و حين يرغب في ذلك عليه أولاً  طلب الإذن من مكتب الإعانة و مكتب الأجانب .

تم نقل “ص” مع زوجته إلى سكن للاجئين  في غرفة واحدة مع حمامات ومطبخ مشترك مع عوائل أخرى في قرية نائية محيطة بالغابات و تبعد حوالي 30 كيلو متراً عن أقرب مدينة.

تقبل “ص” الأمر برحابة صدر و ابتسامة ظناً منه أنه إجراءٌ مؤقت لحين حصولهم على إذن الإقامة ونقلهم و لم شملهم مع أبنائهم , لكن ابتسامته و أمله تحول إلى ألم و معاناة حتى للحظة كتابة هذه الأسطر.

التجئ “ص”  قبل ستة أشهر  إلى أحد المنظمات الاجتماعية حيث يعمل هناك  شاب سوري في أحد مشاريع الدمج التي تهدف إلى دمج اللاجئين اجتماعيا ووظيفياً في محيطهم الجديد  حيث باشر بمتابعة  وضع “ص “و مرافقته في مواعيده في الدوائر الحكومية والعيادات الطبية وقد كانت لهذه المساعدة تأثيراً إيجابياً كبيراً على وضعه النفسي في البداية لكنه ما لبث أن انتكس مرة أخرى عندما بائت كل محاولات نقله إلى حيث يسكن أبنائه بالفشل أولاً لوجود قانون يمنع الانتقال إلى ولايات أخرى إن لم يكن بداعي العمل أو الدراسة وثانياً لعدم كفاية الأسباب الصحية حسب تقدير مكتب الهجرة للسماح بالانتقال.

يستيقظ “ص” صباحاً كما يقول ويبدأ في تشغيل اسطوانة مخيلته ليعود بها إلى ما قبل عام 2011 حيث كان البيت يضج بضحكات أحفاده وهم يلعبون و يقفزون من حوله و موائد العائلة حين يجتمعون و جدال الأبناء والبنات و عن شوقه لجيرانه و أصدقائه الذين تفرقوا في أرض الله و ينهي حديثة ببكاءٍ خافتٍ و حسرة و طلبه الدائم لجمعه مع أبنائه .

أيّ حياةٍ أو مستقبل ينتظر “ص ” ذو الأربع والستين عاماً و زوجته؟ و هو  كمن عيش بجسده وآلامه فقط تاركاً روحه هناك حيث  ذكريات العمر بأفراحه وآلامه  في سورية أما جسده الذي يمضي به الألم إلى  خريفه المبكر كمن يعيش في كوكب أخر خاصةً وأن التعلم والاندماج بالنسبة لشخص أميّ بهذا العمر يكاد يعتبر أمراً مستحيلاً.

جدير بالذكر أن الأمثلة الإيجابية موجوداً أيضاً رغم قلتها ولكنها تكاد تنحصر في فئة الشباب ,بحيث نجحت البعض منهم بالاندماج والحصول على مقاعد في الجامعات أو التدريب المهني كما نجح البعض الآخر بإنشاء مشاريع صغيرة ولكن يبقى هؤلاء قلة قليلة.

قصة “ص” و الكثيرون مثله ممن يعانون بصمت ولا يجدون من يسمع معاناتهم حيث تاهت أصواتهم بين ما يحدث في الوطن و بين صراع التأقلم مع البيئة الجديدة للاجئين .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: