العطالة كنهج سياسي!

بقلم : صلاح فرحو (كاتب كوردي مستقل)

العطالة كنهج سياسي!

(الجزء الثاني)

 

تحدثت في المقال السابق عن أزمة الحوار الكوردي الداخلي وأثرها على المجتمع الكوردي المنقسم أساسا على نفسه. ثم بحثت في العطالة السياسية للمجلس الوطني الكوردي والصراع الدائر فيه حالياً بين التيارين الذين تبلورا على أثر مبادرة الجنرال مظلوم. وفي هذا المقال سأكمل البحث حول الطرف الآخر وهو أحزاب الوحدة الوطنية.

لم يكن لوجود تجمع رسمي يضم الأحزاب الكوردية المنطوية تحت عباءة الإدارة الذاتية قبل الاجتياح التركي ومجيء مبادرة رئيس قوات سوريا الديموقراطية ثم الشروع الفعلي في عملية التفاوض المباشر، أي أهمية استراتيجية توجب إحداثه، فقد كان انتمائهم للإدارة الذاتية ومؤسساتها يجمع بينهم ويوحّد مواقفهم. حيث تمت جل المفاوضات السابقة والاتفاقيات التي نتجت عنها بين المجلس الوطني وحزب الاتحاد (ليس مع الحزب بشكل مباشر وإنما ممثل باستطالاته. في اتفاقيتي هولير 1 و2 مثله مجلس شعب غربي كوردستان وفي اتفاقية دهوك مثلته حركة المجتمع الديموقراطي „TEV-DEM“دون إشراك الأخير لأحزاب الإدارة الذاتية في مفاوضات اتفاقية دهوك. إلا أن حاجات ودوافع ما أتت بعد الاحتلال التركي لسري كانية وكري سبي حَتَّمت عليه تغيير نهجه الاحتكاري ومشاركة السلطة التمثيلية ولو بشكل مسرحي مع نظرائه من قوى الإدارة الذاتية كمرحلة أولى ثم إشراك قوى وأحزاب المجلس الوطني في تحمل نصيبهم من أعباء إدارة المنطقة كمرحلة لاحقة، وهكذا تم الإعلان عن مظلة أحزاب الوحدة الوطنية التي تضم 25 حزباً سياسياً وتوكيلها بمهمة التفاوض باسم هذه الإدارة. دفع العدوان التركي قيادات الحزب للسعي الجدي نحو انتزاع اعتراف دولي أكبر بالإدارة الذاتية عَلَهُ يَلجِمُ المحاولات التركية الخطيرة والتصعيدية للقضاء على الإدارة الذاتية، إلى جانب السعي الحقيقي للدخول في المفاوضات السياسية السورية ريثما تقرر الولايات المتحدة الشكل النهائي للدولة السورية الجديدة، يأتي هذا الاستعداد غير المعهود لمشاركة السلطة  في ظل ظهور حاجات جديدة لم تكن ملحة من قبل كحاجة هذا الحزب ومن وراءه منظومة حزب العمال بأكملها إلى حماية نفسها من اتهامات سَتُكالُ لها لوحدها في حال فَشِلَ مَشروعها السياسي في “روجآفا”، ما قد يعني فشل المنظومة ذاتها ليس في هذا الجزء من كوردستان فحسب وإنما قد يمتد إلى الجزء الشمالي أيضاً، ولذلك وَجَبَ مشاركة المسؤولية السياسية والتاريخية مع قوى سياسية كوردية أخرى، عن أي فشل قد يأتي فيما لو نجحت الدولة التركية في مساعيها الهادفة إلى القضاء على مشروع الإدارة الذاتية بأي ثمن، هذا وبالإضافة للحاجة الملحة إلى تقوية وتمكين الجبهة الكوردية الداخلية في مواجهة الأخطار المحلية المتصاعدة، خصوصاً بعد الانتهاء من العمليات العسكرية ضد داعش ما أدى عملياً إلى بدأ مرحلة جديدة عنوانها البناء الإداري والخدمي وافتقاد الحزب للموارد البشرية الكافية لهذه العملية، فضلاً عن الرغبة بتصدير صورة أفضل وأكثر مصداقية للدول الأوروبية عن النهج الديمقراطي الذي يتبناه القائمون على الإدارة الذاتية، مما سيعود عليهم بدعم مالي وسياسي أكبر. تلاقت كل هذه الحاجات والرغبات مع ضغط أمريكي وأوروبي كبير على حزب الإتحاد، الشيء الذي أرغمه على القبول المبدئي بفكرة الشراكة الحقيقية مع المجلس الوطني والتنازل عن السلطة المطلقة التي عمل جاهداً لاحتكارها.

تبنى حزب الإتحاد في بناءه لهيكلية الإدارة الذاتية مِثلُهُ مِثلَ بقية الأحزاب الشمولية سياسة عامة تهدف إلى احتواء وتطويع المجتمع على كافة الأصعدة، سياسياً قبل كل شيء عن طريق تحويل برنامجه السياسي الخاص به كحزب يشكل جزء متواضع من الخارطة السياسية الكوردية في سوريا، إلى سياسة رسمية تتبناها مؤسسات الإدارة الذاتية في تخطيط استراتيجياتها طويلة المدى، الشيء الذي أدى إلى تقزيم حجم هذا المنجز الاستثنائي في التاريخ الكوردي في سوريا قديماً وحديثاً وتشويه صورته في وعي رعاياه المفترضين، حيث تساوى حجم الإدارة الذاتية مع حجم حزب صغير نسبياً لا يشكل سوى جزء من كل، ليتحول أعداء هذا الحزب ومنافسيه بشكل تلقائي إلى أعداء ومنافسين للإدارة الذاتية ككل. ثم اقتصادياً عن طريق السيطرة المباشرة والفعلية للحزب على المفاصل المالية والموارد الاقتصادية لهذه الإدارة. وأخيراً اجتماعياً عن طريق خلق هياكل اجتماعية تخص مختلف فئات المجتمع. وعلى الرغم من الإيجابيات المتعددة التي أحدثتها هذه السياسة الاجتماعية على صعيد تعزيز وحماية حقوق المرأة وإشراكها بشكل فعال في الحياة السياسية والثقافية بالإضافة إلى تبني سياسة تعليمية تولي اللغة والثقافة الكوردية اهتمام استثنائي، إلا أنها على الجانب الآخر خلقت مشكلة اجتماعية جديدة نسبياً على المجتمع الكوردي الذي كان بغنى عنها عن طريق عسكرة ممنهجة لفئة الشباب الكوردي بالإضافة لتأطير صورة المرأة الكوردية وحصرها بالمرأة المقاتلة القادرة على حمل السلاح مع تهميش معين لجل الجوانب الأخرى التي يمكن للمرأة الكوردية أن تكونها كالمرأة المفكرة والتاجرة والطبيبة والعالمة إلخ. تتم عملية عسكرة الشباب في المناطق الكوردية عن طريق منظمة الشبيبة الثورية (جوانين شورشكر) والتي تتشابه بشكل كبير من حيث الشكل والمضمون مع منظمة “شباب هتلر” التي كانت في المانيا النازية. يعمل هذا النوع من المنظمات على تنشئت جيل من الشباب يكون خالي من خطر التفكير النقدي بحيث يمكن زجه في معارك غير مباشرة مع كل مكونات المجتمع، جيل من الجنود الأقوياء الذين أُخصيت أدمغتهم وأُفقِئت أعينهم حتى يصبحوا لا يرون ولا يسمعون إلا من خلال عين وأذن القائد. ولابد هنا من الإشارة إلى أن السياسة الاجتماعية المستهدفة للشباب والتي ينتهجها المجلس الوطني بدوره، لا تقل فشلاً بكثير عن مثيلتها لدى حزب الإتحاد، فمتلازمة جوانين شورشكر ومتلازمة القائد موجودتان هنا كما هما موجودتان هناك ولو اختلفت درجتاهما أو الادوات التي يستخدمانها.

يجد حزب الإتحاد نفسه في ظل هذه العوامل الداخلية بالإضافة إلى التهديد التركي المتزايد والضغط الدولي المتصاعد، مجبراً على التخلي عن جزء من سلطته المحلية لصالح منافسيه السياسيين، وعلى الرغم من ذلك لا نجده يقاوم هذه الخسارة وإنما يسعى إليها، نظراً لأن البديل سيعني فشل مشروع الإدارة الذاتية وقد يؤدي ذلك إلى فشل المنظومة. ولكنه ليس مستعد للتنازل عن أكثر مما هو ضروري ولهذه الغاية قام بإنشاء وحدة سياسية رسمية مع كتلة أحزاب الإدارة الذاتية، يمكن أن يستند إلى مشروعيتها في حال فشل المفاوضات مع المجلس الوطني إذا ما استمر الأخير في جريانه مع التيار التركي الإخواني.

وأخيراً لابد لي من الإشارة إلى المفارقة الكبيرة حصلت في ميزان القوى، حيث تحول المجلس الوطني بشكل تدريجي من قوة سياسية لها وزن لا يمكن الاستهانة به، في بداياته، إلى جسد مريض يعتاش على المال السياسي، في حين تحول حزب الإتحاد أيضاً بشكل تدريجي من حزب عنيف لا يمكن الوثوق به إلى قوة سياسية أعادة للقضية الكوردية في سوريا زخمها التي تستحقه فضلاً عن بناء صرح إداري وسياسي يضاهي المقاييس الإقليمية.

 

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: