العدوان التركي ومستقبل الكورد

تتعرض مدينة سري كانية (واشوكاني) مهد الحضارة الميتانية وثقافة تل حلف مرة اخرى منذ التاسع من اكتوبر الشهر الماضي 2019 الى هجمة بربرية لا تقل عن غزوات الهمجية لاسلاف واقارب رجب طيب اردوغان رئيس الجمهورية الدموية التركية الحالية مثل جنكيزخان و هولاكو المغوليين و تيمورلنك الاوزبكي.

فمنذ ولادتي في مدينة سريكانيه وهي تتعرض الى الطعنات و سياسات قمعية تعسفية واجراءات شوفينية لتغيير ديموغرافيتها من قبل الحكومة السورية بقيادة حزب البعث,حيث اقام منذ تلك الاعوام مستوطنات عربية عديدة حول منطقة سريكانية المعربة الى راس العين وعلى طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا باسم المغموريين,الذين فقدوا املاكهم واراضيهم في محافظة الرقة السورية نتيجة بناء سد الفرات بهدف تغيير ديموغرافية المنطقة الكوردية وانتهج سياسة التعريب والاهمال والاقصاء ومحاولة انهاء الوجود الكوردي في سوريا بشتى الوسائل.

ما نراه اليوم يدمي له القلب ونحن في قرن الواحد والعشرين وامام مرأى العالم اجمع,بعد ان دفعت وشجعت روسيا البوتينية لارودغان بشن عدوان على روجافا والتدخل لشمال شرقي سوريا,ارادت روسيا بذلك تحقيق هدفين استراتيجيين هما التصادم التركي مع الجانب الامريكي وابتعاد انقرة اكثر من محيطه الغربي وحلف الناتو والارتماء لحضن روسيا,وهذا اخر ما يتمناه الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية,والهدف الاخر استسلام الكورد وارجاع المناطق التي تحت سيطرتهم لسيادة نظام دمشق وسحب هذه الورقة الضاغطة والفعالة كما يصفونها في الشأن السوري من يد الامريكان,وهذا ما تبين في المواضيع والنقاط التي تم طرحها ومناقشتها في اجتماع 16-9-2019 الذي انعقد في انقرة بين اردوغان وبوتين وروحاني رؤوساء الدول الثلاث الراعية والضامنة لاجتماعات استانا,من قبيل اتهام القوات المتواجدة في شمال شرقي سوريا بالارهابيين وعملاء و الادعاء ان هناك محاولات امريكية لتقسيم سوريا وفرض امر واقع جديد على الارض,وكان ذلك اتماما لمخرجات الجولة ال13 من مفاوضات استانا للدول الثلاث المذكورة اعلاه التي انعقدت في العاصمة الكازاخية بتاريخ 2/8/2019 المكونة من 13 نقطة اغلبها تستهدف الادارة الذاتية وكيفية مواجهتها و انهاءها.

بعد قرار دونالد ترامب انسحاب قواته من سوريا اهدى بذلك كل من روسيا وتركيا فرصة كبيرة على طبق من الذهب لهندسة الوضع السياسي والعسكري من جديد في سوريا لصالح روسيا في الدرجة الاولى وفتح الابواب على مصراعيها امام جيش متعطش لدم الشعب الكوردي,فشنت الدولة التركية الفاشية عدوانا اجراميا مستخدمة بذلك المجاميع الارهابية المعروفة للقاصي والداني كداعش وجبهة النصرة واخواتهم من المجموعات الجهادية المتطرفة,بهدف ابادة الشعب الكوردي الذي يعيش على ارضه التاريخية منذ الاف السنين و القضاء على وجوده وتغيير ديموغرافيته و على كيان الادارة الذاتية التي يلعب الكورد فيها دورا مهما.

بدأ بالفعل هؤلاء بعد مرور ايام قليلة على احتلال منطقتي سري كانية و گري سپي والعديد من القرى بطرد مئات الالاف من الشعب الكوردي والمكونات الأخرى الساكنة في تلك المناطق بقوة السلاح المدمر والثقيل والقصف الجوي والمدفي واستخدام الاسلحة المحظورة دوليا كالفوسفور الابيض وارتكبوا العديد من الجرائم ضد الانسانية كالاعدامات الميدانية للمدنيين والقتل على الهوية وتصفية السياسيين والخطف والاختفاء القسري والنهب والسرقة وحرق الممتلكات,مما ادى الى نزوح الاكراد والعرب والعلويين واليزيديين والمسيحيين خوفا من بطش وارهاب هذه المجاميع المتطرفة وذلك حسب العديد من التقارير الدولية والصحفية والاممية واطباء بلا حدود,اضافة الى البدء بعملية التتريك والتعريب وتشكيل دوائر باسماء عربية وتركية دون ورود لكلمة كوردية.

احدى الاهداف الاستراتيجية للعدوان التركي هو بناء المستوطنات واحداث التغيير الديموغرافي وتمزيق المجتمعات وجغرافية روجافا وشمالي سوريا والتي بدأت منذ اغسطس عام 2016 و استمرت حتى الان,بعد ان احتلت كل من جرابلس والباب واعزاز ودابق وعموم مقاطعة عفرين وصولا الى احتلالها الان لمناطق سريكانية و گري سپي ومحاولة احتلال ابو راسين ومنطقة تل تمر والقرى التابعة لهما,هو تفتيتها للمناطق ذو الاكثرية الكوردية وتحويلها الى جزر محاطة بالاتراك والتركمان والمستطونين وعبر توطين اللاجئيين السوريين والجماعات الجهادية المتطرفة ولتجريد الكورد من اي عوامل مقاومة وخنق تنميتهم الثقافية والادارية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ومحاولا تحطيمهم نفسيا والاستمرار في التغيير الديموغرافي لمناطقهم عبر خلق وقائع ديموغرافية جديدة تبرر لاحقا احتفاظ الاتراك لتلك المناطق التي احتلتها و طهرتها من اصحابها الحقيقيين وفي اسوء الاحوال تفقد مقومات كوردية مؤثرة وشل دورهم كمكون مؤثر اساسي في المجتمع السوري بعد تحطيمهم وتقليل من نسبتهم العددية وبذلك يمنع في النهاية الكورد من اقامة كيان كوردي او حل قضيتهم كشعب ضمن الجغرافية السورية الموحدة.

بالرغم من التعاطف الدولي في جميع اصقاع العالم مع قضية الشعب الكوردي ومع قواته المقاومة التي انقذت الانسانية من اعتى تنظيم ارهابي والادانات والاستنكارات المتكررة للعدوان التركي من قبل اغلب الدول والجهات السياسية في العالم وكافة اعضاء مجلس الامن الدولي والامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية وخاصة من قبل اطراف عديدة من صناع القرار الامريكي نفسه ,هذه الاقطاب المؤثرة في سياسات العالم حتى الان لم تصل الى حد اصدار قرار ملزم يلجم العدوان التركي ومخططاته الاجرامية,هذا لا يعني ان كل شئ انتهى وان مشروع اردوغان وبوتين بالاتفاق الضمني مع النظام السوري قد انتصر وان الشعب الكوردي فقد كل مكتسباته,نعم من المؤكد بعد الاتفاقيات الروسية الامريكية التركية ادت الى حدوث تغيير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية وبعض توازن القوى,فلا زالت هناك مساحات المناورة واوراق التفاوض عديدة قوية في يد الادارة الذاتية كقوات عسكرية مدربة قوامها عشرات الالاف ومؤسسات ادارية تدير امور ملايين البشر وجغرافية شاسعة وتسيطر على العصب الاقتصاد السوري من النفط والثروات الباطنية والثروة الزراعية الكبيرة اضافة لا زال الدعم الامريكي قائم وان القضية الكوردية اصبحت متداولة دوليا الى جانب التعاطف الدولي الكبير فلم يعد من الممكن الاستمرار في انكار هويته وثقافته وحقه في الحياة وادارة نفسه.

بقلم: الكاتب والناشط طلال حسن درويش

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: